كيف يمكن للمؤسسات استعادة الوضوح والسيطرة وقابلية التنبؤ في استثمارات التعلم؟
بعد سنوات ناجحة كمدير ومدرب شخصي في الفرع الكرواتي لإحدى مؤسسات التدريب والتطوير الدولية الكبرى، أسس ماريو بولجان شركة eWyse بهدف رفع معايير التعلم الرقمي. تحت قيادته نمت eWyse لتصبح شركة معترفاً بها عالمياً، حيث حصدت جوائز عدة في إنتاج التعلم الإلكتروني وتصدرت تصنيف إدارة المشاريع لدى eLearning Industry. بعد قيادة مئات المشاريع الدولية، يقود ماريو اليوم انتقال eWyse إلى نظام أداء الأعمال والتعلم (Business & Learning Performance System) يركز على تحويل الصناعة من إنتاج محتوى مُفصّل إلى نظام مُحكَم تُحدد فيه معايير النجاح مقدماً ويتحمّل المستوى التنفيذي مسؤولية النتائج. بخلفية قوية في المبيعات والقيادة المؤسسية، يلتزم ماريو بضمان أن يصبح التعلم نظاماً يمكن التنبؤ بأثره ويُحدث نتائج تنظيمية قابلة للقياس، بدلاً من أن يبقى مبادرة محلية ومعزولة. في الحوار التالي يتناول الانتقال من التعلم كنشاط إلى التعلم كنظام أداء تجاري.
ما هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المؤسسات اليوم في ميزة التعلم والتطوير؟
من وجهة نظري، يكمن التحدي الأكبر في أن التعلم والتطوير غالباً ما لا يُنظر إليه كوظيفة استراتيجية داخل كثير من المؤسسات. بدلاً من أن يكون دعماً إستراتيجياً للقيادة التنفيذية، يتحول في كثير من الأحيان إلى وظيفة موجودة لمجرد الوجود—يشاع التعامل معها كضرورة طيبة الوجود وليس كعنصر محوري في صنع القرار التجاري.
تتحدث كثيراً عن أن التعلم يجب أن يحرّك الأداء لا المشاركة فحسب. ماذا يعني هذا عملياً؟
المشاركة بحد ذاتها لها قيمة محدودة. في العديد من المؤسسات، تكون البرامج التعليمية إلزامية ويُقاس النجاح غالباً عبر معدلات المشاركة والإتمام فقط. كثير من المحتوى لا يرتبط بالعمل الفعلي ولا يلامس احتياجات المتعلمين، فيُعرض كمهمة يجب إنجازها.
النتيجة المتوقعة عملياً مألوفة: شخص واحد يكتشف أسرع طريقة لاجتياز الدورة ثم يساعد الآخرين على فعل الشيء نفسه. تبدو معدلات المشاركة والإتمام جيدة على الورق، وتقارير التعلم تدّعي النجاح، لكن في الواقع لا يتغيّر الأداء ولا تتأثر النتائج التجارية. التعلم في المؤسسات موجود لدعم رأس المال البشري نحو ما تحتاجه الأعمال. لذا ستختلف استراتيجيات التعلم بحسب طبيعة العمل وسوف تؤثر فعلياً في الأداء. معدلات الإتمام قد تهم مطوري الدورات، لكن على مستوى العمل، ما يهم هو النتائج—كيف ساهمت المهارات والسلوكيات في بلوغ الأهداف المحددة.
هذا هو الفارق بين تعلم يُولّد مشاركة وتعلم يُولّد أداء.
لماذا لا تزال قياس أثر التعلم أمراً صعب التحقيق رغم الاستثمارات الكبيرة؟
لا أقول إن قياس أثر التعلم صعب بحد ذاته—إنه معقّد، لكنه ليس مستحيلاً إذا وُجدت معرفة ونظام مناسب. النظام القوي يخلق الوضوح؛ وبدون نظام، ينتهي الأمر بالفوضى. الخطأ الأكبر، من وجهة نظري، هو الموافقة على ميزانية للتعلم دون تعريف نظام واضح يربط المبادرات التعليمية بالنتائج الرئيسية التي تحتاج المؤسسة إلى تحقيقها. في العالم المثالي، تمتلك القيادة هذا المحور وتقوم بتسليمه إلى فرق L&D، لكن الواقع يُظهر أن المبادرة قد تبدأ من أي اتجاه—المهم ألا يُصرف أي درهم أو دولار دون فهم واضح للأثر التجاري المتوقع.
