نشرت مقال رأي حديث كتبه مسؤولان إثيوبيان رفيعا المستوى، يسعى فيه الكاتبان إلى تصوير إثيوبيا كضحية بريئة تُجرّ عنوة إلى صراع بفعل أطراف خارجية، وفي المقابل يهدف النص إلى تبرئة حزب الازدهار الحاكم من مسؤولية الأزمات الداخلية المتصاعدة.
أخطر من ذلك أن هذه الرواية تعمل كستار دبلوماسي لتطبيع عداءٍ لم يسبقه استفزازات، ولغة تحريض حكومية ممنهجة، وتحشيد عسكري عدواني موجه نحو إرتريا منذ أواخر 2023.
إعادة تأطير التوترات الداخلية المعاصرة كنتاج مباشر لتدخّلات خارجية أو لثأرات تاريخية غير محلولة تمثل قلباً مقلوباً للواقع. هذه الخطابية الأمنية تُشوّه الدوافع الحقيقية لعدم الاستقرار في المنطقة وتستخدمها درعاً لحماية السلطات الفدرالية من المراجعة الدولية.
الحرب الكارثية التي اجتاحت شمال إثيوبيا بين الرابع من نوفمبر 2020 وتوقيع أتفاق وقف الأعمال القتالية في الثاني من نوفمبر 2022 لم تنشأ نتيجة تآمر إقليمي خارجي أو استفزازات عابرة للحدود. بل كانت ثمرة شقاق عرقي متجذّر واستقطاب مؤسّسي داخلي طويل الأمد.
السجل التاريخي يبرئ إريتريا من تهمة إثارة النزاع أو السعي للتوسع على أرض إثيوبية؛ فقد انخرطت إرتريا في الحرب تحت ضغط ودعوة رسمية من الحكومة الفدرالية الإثيوبية، ولأسباب مشروعة تتعلق بالدفاع عن الذات.
بل إن أهداف أجندة الحرب شملت منذ البدء المسّ بسيادة إرتريا وسلامة أراضيها، وهذه الحقيقة مثبتة في محاضر وبيانات منشورة ولا تُخضع للتأويل المجرد.
تصريحات جيتاچو العامة العديدة ومنشوراته الفورية على حسابه الرسمي في “إكس” خلال تلك السنوات المأساوية تجعل استهداف إرتريا استراتيجية متعمدة ومقصودة من قوى إقليمية، لا ناتجاً عرضياً عن عملية أمنية داخلية.
وبعد توقيع وقف الأعمال القتالية، عبّر قادة حزب الازدهار السياسيون والعسكريون، بدءاً برئيس الوزراء أبي أحمد، عن امتنانهم العلني لإريتريا بعبارات رسمية وتصريحات برلمانية وبيانات إعلام الدولة. لذا، محاولة رَدّ وصف إريتريا الآن كخصم دائم أو معرقل للسلام المحلي تتعارض صراحةً مع هذه الاعترافات المسجلة.
يمثل الميل نحو التحريف أيضاً في الحكايات المسرحية الرومانسية التي روج لها كلٌّ من جيتاچو وردوان عن أجواء محادثات بريتوريا، إذ اختلقا رواية مبالغاً فيها عن رعب مضيفيهما الجنوب أفريقيين من حصول “شجار بالأيدي” بين وفود الأطراف المتحاربة لو لم تُراعَ المسافات بينهم، ثم ادعيا أن المفاوضات انتهت بنبرة ودّية مفاجئة — سردٌ يخدم غرضاً دعائياً واضحاً: تقديم أتفاق بريتوريا كانتصارٍ عفوي للوحدة الداخلية على محاولات التشظّي الخارجية.
هذه القصة تتجاهل أن اتصالات سرية كانت قد جرت قبل أشهر من المحادثات الرسمية في جنوب أفريقيا، في جيبوتي وجزر سيشيل برعاية وسطاء خارجيين؛ وقد اعترف جيتاچو لاحقاً بأن قنوات تواصل كانت موجودة بين الأطراف الواشية بينما الحرب لا تزال مستعرة.
وبتحريض من تيارات داخل حزب الازدهار، بحثت فرق من الطرفين إمكانيات الانضمام وتوحيد قدراتهما العسكرية لتحويل الجهد إلى حرب عدوانية ضد إريتريا، إذ رأت تلك التيارات في وجود إرتريا ذات سيادة ومستقرة تهديداً حقيقياً لمآلاتها السياسية.
حين وُقّع أتفاق وقف دائم لإطلاق النار، فُهم كاتفاق سلام داخلي بين أطراف إثيوبية متنازعة. إنه شأن إثيوبي خالص، تناول ترتيبات دستورية داخلية، ونزع سلاح المجموعات المسلحة، واستعادة السلطة الفدرالية.
