بحلول ظهر الجمعة، كان الجيش الإسرائيلي قد انسحب من مركز قلنديا للتدريب المهني في القدس الشرقية المحتلة، لكن طائرة مسيّرة إسرائيلية ظلت تحلّق في السماء، على الأرجح لتصوير ومراقبة ما يجري في الأسفل.
ويبقى آخر مركز تدريب مهني تابِع للأونروا في القدس الشرقية المحتلة مغلقًا أمام الفلسطينيين، فيما يهدد الجيش الإسرائيلي باقتحامه في أي وقت.
ومن خلف البوابة الرئيسية للمركز، كانت آثار المداهمة الإسرائيلية السابقة واضحة: زجاج محطّم، وبقايا معادن، وأرض متفحّمة. كما أظهرت مقاطع فيديو حصلت عليها الجزيرة قاعات دراسية مُبعثرة، وأبوابًا محطّمة، وورشات عمل مهجورة.
وأكدت الأونروا تعرّض المبنى لأضرار أثناء تواجد القوات الإسرائيلية فيه، وقالت إنها تلقت بلاغات عن “أشخاص دخلوا المبنى وحاولوا سرقة بعض محتوياته”.
وكان التسجيل للعام الدراسي الجديد مفتوحًا حتى الأول من سبتمبر، وكان من المقرر أن تبدأ الدروس قريبًا. وتقول الأونروا إنها تأمل في إعادة فتح المركز في أقرب وقت ممكن.
لكن يوم الثلاثاء، اقتحم جنود وشرطة إسرائيليون المركز والمناطق المحيطة به، وأجبروا نحو 40 موظفًا على المغادرة. وقالت الأونروا إن المركز تعرّض لمداهمات ست مرات هذا العام.
لكن هذه المرة كانت مختلفة، إذ رافق وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الشرطة خلال الاقتحام. وقال: “هنا جلس مدير الأونروا، والآن أجلس مكانه”.
كما قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية على وسائل التواصل الاجتماعي إن الأرض ستُسلَّم إلى بلدية القدس، وستُحوَّل إلى مجمع تعليمي. لكن هذا هو بالضبط ما هو عليه المركز الآن، فهو منشأة تعليمية تمنح اللاجئين الفلسطينيين فرصة الدراسة ودخول سوق العمل.
ويتخرّج من المركز كل عام نحو 340 لاجئًا فلسطينيًا من جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة. وبعد إكمال برنامج مدته سنتان، يحصلون على دبلومات مهنية في 16 تخصصًا، منها النجارة والاتصالات والتصميم الداخلي.
وبالنسبة لكثيرين، هذه فرصة لاكتساب المهارات اللازمة للانضمام إلى القوى العاملة وبناء حياة ومهنة. وتقول الأمم المتحدة إن 90% من خريجي المركز يجدون وظيفة، وهو إنجاز ملحوظ بالنظر إلى أن نحو واحد من كل ثلاثة فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة عاطل عن العمل.
يعمل المركز منذ أكثر من سبعة عقود، ومن خريجيه يوسف أبو لطيفة، البالغ من العمر 73 عامًا، والذي يعيش لاجئًا في مخيم قلنديا. وفي منزله، يعرض علينا شهادته في الرسم المعماري. طُبعت عام 1974، وبعض الحبر باهت، لكن الختم الأزرق للأونروا وعلامات يوسف ما زالت ظاهرة.
كان يبلغ من العمر 20 عامًا عندما تخرج من المركز. وقد ساعده ذلك في الحصول على وظيفة في شركة يونانية في ليبيا، قبل أن يعود إلى مخيمه في الضفة الغربية المحتلة.
وقال يوسف للجزيرة: “لولا المركز لما أكملت دراستي. كان والدي يعمل لدى الأمم المتحدة، وكان راتبه البسيط بالكاد يكفي لإعالة أسرتنا الكبيرة، ناهيك عن إرسالي إلى الجامعة. لذلك أنا مدين للمركز بالكثير”.
وكان قد سمع أخبارًا عن تهديدات بإغلاق المركز، لكنه لم يتوقع أن يحدث ذلك فعلًا. وأضاف: “من المؤلم جدًا أن نرى كم من الناس سيُحرمون من هذه الفرصة الحيوية”.
أُنشئ المركز عام 1952 على قطعة أرض مساحتها ثمانية هكتارات، استأجرتها الأونروا من الحكومة الأردنية التي كانت تدير الضفة الغربية والقدس الشرقية آنذاك، قبل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي.
وبينما تدّعي السلطات الإسرائيلية أن الأرض ملك للصندوق القومي اليهودي، وتم تسليمها إلى بلدية القدس، تقول الأونروا إن المبنى محمي بامتيازات وحصانات الأمم المتحدة بموجب القانون الدولي. كما شددت الأونروا على أن المركز يقع في القدس الشرقية المحتلة وهو جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وبالتالي ليس لإسرائيل ولاية قضائية على الأرض.
وفي عام 1980، أعلنت إسرائيل ضمّ القدس الشرقية المحتلة بشكل غير قانوني، لكنها كانت تعمل على ذلك منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967.
يقول فلسطينيون مثل يوسف إن الحرب على الأونروا ليست في الحقيقة حول الأرض أو المباني، بل محاولة أخرى لطمس ما تمثله الوكالة: معاناة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
وتصاعدت حملة إسرائيل ضد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في السنوات الأخيرة. ففي عام 2024، أقرّ الكنيست الإسرائيلي عدة قوانين معادية للأونروا. كما أوقفت السلطات الإسرائيلية إصدار تأشيرات أو تصاريح لموظفي الأونروا الدوليين منذ نهاية يناير 2025.
وفي مايو 2025، أغلقت السلطات الإسرائيلية ست مدارس للأونروا في القدس الشرقية المحتلة، بما فيها المدارس في مخيم شعفاط، مما أثر على نحو 800 طفل. وفي يناير 2026، استولت السلطات الإسرائيلية على مقر الأونروا في القدس الشرقية المحتلة وهدمت المكاتب المتنقلة هناك.
وكانت الأونروا تعاني بالفعل من أزمة مالية عميقة، وتفاقمت بسبب تجميد إسرائيل أموال الوكالة بعد زعمها وجود صلات بحركة حماس، رغم عدم تقديمها أي دليل كافٍ لدعم ادعاءاتها. ومع ذلك، فقد وقع الضرر.