أسبوع الكتاب في أديلايد ينهار بعد إلغاء مشاركة كاتب فلسطيني

رندا عبد الفتاح تصف قرار استبعادها من مهرجان ادليد بأنه «فعل مشين من العنصرية المعادية للفلسطينيين».

أحد أكبر المهرجانات الثقافية في أستراليا وجد نفسه في فوضى بعد قرار سحب الدعوة من الكاتبة الأسترالية-الفلسطينية البارزة، ما أثار رد فعل عنيفاً واندفاعاً جماعياً للانسحاب من قبل عدد كبير من الأدباء والزملاء.

قال مجلس إدارة مهرجان أديلايد الأسبوع الماضي إن الدكتورة رندا عبد الفتاح، الناقدة الصريحة لإسرائيل، أُزيلت من برنامج «أسبوع الكتاب» لأسباب تتعلق بـ«الحساسيات» عقب حادث إطلاق النار الذي أودى بحياة 15 شخصاً في مهرجان يهودي على شاطئ بوندي في ديسمبر، والذي نسبت السلطات أنه ألهمَ بعض منفذيَه تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم أن المجلس أضاف أنه «لا يقترح بأي شكل من الأشكال» أن لعبد الفتاح «أي صلة» بالمأساة في بوندي، فقد قرر أن وجودها لن يكون «حساساً ثقافياً» بالنظر إلى «تصريحاتها السابقة».

وصفت عبد الفتاح قرار استبعادها بأنه «عمل صارخ ومخزي من العنصرية ضد الفلسطينيين والرقابة»، واعتبرت محاولة ربطها بهجوم بوندي «بغيضة».

في الأيام التالية، انسحب عشرات الكتّاب المدعوِّين للمشاركة من المهرجان. وبحلول يوم الثلاثاء ارتفع عدد المنسحبين إلى نحو 180 شخصاً منهم رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أردرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والصحفية الأميركية الروسية ماشا جيسن، والكاتبة الأسترالية المحبوبة هيلين غارنر والروائية البريطانية-الأسترالية كاثي ليت. ولقد انتقد كثيرون القرار علناً واعتبروه هجوماً على حرية التعبير.

استقال أربعة من أعضاء المجلس الثماني، بينهم رئيس المجلس، دون توضيح الأسباب. وفي يوم الثلاثاء استقال أيضاً مدير «أسبوع الكتاب» الذي دعا عبد الفتاح إلى المشاركة.

وقالت لويس أدلر، ابنة ناجين من الهولوكوست، «لا أستطيع أن أكون طرفاً في إسكات الكتاب»، وأن استبعاد عبد الفتاح «يضعف حرية التعبير ويشي بنشوء أمة أقل حرية».

المأزق القانوني والمخاطر على المهرجان
القصة قد تؤدي إلى إجراءات قضائية وقد تعطل المهرجان بكامله، الذي يضم أيضاً عروض موسيقية ورقص ومسرحاً وأنشطة ثقافية أخرى، والمقرر أن يبدأ في نهاية فبراير.

لماذا انتُقدت رندا عبد الفتاح؟
كانت عبد الفتاح، الروائية والمحامية والأكاديمية، مدعوة إلى المهرجان للحديث عن روايتها الأخيرة «الانضباط» التي تصفها بأنها «حكاية تحذيرية عن ثمن الصمت والجبن». لكن تصريحاتها السابقة استدعت انتقادات؛ فقد قالت في مناسبات إن «الصهاينة ليس لهم مطالبة أو حق في الأمان الثقافي»، وفي منشور على منصة X عام 2024 كتبت أن «الهدف هو إزالة الاستعمار ونهاية هذه المستعمرة الصهيونية القاتلة»، في إشارة إلى إسرائيل.

يقرأ  أستراليا تطرد السفير الإيراني على خلفية هجمات معادية للسامية

وتضمنت الجدل صورة نشرتها على حساباتها الاجتماعية في الساعات التي تلت هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنه حماس على إسرائيل، تُظهر شخصاً يهبط بالمظلة وهو يحمل علماً فلسطينياً. استُخدمت المناطيد الشراعية والمظلات في عمليات تنفيذ الهجوم، وكان هناك سقوط في مناطق مدنية أسفرت عن سقوط ضحايا. وقد قضى نحو 1,200 شخص في ذلك الهجوم، والذي أدى بدوره إلى هجوم عسكري إسرائيلي واسع على غزة أودى، بحسب وزارة الصحة التي تديرها حماس، بحياة أكثر من 71,419 شخصاً منذ ذلك الحين.

قالت عبد الفتاح لمحطة ABC الأسترالية إنها بالفعل نشرت الصورة، لكنها فعلت ذلك قبل أن يتضح حجم الهجمات الحقيقية. «في تلك اللحظة لم أكن أعرف حصيلة القتلى، ولم أكن أعرف ماذا يجري على الأرض… بالطبع أنا لا أؤيد قتل المدنيين»، صرّحت للـ ABC.

