في صميم المعرض يقف عملان لاثنين من الفنانين الراحلين، ايسا سامب وبيفرلي بوكانان، فكريّتهما هي التي تحيّي مشروع «In Minor Keys»؛ إذ خصص الجناح المركزي عدة قاعات تُسمى «أضرحة» لعرض أعمالهما. في أحد الأقسام تُعرض ترجمة لعمل سامب La Cour (The Yard)، تلك «التركيبة الدائمة المتغيرة من ساحة-منزل-استوديو»، التي اختارتها كورية المعرض كأحد أهم الأعمال المؤثرة في عقد 2010؛ وفيديو لAdrienne Edwards يُسقط فوق بعض تماثيله ليمنحها حركة وحياة. اللافت هنا عاطفة الرعاية والاهتمام الواسع المَمنوح لبوكانان وممارستها الفنية الشاملة؛ إذ تكشف الوثائق المرئية لسلسلات أعمالها الأرضية عن تماثيل صغيرة على جنبات الطرق تعمل كعلامات مكانية قد تمرّ عليها العين دون أن تلحظها.
مرشد آخر في هذا العرض هو مارسيل دوشامب، الذي تُقدَّم ابتكاراته مثل الـreadymade كممارسة تفهم عالم الفن على أنه آلة يمكن تقويضها بـ«أعمال تغرز داخل هذه الآلة، وتسكب الغراء في تروسها»، كما تُشير لوحة سياقية. مقالة في الكتالوج لإلينا فيليبوفيتش تستقصي الأواصر الفنية بين سامب ودوشامب واهتمامهما بالهامش. من المعروضات Boîte-en-valise، التي تُجمع فيها أشهر أعماله على مقياس مصغر وقابل للنقل. وفوق هذه الحقيبة تظهر صورة لـAkinbode Akinbiyi تُظهر كومة من مخلافت حضري في برلين، بينها مرحاض مهمل عليه عبارة «Fuck Duchamp».
تُشكل أعمال سامب وبوكانان ودوشامب بذورًا لخط سردي يتكرر في تقاطيع المعرض؛ ومن هذا المنطلق بُني قسم يمتد عبر الفضاءَين بعنوان «المدارس»، الذي يهدف إلى إبراز مساهمات مساحات يديرها الفنانون أنفسهم، والتي رعت خلال العقدين الأخيرين أجيالاً فنية متعددة. إن التركيبات التي تقدمها مجموعات مثل Denniston Hill في ولاية نيويورك، ومؤسسة Guest Artists Space (G.A.S.) في لاجوس، وblaxTARLINES في غانا، ومعهد نيروبي للفن المعاصر (NCAI) تتسم بالفوضى المنظّمة والتعدُّدية، وتبيّن طرقًا متباينة لصنع الفن.
في سياقٍ موازٍ، تعرض غوادالوبي روزاليس تركيبًا يُنظّم شظايا الأرشيف المجتمعي الضخم الذي جمعته على مدى عقد من الزمن لإظهار جمال مجتمع اللاتينيين في لوس أنجلوس. على ثلاث مجموعات من الستائر الرأسية يُعرض Retiro (2019)، سلسلة مقابلات فيديو تجري فيها ناتاليا لاسالي–موريو حوارات مع والدتها وشريكتها غلوريا ماريا موريو التي تُعيد كتابة تاريخها الشخصي في الزمن الحقيقي. يجمع غوادالوبي مارافيا آثار الهجرة المادية —أشياء مُعثر عليها تستعيد طفولته حين انتقل إلى الولايات المتحدة من السلفادور— ويحوّلها إلى تماثيل «راشقي الأمراض» التي يصفها بأنها «أضرحة وآلات شفاء في آن». تُصبح الفجوات في الأرشيف جمالية تستحق الاحترام عبر منحها مساحة، كما في سلسلة «مرصد البحيرات» (Observatorio de Lagunas) لسوفيا غاليزا مورينتي. ومن بين الأعمال، Guaniquilla luminosa / Luminous Guaniquilla (2023) التي تعرض لقطات Super 8 مزُوّدة بلون أزرق مُحوَّر لساحل في كابو روخو ببيورتو ريكو حتى بلغت حد التجريد.
ومن أكثر أعمال المعرض تأثيرًا تركيب آفي موغرابي Between a River and a Sea (2026)، الذي يُبيّن على شاشة سجلات دليل الأعمال من لبنان وفلسطين وسوريا عام 1938، بينما تُعرض على شاشة مقابلة نسخة إلكترونية من صفحات الصفراء لغزة عام 2023؛ الأولى تسبق قيام دولة إسرائيل، والثانية تسبق الدمار الذي حلّ بقطاع غزة بعد أحداث 7 أكتوبر. لقد تضرّرَت الحياة والأنشطة الاقتصادية التي تدعمها هذه الصراعات بشكل لا يُرجع عنه، رغم فاصل زمني يبلغ ثمانين عامًا. يقدم وليد رعد، الذي طالما شكّك في موضوعية الأرشيف عبر خلق أرشيفات خيالية وتأملية، تركيبَيْن قويَيْن يضعان المشاهد أمام سؤال الحقيقة والمزيف. في الجارديني تُعلق إحدى عشرة صورة تُزعم أنها تُظهر بعض الأسرة التي نام عليها ياسر عرفات؛ عرفات الذي لم يُمكث ليلتين متتاليتين في المكان نفسه شهرةً عنه. وفي الأرزنال تُعرض منصات ألوان (بالتلات) تحوي نسخًا من أعمال مفقودة لم تُرَ منذ عقود؛ فقد شُحنت هذه المنصات من لبنان بعد نهاية حربه الأهلية (1990) إلى جمهوريات يوغوسلافيا التي كانت تستعد لحروبها. كما تذكّرنا لوحة جدارية بكلمات موجزة: «ينتهي حربٌ، وتبدأ حربٌ أخرى. انتقلت الأسلحة بسهولة من حقل قتال إلى آخر».