وفاة الفنان الذي كان يمثل ألمانيا في بينالي البندقية عن عمر واحد وأربعين عاماً

هيلينريكه ناومان، النحاتة التي ارتبطت شهرتها بتركيبات فنية مؤلفة من أثاث ومواد تصميم تستدعي ماضي ألمانيا الشرقية المضطرب، توفيت يوم السبت عن عمرٍ يناهز الواحد والأربعين.

وفاة ناومان سبقت أحد أكبر مشاريعها حتى الآن: الجناح الألماني في بينالي البندقية، حيث كان من المقرر أن تمثل برلين ألمانيا هذا العام إلى جانب الفنانة سونغ تيو. واصدرت المعهد الألماني للعلاقات الخارجية (ifa) بياناً اعلنت فيه أنّ سبب الوفاة كان «مرضاً قصيراً وخطيراً».

«برحيل هينريكه ناومان فقدنا ليس فقط علامة بارزة في الفن الألماني المعاصر، بل أيضاً شخصية دافئة، نافذة البصيرة، ومجتهدة بشدة»، قال الـ ifa. «تراثها حيّ في أعمالها، وفي التعاونات الدولية العديدة التي بادرَت إليها، وفي أجيال الفنّين والمهتمّين الذين ألهمتهم أفكارها وإبداعاتها».

أعمال ناومان كانت في آنٍ واحد مزعجة، آسرَة وعاطفية، وتعكس ألمانيا لا تزال غير مستقرة بعد سقوط جدار برلين عام 1989. غالباً ما عملت بمقتنيات جاهزة حصلت عليها وركبتها لتشكيل تركيبات غنية بالدلالات؛ أعمال تبدو عادية، بل تلامس السطحية أحياناً—وهذا كان مقصوداً. ما أسمته بـ«جمالية إعادة التوحيد» هدَف إلى خلق إحساس بالألفة الغريبة.

استقت كثيراً من مقتنياتها عبر موقع eBay Kleinanzeigen، المنصة التي يتبادَل عبرها الألمان بضائعهم. كما قالت في حديث مع مجلة Pin‑Up عام 2022: «أقرأ وأبحث كثيراً كجزء من عملي، لكنني أبدأ فعلياً بتشكيل لغة التثميل لفكرة معينة عندما أنظر إلى ما يفعله الناس، كيف يعرضون أثاثهم—عادة على هاتفي».

وفي مقابلة أخرى لنفس العام مع مجلة Bomb، صرّحت: «أحب أن أبحث عن أشياء أظنّ أنها لا يمكن أن توجد. ثم يتبين أحياناً أنها موجودة، وعندها أحتاج أن أحصل عليها».

بعض المقتنيات التي حصلت عليها حوت خلفيات تاريخية غنية بشكل يكاد يكون خرافياً. في معرض أقيم عام 2018 في متحف Abteiberg بمدينة مونشنغلادباخ، عرضت لوحةٍ مصوغةً لبيرغيت برويل، السياسية المحافظة التي ترأست مؤسسة Treuhandanstalt المثيرة للجدل، وهي الهيئة التي أدارت أصول ألمانيا الشرقية بعد إعادة التوحيد. اكتشفت ناومان اللوحة في أرشيف معرض إكسبو 2000 في هانوفر، الذي شاركت فيه برويل. وكتَب الناقد كيتو نيدو أن اللوحة كانت هديةً من الإمارات العربية المتحدة للجناح الألماني في ذلك الحدث، واعتبرها تصويراً لـ«المدير الرأسمالي كقوة في «البرّيّة» لمنظر ما بعد الاشتراكية الخالي».

يقرأ  ما الذي تكشفه رسائل إيبستين الأخيرة حول إشارات إلى ترامب؟

تركيبٌ آخر بارز من 2018 بعنوان «14 كلمة» استلزم اقتناء الديكور الداخلي لمحل لبيع الزهور بكامله. عُرض العمل في متحف MMK فرانكفورت، وقد بدا بريئاً لزوار لا يعرفون تاريخه المظلم: العنوان إشارة ضمنية إلى شعار يُنسب إلى ناشطين نازيين جدد، وربطت ناومان هذه الإشارة بـ«الأنفاق النازية» (National Socialist Underground) التي ارتكبت جرائم عنف عنصرية من بينها قتل إنفر شمشك، الألماني المولود في تركيا الذي كان يملك محل زهور في نورنبرغ وقت اغتياله عام 2000.