قضايا سابقة
تعرضت عبد الفتاح سابقاً لحملات عامة. دعا سياسيون معارضون وبعض الشخصيات اليهودية البارزة في أستراليا إلى إلغاء تمويل بحثي مُنح لها في 2024. وبعد رسالة من وزير التعليم جيسون كلير، جُمد التمويل بينما كانت تُجرى تحقيقات بشأن مزاعم بانتهاك قواعد المنحة، لكنها تبرأت في النهاية الشهر الماضي.

المعارضون والداعمون
قال نورمان شولر من مجلس الجالية اليهودية في جنوب أستراليا الأسبوع الماضي إن منظّمته بعثت رسالة إلى مجلس مهرجان أديلايد تضغط فيها لإزالتها. «كان قراراً حكيماً جداً وسيعزز تماسك المهرجان بعدم وجودها هناك»، قال ذلك لصحيفة Adelaide Advertiser. وأضاف تعليقاً على انسحابات المشاركين: «أعتقد أن ما فعله من انسحبوا أمر بائس لأن ذلك يعني أنهم يتفقون مع ما تقوله الدكتورة فتاح… بمعنى أنهم يعتقدون أن إسرائيل لا يجب أن توجد».

بدوره، أعلن رئيس وزراء جنوب أستراليا بيتر ماليناوسكاس — الذي تُعد حكومته من الداعمين الرئيسيين للمهرجان — أنه يؤيد استبعاد عبد الفتاح «بكل صدق»، وأنه قد أوضح للمجلس أنه لا يعتقد أن دعوتها كانت فكرة حكيمة. لكنه نفى أي دور مباشر له في قرار المجلس، وأخبر الـ ABC أنه رغم مشاركته رأيه فإنه لم يهدد بسحب التمويل أو فصل أي شخص، وأن موقفه لم يتأثر بما وصفه بضغوط جماعات ضغط يهودية.

قالت أدلر إن قرار المجلس اتُّخذ «رغم معارضتي الشديدة»، وأضافت أن مجالس مكوّنة من أفراد ذوي خبرة قليلة في الفنون وعاجزة عن إدراك التداعيات الأخلاقية للتخلي عن مبدأ حرية التعبير، «رُعبت» من الضغوط التي مارستها حسابات سياسية وحملات كتابة رسائل منسقة. وأضافت: «بيان المجلس يستشهد بتماسك المجتمع، وهو قلق يُستحسن التعامل معه بشك. لا يجب أن تكون طالب تاريخ لتعرف أن الفن في خدمة الـ‹تماسك الاجتماعي› هو بروباغندا».

يقرأ  كيف ينظر المواطنون الروس والمحللون إلى محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا؟

من جانبها، قالت عبد الفتاح بعد إلغاء مشاركتها إن المؤسسات الفنية والثقافية الأسترالية أظهرت «احتقاراً كاملًا ولا إنسانية تجاه الفلسطينيين. الفلسطينيون الوحيدون الذين يتقبلونهم هم الفلسطينيون الصامتون والمرئيون بلا صوت».

لم يكن هذا أول مرة تكون فيها عبد الفتاح في مركز خلاف يؤدي إلى إرباك مهرجان للكتاب. فقبل انطلاق مهرجان بينديغو للكتاب في أغسطس الماضي بيومين، أصدر منظموه مدونة سلوك تطلب من المتحدثين «تجنب لغة أو مواضيع قد تُعتبر مثيرة للفتنة أو مُفرقة أو مسيئة». أدى ذلك إلى احتجاجات انسحاب قادتها عبد الفتاح وآخرون خشية أن يمنع ذلك النقاش الحر حول حرب إسرائيل وغزة، وأسفر عن إلغاء نحو ثلث برنامج المهرجان.

تهم النفاق
اتهمها بعض وسائل الإعلام وماليناوسكاس بنفاق، زاعمين أنها سبق وأن طالبت بحذف مراسل نيويورك تايمز توماس فريدمان من مهرجان أديلايد قبل عامين. رسالة بعثتها هي وتسع أكاديميين آخرين إلى المجلس جاءت بعد نشر فريدمان لعمود قارن فيه لاعبين في الشرق الأوسط بأعضاء من مملكة الحيوان، بما في ذلك يرقة ودبور وعنكبوت.

قال ماليناوسكاس: «سميها ما شئت، بعد المراسلات من الدكتورة رندا عبد الفتاح، أزالوا متحدثاً مؤيداً لإسرائيل. مرّت سنتان والآن أعتقد أنه من المعقول أن يطبق المجلس نفس المبدأ». ردت عبد الفتاح على اتهامات النفاق في بيان لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، قائلة إن مقال فريدمان «قارن دولاً ومجموعات عربية ومسلمة بحشرات وقمامة تستوجب القضاء عليها في وقت كان الحديث عن ‹البشر كحيوانات› يُستخدم لتبرير المجازر في غزة». وأضافت: «في المقابل، أنا أُلغيت لأن وجودي وهويتي الفلسطينية وُصفتا بأنهما ‹غير حساسة ثقافياً› وربطتا بمجزرة بوندي».

