عملاق في تاريخ الفن

رحل الفنان والمربي سليمان منصور، الذي ساعد في صياغة اللغة البصرية لصمود الفلسطينيين، يوم الاثنين في القدس عن عمر يناهز التاسعة والسبعين. وأعقب وفاته تدفّق واسع من الحزن والامتنان من جانب الفنانين والمشتغلين بالفنون في الوسط العربي وخارجه، وكان كثيرون منهم يعتبرون منصور مصدر إلهام وصديقاً. وفي ما يلي، تتأمل الفنانة التشكيلية الرائدة سميحة حلاوة، وهي من أوائل رواد الرسم الفلسطيني، في حياة سليمان منصور وإرثه.

لقد أثّر فيّ سليمان منصور تأثيراً كبيراً عندما حضرت محاضرة له في نيويورك قدّم فيها الفن الجديد للانتفاضة في أواخر السبعينيات. وكانت المحاضرة جزءاً من مشروع شخصي يهدف إلى التواصل مع الفنانين في “الداخل” و”الخارج” بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، حين فُتحت الحدود بين “فلسطين 48” والضفة الغربية.

“فلسطين 48” تعني بالنسبة لنا الجزء من فلسطين الذي احتُل عام 1948. أما أنا فكنت لاجئة من حرب 1948، وكان سليمان كمن يصب الماء على بذرة خاملة تتلهف إلى الإنبات. لقد ربطني بعالم فني اقتُطع مني بعنف. رأيت سليمان منصور يخرج من مكان ينتمي إليه بوضوح، مكان اشتقت إليه، مكان احتضنه، مكان عاش فيه مباشرة مآسي الناس وأملهم.

تميّز فن سليمان منصور ونشاطه بحبه لفلسطين وقيادته الفطرية. لقد وقف في مكانة خاصة: مربياً، ومرشداً لكثيرين، وقدوة لأكثر الناس، وانعكاساً بصرياً لحبنا لأرضنا وثقافتنا. نحن مدينون له بتكريم دائم. العمالقة عادةً يقفون منفردين بعض الشيء، لكن سليمان، بأسلوب فلسطيني أصيل، كان له أصدقاء مقربون شاركوه أوقات الراحة والضحك.

كان سليمان جزءاً ملهمًا من نواة أسّست اتحاد الفنانين الفلسطينيين، الذي أصبح تنظيماً جزءاً من اتحاد الفنانين العرب. وقد تحوّل فنانو الاتحاد إلى أبطال أسطوريين في الاجتماعات خارج فلسطين، إذ كان الاحتلال يمنعهم في أكثر الأحيان من السفر. وأُطلق على فرعهم في الاتحاد دولياً وبالإجماع وصف “الفرع المركزي” في مدينتنا المحبوبة القدس، المدينة المباركة.

يقرأ  كين غريفن يعتزم إنشاء مرسى لليخوت الفاخرة في ميامي

مع اندلاع الانتفاضة، اتخذ اتحاد الفنانين الفلسطينيين في أواخر الثمانينيات موقف مقاطعة اللوازم الفنية الإسرائيلية، وانتقل إلى استكشاف الحرف الفلسطينية التقليدية والريفية. فاتجه سليمان إلى استخدام خلطات من الطين والتبن المستخدمة في الأفران الريفية المكشوفة. أما أصدقاؤه في دائرته، مثل نبيل عناني صديقه المقرب، فذهب إلى الخليل وعاد بسيارة مليئة بجلود لم يكتمل دبغها، وكان يخطط لاستخدامها أساساً للرسم. وظل نبيل وسليمان يضحكان من الرائحة الكريهة التي كانت تفوح من الجلود بسرعة قبل أن يجد نبيل طريقة للتعامل معها.

أما تايسير بركات فاتجه إلى الحناء وسيطاً مائياً، بينما ركّزت فيرا تماري على الخزف. وفي الحالات الأربع جميعها، أفضى استخدام وسائط جديدة إلى ظهور أنماط جمالية مدهشة. وكان مصدرها الحماس الجماعي لشعب دخل في ثورة، ثورة كانت تشكّل لجان اعتماد على الذات في كل مجال. عندما قابلت سليمان بعد سنوات، قال لي إنه قبل الحركة الثورية للانتفاضة كان يعتقد أن لوحاته يمكن أن تغيّر العالم، لكن الانتفاضة علّمته أن الانسجام مع مجتمع في حركة ثورية هو ما يغيّر العالم فعلاً.

إنه محبوب لتأسيسه مركز الوسيطي للفنون عام 1994 مع مجموعة نواة من الفنانين: نبيل عناني، وتايسير بركات، وفيرا تماري. يقع المركز في القدس، وأصبح لسنوات المكان الذي يُزار، ليمكّن الفنانين الفلسطينيين المشردين في المنفى في أنحاء العالم من العودة إلى ينبوع الوحدة والانتماء. وقد سُمي مركز الوسيطي تكريماً للفنان العراقي الكبير يحيى بن محمد الوسيطي، الذي عاش في القرن الثالث عشر.

