في الثامنة والثمانين، بيتر كامبوس يستبدل كبرياء الشباب بتواضع سنواته الأخيرة

تستقبلني نظرة قاتلة لدى دخولي معرض بيتر كامبوس في متحف فيليبس بواشنطن العاصمة. يحدّق بي رجل مباشرة—أمام الكاميرا بالأحرى—وحدة حاجبيه القاسيتين، السميكتين والمحدّدتَين، تزيد من حدة النظرة وتمنحها شحنة لا تخطئها العين.

أتحقّق من عنوان الفيديو فأعرف أنه نظرة موت من نوع آخر: «رأس رجل يحمل الموت في ذهنه» (1978). يبتلع الرجل أحيانًا، ويرمش نادرًا. وعلى الرغم من الخلفية البيضاء، يضيء وجهه كما لو كان مصوَّرًا بضوء كياروسكّورو، مسجَّلًا بالأسود والأبيض. هل يفكر في موته الخاص، أم في موت حبيب، أم في حزن عام؟ في لحظة ما تهبط عيونه إلى الأسفل كما لو كان ينظر إلى الجحيم أو القبر، أو ببساطة يشعر بالحزن. العبء هنا يكمن في القليل الحاصل—ومع ذلك تظل الصورة توقظ الانتباه.

مقالات ذات صلة

صنع كامبوس هذا العمل في أوائل الأربعينيات من عمره. لا أستطيع إلا أن أتأمل كم من زملائه—كم من الجيل الأول لفنّاني الفيديو—رحلوا الآن، وكيف قد يختلف حضور الموت في ذهنه وهو في الثامنة والثمانين عما كان عليه في الحادية والأربعين.

وصف رولان بارت الكاميرا باعتبارها مرتبطة جوهريًا بالموت: إنها تمارس نوعًا من الموت المصغر بتجميد لحظات باتت غائبة فعلاً لحظة انغلاق المصراع، ودائمًا تلتقط شيئًا أو شخصًا مقدّرًا له أن يفنى. وفي الوقت نفسه تكون الصورة الفوتوغرافية جسرًا خاصًا يربط الحياة بالموت—الغياب والحضور في كيان واحد.

«رأس رجل يحمل الموت في ذهنه» ليس، طبعا، صورة ثابتة بل صورة متحركة؛ ومع ذلك فالحركة فيها في حدود الضئيل. يستثمر الفيديو طابعه الزمني لثني الحتمية بطريقة محورية: لا بداية واضحة ولا وسط تقليدي ولا نهاية محسوسة. العمل يكرر نفسه في حلقة لا تنتهي.

في الغرفة التالية تُعرض أربعة فيديوهات للمشهد الطبيعي حيث يعيش كامبوس على لونغ آيلاند. هذه أيضًا صور ثابتة-متحرّكة يُعاد عرضها على حلقة مستمرة. فورًا يستحضر ذهني كيف يمرّ الزمن بطريقة مختلفة للصخور والأنهار مقارنةً بذلك الرجل الذي يشغل الموت ذهنه. تشكّل هذه الأربعة معًا «رباعية فيليبس» (2023–2024) وتتناول، بحسب تصريح كامبوس في الكتالوج المرافق، «الضوء الخاص في شرق لونغ آيلاند».

يقرأ  المتاحف البريطانية تلجأ بشكل متزايد إلى إشراك الجمهور في صنع القرار

اهتمّ الفنان منذ زمن طويل بالانكشاف الذاتي، وبالنفي الذاتي كذلك—وهو ما يظهر في حروفه الصغيرة وفي عمله الأشهر «Three Transitions» (1973). في مشهد من ذلك العمل يبدو كأنه يمحو وجهه، ليظهر تحتَه فيديو آخر لوجهه. يكشف الفيديو عن حيل مونتاجية بديهية لكنها ساحرة؛ هو يختفي ويعاود الظهور كما لو كان مصنوعًا من غبار يعود ويذوب. التأثيرات الخاصة مغرية دون أن تشعر كمتفرّج أنها خدعة سينمائية مُخادعة: تُرى اللحامات وتُرى يد الفنان، وهذا أكثر إمتاعًا بكثير من سحر الأفلام المخادع.

في الكتالوج، يصف جون ج. هندهارت—أحد أمناء معارض الفيديو البارزين الذين تربّوا مع كامبوس والذي نظم هذا المعرض—فتنته بالأعمال المتأخرة، وخاصة أعمال كامبوس. يؤكد أن الأعمال الجديدة تجسّد توليفة مسيرته. وبعد خمسين عامًا، يصبح التوجّه نحو الأرض وسيلة لتكريس ذلك التواضع النافي للذات. أحد فيديوهات الرباعية، «بِلسينجوِاي» (2024)، صُنع أثناء كسوف شمسي ويحمل اسمه من مصطلح نافاجو يدلل على الانسجام بين الذات والطبيعة. عملٌ آخر، «هناك ما» (2023)، صُنع حين مشى كامبوس في المياه الضحلة «باحثًا بلا جدوى عن شيء، غير متأكد مما هو، حتى ضعت بداخله»، كما يصف الفنان. وعند التأمل في مسيرة حياته، يضيف: «بدأت بذات كبيرة حريصة على ترك علامة؛ ومع التأمل اليوم اشعر بتواضع عميق.» الان

أضف تعليق