كما نفت أن فريدمان طُرح إلغاؤه بناءً على طلبها. وفي رسالة بتاريخ فبراير 2024 نقلت وسائل الإعلام الأسترالية عن مجلس المهرجان قوله إن إلغاء كاتب يمثل «طلباً جاداً للغاية»، وأن فريدمان رغم جدولة حضوره لم يعد سيشارك لأسباب تنظيمية طارئة.

دعم وردود من كتاب آخرين
أدلت مجموعة كبيرة من الكُتاب بتصريحات وتراجعوا عن المشاركة؛ ويبلغ عددهم الآن نحو 180 كاتباً، ما أنهك برنامج المهرجان. بعضهم قال إنه لا يتفق بالضرورة مع عبد الفتاح لكنه يدافع عن حقها في حرية التعبير.

يقرأ  انفجار يدفع ناقلة ترفع علم الكاميرون لإطلاق نداء استغاثة قبالة سواحل الأحوار اليمنية

كتب الصحفي الأسترالي بيتر غريستي، الذي سُجن في مصر قبل عقد في قضية اعتبرتها منظمات حقوقية ملفقة، في مقال رأي أن استبعادها يعني «نُقوّض قدرتنا على إجراء تلك الحوارات الصعبة» وأننا بذلك «نقوم بعمل المتطرفين نيابة عنهم». كتبت كاثي ليت على إنستغرام أن على الجمهور أن يُمنح الثقة «ليكون حكماً في شأن كل المتحدثين — وأنا منهم. ومع صعود السلطوية في أنحاء العالم، علينا الدفاع عن هذه الملاذات لحرية التعبير».

مع ذلك، أعرب بوب كار، وزير الخارجية الأسترالي السابق والناقد الشديد لهجوم إسرائيل على غزة، عن دعمه لاستبعاد عبد الفتاح. قال لصحيفة الغارديان أستراليا إنه يعتقد أن بعض تصريحاتها السابقة كانت ضارة بالقضية الفلسطينية، وأن القرار في ظل ظروف ما بعد هجوم بوندي لم يكن غير معقول. وأضاف أن مهرجان الكتاب في أديلايد دعم الاستماع إلى الأصوات الفلسطينية، وسجله في هذا الصدد «لا تشوبه شائبة».

نشر يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني السابق، فيديو على منصة X يمزق فيه دعوته «الثمينة» للمشاركة، وادعى أن المهرجان «دمّرته اللوبي الصهيوني». وقالت الشاعرة من السكان الأصليين إيفلين أرالوين إنها «محبطة للغاية لرؤية استسلام جديد وغير منطقي لمطالب دولة أجنبية تمارس إبادة من القطاع الفني الأسترالي». وأضافت: «محو الفلسطينيين من الحياة العامة في أستراليا لن يمنع معاداة السامية».

وقالت مقدمة البرامج الصحفية سارة فيرغسون، التي كانت ستدير حوارات مع تينا براون وجاسيندا أردرن — واللتان أُلغتا مشاركتهما — إن المهرجان «أنشأ مكاناً ازدهر فيه النقاش… حتى حول أصعب مواضيعنا»، وأنه «يجب أن يُدافع عنه في حياتنا الثقافية».

ما الذي سيحدث لاحقاً؟
أرسل محامي عبد الفتاح، مايكل برادلي، رسالة إلى المجلس طالب فيها بمعرفة أي من تصريحاتها السابقة استُخدمت لتبرير القرار. وقال برادلي لهيئة الإذاعة البريطانية إن «اللا أخلاقية الأخلاقية لأفعال مجلس مهرجان أديلايد تجلّت بوضوح في رد الفعل الذي أثارته. كما دهست حقوق رندا الإنسانية، وسيضطر المجلس للإجابة عن ذلك»، وأضاف أن عبد الفتاح لم تقرر بعد ما إذا كانت ستتخذ إجراءً قانونياً.

كانت عبد الفتاح قد طالبت الأسبوع الماضي بالاعتذار وإعادتها إلى البرنامج، لكنها قالت للـ ABC يوم الاثنين إنها تعتقد أن الحدث قد تجاوز «نقطة اللاعودة».

قال جوليان هوب، المدير التنفيذي للمهرجان، إنه بعد «رد الفعل الكبير من المجتمع» على قرار المجلس، إنها «لحظة معقدة وغير مسبوقة» وسيُشارك المنظمون معلومات إضافية حال توفّرها.

أضف تعليق