وفي مركز الوسيطي، دعاني سليمان إلى الكتابة عن فن الانتفاضة. قادتني تلك الدعوة إلى أول كتابة لي عن الفن الفلسطيني، نُشرت في اليابان، ثم إلى كتابي “فن التحرير في فلسطين” الذي صدر عام 2003.

يقرأ  متجر فاخر جديد لسوذبيز في شارع ماديسون

كفنانة تشكيلية، أعتبر سليمان منصور عملاقاً في تاريخ الفن. وحين أتأمل لوحاته، تستحضر ذاكرتي عدة أعمال. أولاً، أذكر لوحة “إغاثة الأمم المتحدة” (1984)، وهي تصوّر أمّاً وطفلها جاثيين على حافة طريق سريع في الصحراء، مع حمار في الخلفية البعيدة. توجد لافتة على الطريق تظهر الأهرامات وعليها عبارة “650 م”، تشير إلى الطريق إلى مصر. تذكّر اللوحة بهروب السيدة مريم والطفل المسيح إلى مصر. وفي إحدى المقابلات، أشار سليمان إلى أن “650 م” ربما كان إشارة إلى قرار من قرارات الأمم المتحدة. وقال لي ونحن ننظر معاً إلى الصورة: “أخذوا منها بلدها وأرضها وقرايتها وبيتها، وأعطوها في المقابل رغيف خبز واحد.”

في اللوحة، وُضع رغيف الخبز بعناية على حجرها فوق منشفة يحدّها خط أزرق. كان فن الانتفاضة فناً رمزياً يخاطب شعبه بوعي، وليس العالم الفني الدولي. ورموزه واضحة للفلسطينيين.

أما لوحة “القرية تستيقظ” (1988) فتحتفل بيقظة الانتفاضة. يعود منصور في هذه اللوحة إلى مصدر ثقافة مدننا العظيمة: القرية والحياة التي تمنحها. استخدم بجرأة صورة امرأة تهيمن على اللوحة، جالسة متربعة وفخذيها مفتوحتين، ينبثق منها جمهور من الحرفيين بوفرة إلى الأرض والقرية، ما يجعلها مكاناً فريداً لميلاد الحضارة.

لوحته “العشاء الأخير” (1986) تظهر مجموعة من القرويين جالسين متربعين على بساط حول طاولة دائرية، يتشاركون الطعام من صينية مستديرة. المكان سطح مكشوف تحت عريشة عنب، والحقول المحيطة مليئة بأشجار الزيتون. يصور منصور المسيح كفلسطيني، رجلاً من الشعب، يكسر الخبز مع تلاميذه: عشاء أخير في أجواء كرم الضيافة التي تشكل قلب الثقافة الفلسطينية.

في عام 2003، دعاني متحف المحطة للمشاركة في جمع الأعمال لإقامة معرض “صُنع في فلسطين”. وكان من واجبي السعيد أن أرشد جيمس هاريثاس، مدير متحف المحطة، مع اثنين من القيمين عليه وعضو من الصحافة، في رحلة عبر أجزاء فلسطين التاريخية كافة، بما في ذلك غزة ودمشق وعمّان وأماكن أخرى في الأردن.

يقرأ  صور فرانك ريل تحتفي بسحر مستنقعات لويزيانا من عالمٍ آخر — كولوسال

كانت مشاهدة هاريثاس، وهو متأثر بالفن الفلسطيني، يبلور المعرض في ذهنه ببطء دون أن يدوّن ملاحظات، نظرة إلى عقل قيّم كبير. وكانت النتيجة معرضاً رائعاً للفن الفلسطيني بعنوان “صُنع في فلسطين”، افتُتح في متحف المحطة في هيوستن، تكساس، عام 2003. وفي ليلة الافتتاح، جاء مجتمع “سيارات الفن” في هيوستن لتقديم التحية. صفّوا سياراتهم الراقصة بأضواء متلألئة على امتداد واجهة المتحف، ورحّبوا بنا نحن الفلسطينيين لنجرّب تلك السيارات من الداخل.

كانت مشاركة سليمان منصور في معرض “صُنع في فلسطين” رائعة كروعة المعرض نفسه. عُرض له عملان كبيران: “أنا إسماعيل” (1997)، وهو سلسلة من ست لوحات طينية كبيرة لرجال واقفين، وأمام هذه اللوحات الست كانت قطعة أرضية بعنوان “حديقة الأمل” (2002). صُنع العملان من الطين وتُرِكا ليجفا ويتشقّقا. إسماعيل يُوصف دينياً بأنه أبو العرب، بينما تشير “حديقة الأمل” إلى الشهداء الذين ماتوا دفاعاً عن فلسطين. تقول الأسطورة الشعبية والأدبية إن الشهيد عندما يسقط على الأرض، فإن التراب الذي يتلقى دمه يبعث مقاتلين جدداً، ولذلك نُثرت الورود على الطين المتشقق في العمل الفني.

سليمان منصور لنا، ونحن لا ننساه أبداً.

أضف تعليق