ما هي لعبة «الجسد البديع»، ولماذا لا يزال الفنانون يمارسونها؟

كيف ينجح الفنانون في الخروج من عوالمهم الذهنية واللعب بحرية؟ لدى السرياليين إجابات مدهشة على هذا السؤال. عشّاق الصدفة والمفاجأة والغريب في أوائل القرن العشرين ابتكروا مجموعة من الألعاب التي استعملوها للوصول إلى اللاوعي وتحفيز الإبداع التشاركي. كانت لعبة «الجثة الرائعة» من أشهر هذه الألعاب ولا تزال تُمارَس حتى اليوم.

في هذه اللعبة، يتتابع المشاركون على رسم أجزاء من جسد إنساني على ورقة تُطوى بحيث لا يرى كل مشارك ما رسمه سابقوه. تُمد خطوط قصيرة عبر الحواف المخفية لتدل على الموضع الذي ينبغي أن يبدأ منه الفنان التالي، فتتصل الأجزاء في النهاية لتشكّل جسماً واحداً — غريباً بطابعه لكنه متصل. إن العمل على ورق رخيص وغير مترف شجّع المغامرة والتجريب بلا رهبة، وساعد السرياليين في الاقتراب من الآلية التلقائية والطبقات الذهنية التي لا تخضع للمنطق المباشر.

أسفرت جولات «الجثة الرائعة» عن شخصيات شاذة ومسلّية ويصعب تصديقها. تكشّفت الثنيات عند فكّها عن انتقالات غريبة بين خيال فنان وآخر. كان السرياليون مولعين بتركيب أشياء لا تلتقي عادةّ، ليروا ماذا سيولد الجمع البهلواني بينهما: فنجان شاي مبطّن بالفراء عند ميريت أوبنهايم، أو عين ملصوقة على ميترو نوم عند مان راي، أمثلة على هذا الميل إلى المزج العجائبي؛ وكانت رسومات «الجثة الرائعة» منابر لدمج أشياء معقّدة وغير منطقية معاً. اليوم تُعرض أعمال من هذا النوع في متاحف الفن الكبرى حول العالم.

«كنا في الوقت ذاته مستفيدين ومساهمين في فرحة رؤية مخلوقات تظهر فجأة لم نتوقعها، مع أننا نحن من أدى إلى خلقها»، تذكّرت سيمون كان، إحدى عضوات المجموعة المقربة وزوجة قائد الحركة أندره برتون. هذه الولادة الجماعية الفطرية أعادت التساؤل حول طبيعة المسعى الفني كما فعل السرياليون مراراً عبر السنوات.

يقرأ  تعطّل نقل الأعمال الفنية وارتفاع قياسي للأسعار وسط تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران

فكرة اللعبة واسمها انبثقا من لعبة كتابة سابقة كان يشارك فيها الناس بكتابة جمل على ورقة تُطوى بعد كل إضافة، لتتشكّل في النهاية قصة لا معنى لها. «بدأنا بألعاب كتابية، صُيغت لتشويه عناصر الحوار الطبيعية وجعلها متناقضة قدر الإمكان»، كتب برتون لاحقاً، موضحاً أن تحوير الاتصال الإنساني منذ بدايته قادهم إلى مغامرة أخاذة.

حصل أن جملة من لعبة الكتابة كانت: «الجثة الرائعة ستشرب النبيذ الجديد». وفي ليلة من سنة 1925، أثناء تجمع سرياليين في منزل الممثل والكاتب الفرنسي مارسيل دوهامل في شارع شاتو رقم 54 بباريس (المبنى لم يعد قائماً)، اقترح أحدهم أن تُمارَس اللعبة بالرسوم بدل الكلمات. طوّر برتون، مارسيل دوشام، جاك بريفيه، وإيف تانغي اللعبة الجديدة، واستلهموا اسمها من تلك العبارة اللاعقلانية. في مانيفيستو السريالية الذي كتبه برتون العام السابق، دعا إلى استعمال الرسوم التلقائية كوسيلة للتواصل مع اللاوعي؛ وكانت هذه إحدى الطرق العملية لذلك.

