ولدت ليونورا كارينغتون (1917–2011) في أسرة ثرية وذات صلات مرموقة في إنجلترا، ونشأت على حكايات شعبية سلتية عن كائنات أسطورية من أيرلندا رواها لها أمها وجدتها؛ فكان لخيالها المرهف أثر بالغ في طفولتها. امتازت بروح متمردة دفعتها إلى الطرد من أكثر من مدرسة راهبات بسبب حركاتٍ غريبةٍ مثل الكتابة بالمقلوب ومحاولاتٍ لوهم بالطيران. رغم ذلك أصر والدها على تقديمها لمصطفى البلاط في حفل عرض الشابات وكان متوقعًا منها أن «تزفّ بخير».
لكن الفن والخيال صمما على أن يسهرا في طريقها: التحقت بكلية تشيلسي للفنون، واكتشفت السريالية في معرض السرياليين الدولي عام 1936، وبنت علاقةً حميمة مع الفنان ماكس إرنست. ومن خلال علاقاته تعرفت إلى أقطاب تاريخ الفن أمثال أندريه بريتون، سلفادور دالي، خوان ميرو، وبابلو بيكاسو، وغيرهم.
يُعرف عمل كارينغتون بالغنى التصويري الغريب، غير أن إرثها يمتد إلى ما وراء السطح الثنائي الأبعاد. يعرض مشروع «شكل الأحلام» في غاليري L’SPACE مقاربةً خياليةً لتماثيلها وفنّها القابل للارتداء، لا سيما عبر تماثيل برونزية كبيرة الصب باستخدام تقنية الشمع المفقود ومجوهرات مطلية بالذهب. أكثر هذه التماثيل صُبّت في أواخر حياتها، مع نسبة أقل صُنعت بعد وفاتها.
تغشى الخيال الحالم كل جوانب عملها؛ وقد تركت أحداث الحرب العالمية الثانية وآثارها المروعة أثرًا عميقًا عليها، حتى قضت شهورًا في مؤسسة نفسية. وبعد خروجها استقرت أخيرًا في المكسيك، حيث عاشَت نوعًا من المنفى وصاغت أعمالًا سريالية تستجلي طبيعة العبور وعدم الاستقرار، متكررةً في ذلك بموتيفات الكائنات الطائرة والمشاهد المتبدلة. كما تقول الغاليري: «ثمّة معارض تبدأ من منطلق بحثي، وأخرى تبدأ من حدس. بدأ ‹شكل الأحلام› بسؤال بسيط لكنه مُلح: ماذا يحدث حين تخرج الكائنات الخيالية التي تسكن لوحات ليونورا كارينغتون من القماش وتدخل عالمنا؟»
حقيقة أن الطابع الأسطوري والوثني لأعمالها المجسدة مستمدّ مباشرة من شخصيات لوحاتها واضحةٌ للعيان: أَشكال مُقنّعة، أقنعة غريبة، وهجائن إنسان-حيوان تسكن عالمًا ساحرًا وخرافيًا. وتبدو التماثيل كأنها في موكب؛ كما لو أن مخلوقات كارينغتون وكاهناتها وحيواناتها المهجنة وكائنات الأحلام قد خرَجت من السطح التصويري ودخلت فضاء المعرض.
يستمر معررض «شكل الأحلام» في نيويورك حتى 25 يوليو. كما يهتم المتابعون بفيلم السيرة الجديد «ليونورا في ضوء الصباح»، وبالمعرض المقام بعنوان Leonora Carrington: Portrait of a Singular Artist الذي يستمر حتى 19 يوليو في متحف لوكسمبورغ.