رحيل النحات الغامض ورائد حركة «ضدّ الشكل» عن عمر ٨١ عاماً

آلان سارت، الفنان الذي صعب تصنيفه والذي ساهمت منحوتاته المصنوعة من الأسلاك ورسوماته بأقلام التلوين في بلورة تيار «مناهض الشكل» في أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، توفي يوم الثلاثاء عن عمر يناهز واحداً وثمانين عاماً. أعلن غاليري كارما في نيويورك، الذي أعاد تسليط الضوء على عمله من خلال ثلاث معارض منذ عام 2022، خبر وفاته.

يُعد سارت واحداً من أسرار مشهد الفن في نيويورك خلال الستينيات — حضور غامض غالباً ما رُبط بالحركة ما بعد الحدّية (Post‑Minimalism)، مع أنه لم يتلاءم قطّ مع حدودها الضيقة. كانت أعماله في كثير من الأحيان مبنية بشكل هشّ ومفعمة بالسرّية المقصودة؛ كثيراً ما انصرف إلى تجسيد معادلات رياضية ومفاهيم الانحلال (entropy) والقوى غير المرئية للطبيعة.

مقالات ذات صلة

منحوتاته السلكية تظل الأعمال الأكثر شهرة في مسيرته. مصنوعة من شباك وتشابكات البرونز والفولاذ، استعملت هذه الأعمال مواد صناعية متاحة بسهولة — استراتيجية كانت جزءاً لا يتجزأ من نهج الحركة الحدّية. لكن حيث أسبغ الحدّيون طابعاً صارماً من النظام وزهدًا جمالياً، خلق سارت قطعاً سلكية تبدو فوضوية ومتمردة، مؤلفة من عناصر مطمورة أو مطوية أو معلّقة أحياناً فوق المشاهد.

عن أعماله المعلقة قال سارت، الذي نادراً ما منحه مقابلات لتفسير فنه، إنها «تتنفّس»، وكأنها «أرواح، أرقى أشكال المادة». تلمّح هذه العبارة إلى الصفة الجسدية لتلك القطع، التي ضمّتها مجموعات مؤسساتية بارزة مثل متحف الفن الحديث ومتحف ويتني.

برزت بعض منحوتاته السلكية في معرضه الاختراقي عام 1968 في غاليري بيكرت في نيويورك، المساحة المعروفة بتقديماتها غير التقليدية. وكتبت الكاتبة إميلي واسرمان في مجلة آرتفورم أن المعرض غيّر تصورها القائل بأن «آفاق نهضة نحتية تبدو ضئيلة»، مشيرة إلى أن إبداعات سارت من الأسلاك والمطاط جعلته «موهبة حيوية وواعدة».

يقرأ  ابن سياسي فنزويلي مسجون ينتقد تباطؤ الإفراج عن السجناء

معرض عام 2022 لأعمال آلان سارت في كارما، نيويورك.
(من صور الغاليري)

قاد معرض بيكرت إلى إشراكه في معرض هارالد زييمان معرف الحقبة «عندما تتحول المواقف إلى شكل» الذي أقيم في كونستهاله برن عام 1969، وإلى مشاركات جماعية في متحف الفن الحديث وفيتني ومركز الفن المعاصر P.S.1، حيث تضمن العرض الافتتاحي عام 1976 عملاً لسارت قائمًا على فتحة محزوزة في جدار من الطوب. لا يزال ذلك العمل موجودًا في P.S.1 التي استحوذ عليها لاحقاً متحف الفن الحديث وصارت تُعرف باسم MoMA PS1.

كما أنتج سارت رسوماً تُنجز بسَحْب عدة أقلام ملونة عبر ورقة دفعة واحدة، فتنشأ تجريدات تُذكّر بنماذج هجرة الحيوانات. وفي أسلوبه الفرداني وصف سارت تلك «رسومات العصابة» على موقعه بأنها «تُسْكِن لحظة خلقها في عوالم زاهِرة تتنفس». استعرض مركز الرسوم في نيويورك هذه الأعمال عام 2007.

رغم أنه قد لا يُصنّف من بين أشهر فناني جيله، فإن سارت بنى جمهورًا مُخلِصًا ساعد على نموه عرض استعراضي في P.S.1 عام 1990. وكتب النقاد في نيويورك تايمز، ومنهم مايكل كيملمان، أن سارت «يبقى، بالمعنى الأفضل للكلمة، غريب الأطوار».

آلان سارت — ثقب في P.S.1، معبد جدار شمسي خثيوني خامس، 1976.
(من صور الغاليري)

نُشرت قليلة من التفاصيل البيوغرافية عنه علناً: وُلِد في 25 ديسمبر 1944، والتحق ببرنامج العمارة في جامعة كورننيل وتخرّج عام 1966. ثم تابع دراسته في برنامج الفنون في هانتر كوليدج تحت إشراف روبرت موريس، أحد روّاد فن العملية والحركة المفاهيمية.

في 1968 طرح موريس في مقال بعنوان «المناهضة للشكل» في مجلة آرتفورم نظرية فنّ يؤول فيه الاهتمام أقلّ إلى المنتج النهائي وأشدّ إلى العملية نفسها — موقف جاء جزئياً كردّ فعل على الحدّية، وكان مصدر إلهام لسارت الذي اعترف بأن موريس «مكّن عملي من أن يُعرف». انضمّ إلى دائرة تضمنت جيفري لو وغوردون ماتا‑كلارك، ومعهم شارك في تأسيس فضاء سوهو 112 غرين ستريت الذي استمر من 1970 إلى 1974.

يقرأ  منظمات فنية تندد بالتعريفات الجمركية المحتملة

في 1971 دعمه متحف الفن الحديث للمشاركة في معرض في نيودلهي؛ فبقي في الهند قرابة ثلاث سنوات إضافية، «مستكشفًا الأسئلة القصوى عن الذات والعالم التي أثارها الفن»، كما لخص هو ذلك. عاد إلى الولايات المتحدة عام 1974، ونحت لاحقًا تركيبًا خارجيًا ضخمًا يُدعى Ghosthouse (1975)، هيكلًا يشبه المأوى مكوّنًا من الأسلاك عرضه في آرتبارك في غرب نيويورك.

آلان سارت أثناء إنشاء Ghosthouse (1975).
(من صور الغاليري)

ادّعى سارت على موقعه الإلكتروني أنه طوال جزء كبير من مسيرته كان «فنانًا مستقلاً» عمل من دون دعم تجاري أو مؤسسي كبير. وبالفعل ثمّة فجوة امتدت أحد عشر عامًا في سيرته الذاتية بين عرض P.S.1 عام 1990 ومعرض عام 2001 مع James Cohan Gallery الذي قُيّدت فيه أعماله بأعمال النحات كارل أندريه.

يبدو أنه وجد في حريته مصدر غذاء فنيًا، إن دلّ على ذلك سيرةً كتبها بنفسه: «يمكن للفن أن يستفيد بإعادة التواصل مع العمارة والزراعة، مع طقوس الحياة وتجاوزها. على هذا الطريق تتحقق الحرية من تسليم العمل المتواصل سنويًا أو نصف سنويًا، مما يتيح حتى عمرًا كاملاً لحلّ المسائل الصعبة.»

أضف تعليق