«ما إن انطلقت مخيلة هؤلاء الرجال حتى أصبح من المستحيل كبحها. صرخ أندره من الفرح، فالتعرّف الفوري على ينبوع إبداعي طبيعي من هذا النوع كان يكاد أن يكون نشوة لديه»، روت كان. «أكثر من الكتابة التلقائية، كنا متأكّدين من الحصول على مزيج مذهل: مفاجآت عنيفة توقظ دهشتنا وتغذي شغفاً لا يهدأ بصور جديدة، صور لا يقدر عقل واحد على اختراعها بمفرده—صور تولد من التوليف غير الطوعي واللاواعي وغير المتوقع لأذهانٍ متعددة ومختلفة.»

بعيداً عن كونها أعمالاً إبداعية متوهّجة، تُعد رسومات «الجثة الرائعة» اليوم سجلاً للتاريخ الاجتماعي، كاشفة عن علاقات ومعارف بين فناني ذلك العصر. وضمّت هذه التجارب تعاونات مع فنانات سرياليات كثيرات تم تجاهلهن لاحقاً في بعض الروايات التاريخية، مثل ريميديوس فارو وفالنتين هوجو.

يقرأ  أسبوع الفن في ميدلزبره يبرهن أن مراكز التسوق هي صالات العرض المستقبلية

«ما أدهشنا في هذه الألعاب أن لا عقل مفرد كان قادراً على إنتاج ما أبدعته الأيدي مجتمعة»، لاحظ برتون. «بهذه الطريقة وجدنا – أخيراً – منفذاً للهروب من نقدنا الذاتي وإطلاق العنان لأنشطة العقل المجازية».

استمر رواج اللعبة عبر عقود. في أواخر ستينيات القرن العشرين مارست مجموعة «هيري هو» في شيكاغو اللعبة مراراً، وتوجد الآن بعض رسوماتهم التعاونية ضمن مقتنيات معهد الفن في شيكاغو. الفنان والموسيقي والمخرج تيد جوانز شرع في مشروع أطول «جثة رائعة» على الإطلاق، استعمل فيه أرفف ورق الحاسوب المطوي، وحمله عبر ثلاثين عاماً ليضم 132 مشاركاً من أنحاء العالم، من بينهم رولاند بنروز وبيتي سار ودوروثيا تانينغ وديفيد هامونز.

كما استعاد فنانون معاصرون اللعبة بأشكال أقل صرامة؛ في 2010 دعت مؤسسة آرمتيج في نيويورك أكثر من مئتي فنان معاصر (من بينهم كيري جيمس مارشال) لإنتاج رسومات تعاونية على نمط «الجثة الرائعة» احتفاءً بلقاءات الصدفة. وكذلك مارسها فنانون من حركة ما بعد الحداثة البريطانية مثل جيك ودينوس تشابمان ونحاتون أمثال إريك كروز.

في بينالي البندقية لهذا العام، بعنوان «في مفاتيح صغيرة» والمعروض حتى 22 نوفمبر، قدّمت مؤسسة الإقامة الفنية دنِستون هيل نسختها من لعبة «الجثة الرائعة» بمساهمات من 150 من خريجيها. وفي اليوم الذي سبق افتتاح البينالي، نظّمَت دنِستون هيل ومنظمة غير ربحية في نيويورك جلسة مسائية للرسم التعاوني. عندما تجتمع المدينة لتجمع فنّانين من شتى أنحاء العالم وممارسات متباينة، تصبح الظروف ملائمة لالتقاط توليفات بديعة ومفتوحة على الاحتمالات.

هكذا بقيت لعبة «الجثة الرائعة» وسيلة حيّة للهروب من الانغلاق الذهني، للاحتفال بالصدفة، ولإنتاج صورٍ لم تقدر عليها عقول منفردة—صيغٌ إبداعية تنبثق من تماس العفوية واللاوعي وتعاون النفوس.

يقرأ  تأشيرات إتش‑١بيما هي وكيف قد تغيّرها إدارة ترامب؟

أضف تعليق