احتفال بالعيد على سطح في غزة يتحوّل إلى مشهد من فيلم رُعب

غزة — في أول أيام عيد الأضحى جلست وداد الحساري (31 عاماً) مع زوجها وأطفالها وأفراد العائلة الممتدة على سطح بناية في مدينة غزة، محاولين استدعاء روح الاحتفال وسط حرب مستمرة ونزوح قسري.

تناولت العائلة العشاء وتبادلوا الحلويات، وكان الاطفال، بملابس جديدة، يلعبون في خيمة نصبت على التراس حتى مزق الانفجار سكون المساء.

اندفعت وداد نحو الخيمة وحملت ابنها رفيق (ثلاث سنوات)، وفي ذعر اللحظة سقطا معاً عبر فتحة أحدثها صاروخ اخترق المبنى.

تبع صراخها بقية أفراد العائلة فوجدوا وداد متشبّثة بولدها ومتدلّية من قضبان معدنية بارزة من بين الحجارة على عدة طوابق أدنى. تحتهم كان حريق مستعر ناجم عن رأس حربي انفجر قبل ثوان.

«لم ألاحظ الفتحات… كان الظلام حالكاً والدخان يعم المكان. كنت أمسك طفلي وفجأة سقطنا معاً في فتحة» قالت وداد للجزيرة.

تفحصت وداد خيمتها ومحتوياتها المتبقية بعد أن ضرب قصف جوي المبنى الذي كانت العائلة قد لجأت إليه قبل أيام.

أشارت إلى ثلاث فتحات في منتصف التراس حيث أصابت الصواريخ، إحداها تلك التي سقطت منها. «كنت أشعر بحرارة النار تحتي… الكل كان يصرخ، والدخان يملأ المكان، وكنت معلقة [بالقضبان المعدنية] حتى تمكن زوجي وإخوتي من انتشالي ومعي طفلي».

«حين سحبوا القضبان الحديدية كانت تقطع جسدي وساقي وظهري. عِشت لحظات من الجحيم كما في فيلم رعب، وما زلت أعاني ألماً وخوفاً حتى الان. كنا نجلس نأكل حلويات العيد ثم تحول كل شيء فجأة إلى صراخ.»

أسفر القصف عن مقتل سبعة أشخاص بينهم طفلان وامرأتان، وإصابة ثمانية عشر آخرين، من بينهم ابنة أختها سارة الخلاوط البالغة أربع سنوات، التي قذفتها قوة الانفجار إلى باحة أسفل المبنى، وما زالت ترقد في وحدة العناية المركزة بحالة خطيرة.

يقرأ  ديسكفري إديوكيشن إكسبيرينس ودريمبوكس ماث وكارير كونيكت يفوزون بجوائز «تك آند ليرنينج» لأفضل منتجات عام 2025

وكانت زهدية عزّام (ستون عاماً) تقيم في أحد الطوابق السفلى مع أسرتها تستقبل الضيوف للعيد عندما ضرب صاروخ الشقة. في لحظة وجيزة قُتلت حفيدتها صدرا (12 عاماً)، وبترت ساق حفيدتها الأخرى شمّ (11 عاماً).

«كان الجو هادئاً تماماً حتى سمعنا انفجاراً هائلاً… هرعنا جميعاً إلى الطابق العلوي حيث خرجت الحفيدتان قبل لحظات» قالت عزّام للجزيرة. «وجدنا إحداهما قتيلة والأخرى تمسك ساقها المقطوعة وكانت تزحف. لا تهم إسرائيل إن كان عيداً أو مناسبة أو منطقة مدنية مكتظة — فجأة الصاروخ فوق رأسك.»

لا مكان آمن

تتشابه تجارب العائلات مع آلاف آخرين في غزة الذين فرّوا من منطقة حرب إلى أخرى خلال واحد وثلاثين شهراً من ما تصفه منظمات بأنها إبادة جماعية، مع طائرات بدون طيار ومقاتلات تبدو كأنها تلاحق تحركاتهم.

كانت وداد وعائلتها يقطنون منزلاً مريحاً في حي الزيتون بشرق مدينة غزة حتى دمّر في نوفمبر 2023، قبل شهر من توسّع الحرب الإسرائيلية على القطاع. ومع امتلاء منازل الأقارب بعائلات نازحة أخرى، لم تجد وداد ملاذاً سوى سطح بناية استأجرها شقيقها.