بمجرد تأسيس هذا النظام يتغير الحوار تماماً: لا يعود L&D صندوقاً أسود، بل نظاماً شفافاً وقابلاً للمساءلة يخدم المنظمة ويدعم نتائجها الأساسية.
ما دور القيادة التنفيذية في نجاح مبادرات التعلم؟
القيادة التنفيذية لها دور محوري. هي من يضع المعايير ويعرّف القواعد ويضمن توفير الموارد اللازمة للتنفيذ. قلّما تبادر وحدات L&D بتبنّي نهج قائم على الأداء ما لم تُحدد القيادة هذا التوقع بوضوح؛ وإلا يُعتبر ذلك عملاً إضافياً لا ضرورة له. نعم، تحدث مبادرات من القاعدة للأعلى أحياناً، لكنها نادرة. لذلك فإن اشتراك القياده التنفيذية في وضع معايير واضحة وإرساء نظام يربط التعلم بالأهداف الاستراتيجية أمر حاسم. القيادة يجب أن تحدد كذلك كيفية قياس الأثر، بينما تتولى فرق L&D تنفيذ القياس ضمن الإطار المتفق عليه. إذا لم يكن المسار صحيحاً، فهناك وقت للتصحيح؛ وإن كان كذلك، فالجميع يستفيد.
لماذا تُعتبر مرحلة محاذاة التوقعات والنتائج (Result Expectation Alignment — REA) نقطة انطلاق حاسمة؟
لأن REA تمنع المؤسسات من إهدار المال قبل صرفه. فشل مبادرات التعلم غالباً لا يعود لسوء التنفيذ بقدر ما يعود لغياب محاذاة التوقعات منذ البداية. أصحاب المصلحة المختلفون لديهم توقعات مختلفة: القيادة تتحدث بلغة النتائج التجارية، المديرون يركزون على الأداء والسلوك، L&D يركز على التعلم، والجمهور المستهدف له توقعاته الخاصة. إن لم تُحاذَ هذه التوقعات فإن المؤسسة تتحرك على افتراضات خاطئة.
يوفر إطار REA نظاماً منسقاً يجمع أصحاب المصلحة في نقاش واحد ويؤسس لفهم مشترك لما يعنيه النجاح، ما الذي يجب تغييره، كيف سيُقاس ذلك، وكيف سيتم متابعة التقدم قبل وأثناء وبعد التنفيذ. من منظور مستوى C، تكمن القيمة الحقيقية هنا: REA يقلّل الهدر المالي ويمنع الاستثمار في مبادرات غير مرتبطة بالأولويات الاستراتيجية. وبمجرد تحقيق المحاذاة تصبح المبادرات مركّزة، قابلة للقياس، وقابلة للتصحيح في وقت مبكر — هذا الوضوح يحوّل التعلم من تكلفة إلى استثمار استراتيجي مُتحكم به.
أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة واقعية في التعلم والأداء، وأين لا يضيف؟
يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة عبر معظم جوانب L&D: من مساعدة على رسم التوقعات وتحديد مقاييس الأداء (REA) قبل بدء أي مشروع، إلى تحليل وإنشاء المحتوى بالاستناد إلى حوارات مع الخبراء الموضوعيين، مروراً بالإنتاج الرقمي لتجارب التعلم، وانتهاءً بمراقبة التنفيذ وتعزيز تغيير السلوك عبر تطبيقات جوّالة ووكلاء ذكيين لكل متعلّم. يسرّع الذكاء الاصطناعي العمل حيث تكون الأهداف واضحة والبيانات ذات جودة والنظام يعرف ما يحاول تحقيقه.
أما حيث لا يساعد فهو في حالة غياب محاذاة التوقعات، أو غياب تعريف واضح للنجاح، أو غياب نظام قياس متفق عليه. إذا لم نعرف النتيجة التجارية التي نريد التأثير فيها، فكل ما سيقدمه الذكاء الاصطناعي هو المزيد من المحتوى ومزيد من المقاييس وتوصيات “ذكية” تسبح في الضباب. بدون REA وإطار حوكمة ومراقبة قوي (3C)، يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد لامعة تشد الانتباه وتسرّع استهلاك الميزانية بلا اتجاه واضح.