ولكنّ غالبية الأشياء في تركيبات ناومان لم تكن محمّلة بسرديات عنيفة واضحة. معرض Ostalgie (Urgesellschaft) عام 2019 احتوى سجادة وكنباً وهاتفاً دواراً وأشياء أخرى كانت مألوفة لسكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية؛ وضعت ناومان هذه المقتنيات على جدار معرض KOW، حيث وُضعت عناصر عادةً ما تُعلَّق على الحائط على الأرض بدلاً من ذلك. من خلال هذا العرض خلقت «مساحات تخلط بين نسبٍ نازية وثقافة ريف رايف الانتشائية، والعصر الحجري وجمهورية ألمانيا الديمقراطية، لتفنيد التصنيفات المبسطة للشرق قبل وبعد إعادة التوحيد»، كما كتبت إميلي واتلينغتون في Art in America.

وُلدت هينريكه ناومان عام 1982 في تسفيكاو شرقي ألمانيا. أمضت سنواتها الأولى مع جدّيها بينما كان والداها يواصلان دراستهما؛ وكان جدّها كارل هاينز ياكوب يعمل في نظام الـGDR، وقالت لصحيفة Bomb إن «تعليمي الفني المبكّر تأثر بفهم اشتراكي للفن والتعليم كأشياء ينبغي أن تكون متاحة للجميع في المجتمع».

بدلاً من دراسة الرسم أو النحت، انخرطت في برنامج تصميم الأزياء والديكور المسرحي بأكاديمية الفنون الجميلة في دريسدن، ثم درست تصميم الديكور السينمائي والتلفزيوني في جامعة الفيلم بوتسدام‑بابيلسبيرغ وتخرّجت عام 2012. وعزت ناومان نهجها الفني إلى هذا المسار التعليمي: «أريد أن أفهم كل زاوية، مفهوماً وحتّى حرفياً»، قالت لمجلة Pin‑Up.

يقرأ  في غرينينغ تضفي سحرها على «قاموس بريغز للجنيات»

من أعمالها الناضجة المبكرة عمل تناول شبكة الـNSU—التي تورّط أعضاؤها في مقتلة إنفر شمشك—وظهر جزءٌ منها في مدينة تسفيكاو مسقط رأسها، وقد برز هذا الأمر للعامة عام 2011. في 2012 أنتجت ناومان مشروع Triangular Stories، تركيباً احتوى «فيديوهات منزلية» زُعم أنها لأعضاء الـNSU، في حين أن هذه المواد أُنتجت حديثاً على يدها في محاولة لإعادة خلق ذاكرة مزوّرة.

في الأعوام التي تلَت، تسلّقت سريعاً سلم الساحة الفنية الألمانية. شاركت عام 2022 في دوكيومنتا 15 عبر Ghetto Biennale، وهي جهة ترشّح مشاركين آخرين، ومن المقرر أن تصبح من بين قلّة من فناني ألمانيا الشرقية الذين سيمثلون ألمانيا في بينالي البندقية.

دولياً بدأ حضورها يتوسّع، لا سيّما بعد أول عرضٍ رئيسي لها في الولايات المتحدة بمركز SculptureCenter عام 2022، حيث عرضت تركيب Horseshoe Theory، رَصّت فيه كراسي ومقاعد وأثاثاً على شكل حرف U، في إشارة إلى نظرية الحدوة التي تقرّب الطرفين الأيديولوجيين كلما ابتعدا عن المركز السياسي.

الزائرون الذين قلّما يعرفون جمهورية ألمانيا الديمقراطية قد يجدون صعوبة في متابعة كل إشارة في أعمالها، لكنها كانت تصرّ أن أعمالها تبقى قابلة للقراءة، وإن لم يكن بالتحليل فبالحسّ والعاطفة. «يمكن بالطبع إدخال عناصر نظرية لفك الشيفرة، لكن الأثاث، بالنسبة إليّ، ينتمي إلى الذاكرة العامة والسياسية»، قالت ناومان. وفي هذا الإطار تركت عملاً أثرى المناقشة حول كيف تحفظ الأشياء العادية ذاكرة مجتمعاتها. لا شئ يعوض خسارتها.

أضف تعليق