موقف إريتريا من بريتوريا ظل ثابتاً ومبدئياً: تدعم كل جهد حقيقي يسهم في السلام والاستقرار والتنبّؤ في إثيوبيا والمنطقة. إثيوبيا السليمة والمستقرة والموحّدة والتي تحترم سيادة جيرانها تخدم أمن كل دول القرن الأفريقي؛ وإريتريا لا تمتلك شهية سياسية ولا مصلحة استراتيجية لتفكيك اتفاق بين قوى إثيوبية متصارعة.
في مقابل ذلك، تُعاد تعبئة حملة دعائية ممنهجة لإعادة تغليف أجندة عدائية غير مبرّرة أطلقتها أديس أبابا ضد إريتريا منذ ديسمبر 2023.
في تلك الفترة غير حزب الازدهار لهجته الرسمية وانطلق في حملة مصطنعة تحت شعار “الوصول السيادي إلى البحر”. ولتبرير هذه الرواية القانونية والتاريخية الهشّة، حشد الحزب آلة دولة واسعة: مدرّسون وباحثون وشخصيات إعلامية وثقافية وأكاديميون، محليون ومُستقطبون أجانب، على شبكات تلفزيونية ومنصات رقمية دولية لنشر هذه الفكرة المشوّهة.
تهدف هذه الحملة المنسّقة إلى تطبيع فكرة قابلية إعادة ترسيم حدود استعمارية في القرن الأفريقي، في محاولة لتقويض مبادئ السيادة وسلامة الحدود التي شكلت دعائم الاستقرار الإقليمي لسنين.
ولم تقتصر لغة الخطاب على المقالات والخطب؛ فقد فوّضت السلطة حشد تشكيلات عسكرية كبيرة ومدافع ثقيلة ووحدات مدرّعة قرب الحدود مع إريتريا، كجزء من استراتيجية للضغط والتصعيد.
وينعكس هذا النمط في شمال البلاد، حيث تُصاحَب التصريحات الاستفزازية بتحرّكات فعلية تتضمن مناقشات علنية حول الاستحواذ على مصفاة عصب ومناطق ساحلية إريترية أخرى “بالتفاوض إن أمكن وبالقوة إن اقتضى الأمر”.
واليوم يتجاوز هذا النمط إريتريا وحدها؛ فقد أدّت سياسات إثيوبيا الخارجية المتقلبة إلى توترات مع جيران عدة. اتفاقية التفاهم الموقّعة مع أرض الصومال، التي سعت إلى تأمين موانئ دون موافقة الحكومة المركزية الصومالية، أشعلت أزمة دبلوماسية كبرى وطرحت تساؤلات خطيرة عن احترام مبادئ السيادة وسلامة الأراضي.
وبنفس المنطق، مارست أديس أبابا سياسات تدخلية في صراعات جوارها سعياً لأهداف جيوسياسية قصيرة الأمد. سواء في الصومال أو السودان أو غيرهما، فقد ساهمت أجندة توسعية متهورة في تفاقم حالة عدم الثقة وعدم الاستقرار الإقليميين.
لذلك، فإن رواية أن إثيوبيا ضحية تُقحَم قسراً في حربٍ بفعل قوى خارجية تتجاهل حقيقة أن الحزب الحاكم يحرّك أصولاً عسكرية، ويوقع مئات الاتفاقيات المشكوك في شرعيتها، ويهدد حدود دول ذات سيادة — موقف قسري يقوّض مبادئ الجوار الحسن والتعايش السلمي الضرورية لاستقرار القرن الأفريقي.
السبيل الأمثل للانتقال إلى استقرار حقيقي لا يمرّ عبر التنازل عن الحقوق أو التواطؤ مع حسابات جارٍ مضطرب. بل يقتضي وقفاً فورياً للمزايدات العسكرية السخيفة سعياً وراء “وصول بحري سيادي”، ووقفاً غير مشروط لأي تحالفات وكيلة عابرة للحدود، والعودة إلى مبادئ عدم التدخل واحترام سلامة الأراضي.
حتى يتصدى المجتمع الدولي للدوافع الداخلية الحقيقية وراء موقف أديس أبابا العدواني بدلاً من تسليح ادعاءاتها المصطنعة، ستبقى المنطقة عرضة لحسابات خاطئة خطرة. إريتريا متمسكة بثوابتها القانونية والوقائع التاريخية؛ سيادتها ليست عرضة للتفاوض ولا للاختراق، ولا يتحقق الأمن الدائم إلا حين تُحترم الحدود ويُطبق القانون الدولي بلا استثناء.
المواقف المعبر عنها في هذا المقال رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة سياسة الجزيرة التحريرية.