ما النصيحة التي تقدّمها لمديري الموارد البشرية والمديرين التنفيذيين الذين يشعرون أن استثمارات التعلم لا تثمر النتائج المتوقعة؟
الواقع المؤسف أن هذه الحالة شائعة. تشير بيانات حديثة إلى أن 75% من القادة الذين يعتبرون برامجهم التدريبية غير فعّالة ما هم إلا يُنفِقون المال دون استثماره بطريقة استراتيجية. أنصح CHROs وCEOs بالتوقف عن النظر إلى L&D كمركز تكلفة لا محيد عنه والبدء بمعاملته كشريك استراتيجي ورافعة أداء ترتبط مباشرة بنتائجهم الرئيسية.
المبادرة يجب أن تبدأ من القمة؛ تغيير الثقافة لا يبدأ في نظام إدارة التعلم بل يبدأ في غرفة الاجتماعات. عندما تحدد القيادة بوضوح النتائج التجارية التي يفترض أن يدعمها التعلم وتُحاسب نفسها على تلك التوقعات، فإن فرق L&D عادة ما تستجيب بسرعة. بعد ذلك، المهم هو بناء نظام مثل REA أو نظام أداء الأعمال والتعلم المحكوم الذي يحدد التوقعات مقدماً ويمنح الأدوات والبيانات اللازمة للتنفيذ والمراقبة، بحيث يكون لكل استثمار في التعلم خط رؤية واضح إلى الأداء التجاري.
كيف ستتطور دورات التعلم داخل المؤسسات في السنوات القادمة؟
سيتحوّل التعلم من برامج مبنية على الأدوار ودورات مركّزة إلى أنظمة قائمة على المهارات ومركّزة على الأداء. سيمكن الذكاء الاصطناعي من رسم خارطة مهارات ديناميكية عبر القوى العاملة وتقديم دعم دقيق ومباشر في الوقت المناسب بدلاً من تدريبٍ عامّ مبني على المسميات الوظيفية.
عملياً يعني ذلك تقليص مفهوم “الذهاب إلى دورة” وزيادة حل المشكلات الحقيقية في سياق سير العمل، بدعم من مساعدين رقميين ووكلاء تعلم وتدخلات قصيرة مرتبطة بما يقوم به الأشخاص. بالنسبة للقيادة التنفيذية وفرق الموارد البشرية، سيعمل L&D كمنظومة أداء تجارية بدلاً من أن يكون مجرد كتالوج برامج، مع خط رؤية واضح يربط بين النتائج الرئيسية والاستثمارات التعليمية بدل الاستجابة لطلبات تدريب عشوائية.
ما هو التحوّل الذهني الواحد الذي يجب أن تعتمده المؤسسات بشأن التعلم؟
التحوّل الجوهرّي هو هذا: يجب أن تنتقل المؤسسات من رؤية التعلم كمحتوى وفعاليات إلى رؤيته كنظام أداء محكوم موجود لتغيير نتائج تجارية محددة. ما دام التعلم يُعامل كـ”تدريب” يُقدّم فسيبقى مركز تكلفة؛ ولكن في اللحظة التي يُعرف فيها كآلية لتحريك نتائج رئيسية محددة يصبح رافعة استراتيجية.
عملياً، يجب على القيادة التوقف عن سؤال “ما التدريب الذي نحتاجه؟” والبدء في السؤال “أي نتيجة نحاول تغييرها، وما القدرات والسلوكيات التي يجب أن تتغير للوصول إليها؟” عندما يكون هذا السؤال واضحاً، فدور L&D يصبح تشغيل نظام مغلق مثل نظام eWyse للأداء التجاري والتعلم، مبني على محاذاة التوقعات والتنفيذ والقياس، بحيث يكون لكل يورو أو دولار مُنفق على التعلم خط ظاهر يؤدي إلى الأداء التجاري بدلاً من أن يختفي في صندوق أسود من الدورات والإتمام ودرجات الرضا.
خاتمة
شكر كبير لماريو بولجان على مشاركته رؤاه المتخصّصة حول أسباب فشل مبادرات التعلم ودور الذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار. إذا رغبت المؤسسة في اعتماد نهج متكامل، فهناك أنظمة مغلقة تسمح بمحاذاة الأهداف التجارية وتوقعات التعلم وبيانات الأداء والتنفيذ لضمان أن يكون لكل استثمار تعلّمي أثر يمكن قياسه ومراجعته.