كانت تأمل أن يكون السطح ملاذاً لأطفالها، إلى أن عاودت الطائرات الإسرائيلية واستهدفت المكان مجدداً. «لم أتخيل يوماً أن نقصف بهذه الطريقة. ماذا لو سقط الصاروخ عليّ أو على أحد أطفالي قبل أن يخترق السقف؟ مجرد التفكير مخيف»، قالت.

«من يقول إن الحرب انتهت يكذب. الهدنة كذبة كبيرة، نعيش خوفاً يومياً، ولا مكان آمن.»

لا وقف لإطلاق النار

رغم ادعاءات سريان هدنة في غزة بين إسرائيل وحماس منذ أكتوبر 2025، قُتل نحو 930 فلسطينياً وأكثر من 2800 جريح نتيجة هجمات إسرائيلية مستمرة خلال هذه الفترة.

لا تزال الأبنية السكنية والأسواق والمركبات والمقاهي تُستهدف من دون إنذار، ما يترك دماراً واسع النطاق وصدمة عميقة بين المدنيين. تتلقى بعض العائلات أوامر نزوح قسري من الجيش الإسرائيلي قبل دقائق من تحطيم منازلهم، فلا وقت لإنقاذ الأمتعة، وحتى إن نجوا فهم من بين مئات الآلاف الذين يبحثون عن مأوى في أرض محطمة.

يقرأ  كيف سيؤثر إغلاق الحكومة الأمريكية على المتاحف؟

في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، كان عماد خروب (55 عاماً) يجلس مع عائلته يحتفلون باليوم الثاني من العيد عندما تلقى نجله سعد (31 عاماً) مكالمة من المخابرات العسكرية الإسرائيلية التي أمرتهم هم وسكاناً آخرين بترك البناية، وبعد خمس عشرة دقيقة دمّر قصف جوي البرج بأكمله.

«كنا نعيش لحظات فرح، وفجأة صار الجميع يبكي ويصرخ ويركض… كان مرعباً جداً»، قال عماد. «كيف يمكن لأي أحد أن يتدبر أموره؟ لم نأخذ شيئاً…» «خرجنا ولم نأخذ معنا سوى ما كنا نرتديه.»

فقد عماد خروب منزله إثر ضربة إسرائيلية استهدفت البناية السكنية التي كان يقيم فيها في مخيم الشاطئ بمدينة غزة، وذلك بعد صدور أمر تهجير قسري قبل دقائق فقط من الهجوم.

عند تفقد أنقاض منزله، أدرك سعد أن سنوات العمل والادخار التي أعدّ بها شقته استعدادًا لزواجه المرتقب قد تحطمت إلى لا شيء.

«لم يخطر ببالي ولو بنسبة واحد في المئة أن بيتنا سيُقصف»، قال سعد.

وحذّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على الأحياء السكنية المتبقية في غزة يفرز بيئة لا تتلاءم مع مقومات الحياة الإنسانية أو كرامة البشر.

كان وسط غزة محور غارات مكثفة في الأشهر الماضية، لأنه تضرر أقل من أجزاء أخرى من القطاع خلال ما تصفه منظمات دولية بأنه إبادة جماعية، وبالتالي صار يحتوي على أكبر عدد من الأهداف المتبقّية.

وقال المركز إن “تحذيرات الإخلاء” لا تمنح مبررًا قانونيًا لتدمير المنازل، ولا تزيح الحماية التي يتمتع بها المدنيون بموجب القانون الإنساني الدولي، حيث يبقى المدنين مشمولين بالحصانة من الاستهداف.

ورغم أوامر التهجير المتكررة وقصف المنازل، يقول خروب إن الحرب لا تزال تلاحقه في كل مكان، حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

يقرأ  إسرائيل تتسلّم جثماناً تقول حماس إنه لرهينة من قطاع غزة

«ظننا اننا كنا محظوظين ونجونا، وأن منزلنا ما زال قائماً… لكننا عدنا إلى المربع صفر»، أضاف. «الحرب ما تزال مشتعلة بعنف، وإن بدا ذلك بصوت أخف… ولا أحد يلتفت إلينا.»

أضف تعليق