اضطراب عاطفي يخيّم على الإيرانيين مع متابعة تطورات الصراع في الخارج — أخبار النزاع بين إسرائيل وإيران

توقفت حياة مريم يوم السبت الماضي. منذ ذلك الحين لم يعد لدى أيّ يوم من أيامها سوى دقائقه المشتَّتة بين لحظات تتلقى فيها أنباءً متفرِّقة من أفراد عائلتها في إيران كلما تيسّر التواصل، وساعات طويلة تُقضي في الظنّ والتخمين حيال مصيرهم.

مريم —التي طلبت الاحتفاظ باسمها الحقيقي لأسباب أمنيّة— ليست منعزلة في معاناتها. الشتات الايرانيّ ضخم، ويشمل من فرّوا من قمع الشاه قبل 1979، ومن هاجروا لاحقاً هروباً من اضطهاد النظام، ومن غادروا طلباً للرزق أو مسارات مهنية بالخارج. اليوم يعيش كثيرون منهم على فترات قصيرة من المعلومات التي تصلهم عن أحوال ذويهم في بلد يلفّه صراع بات يهدد احتوائه المنطقة برمتها.

«ما يحدث الآن هو أكبر مخاوفي» تقول مريم (33 عاماً) من مدريد. كانت آخر مرة زارت فيها طهران في يناير، ثم عادت إلى العاصمة الإسبانية حيث تعمل، بعد موجة الاحتجاجات الدامية في ذلك الشهر التي أُودِيَ فيها بآلاف. «أحياناً في الثالثة صباحاً حين لا أنام أبحث في غوغل عن: “US Iran” — فقط لأطمئن.»

تصف مريم أرضها بمجاز شديد الحساسية: «كل شبرٍ من تلك الأرض بالنسبة لي خلية من خلايا جسدي. والدي من الجنوب، ووالدتي من الشمال، فكل شبرٍ فيها بمثابة وطني ومنزلي. أي اعتداء على تلك الأرض اعتداء عليّ. إيران بالنسبة لي أمٌ ثانية»، وتخرس كلماتها حين تتحدث.

عبر الشتات يشعر كثيرون بالعجز والخوف، لا سيما بعد تمركز قوّات أميركية قبالة سواحل إيران أواخر يناير، عندما حذّر الرئيس الأميركي آنذاك من «أسطول ضخم» في طريقه بسرعة وقوة نحو البلاد. ومع نهاية شباط تحقّقت توقعات المراقبين بتحوّل التهديد إلى ضربات جوية وبحريّة مكثفة شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف ومئتي شخص وتدمير مساحات واسعة من البنى التحتية والمساكن.

يقرأ  جوازات • مطبوعات • احتجاجلمحات من معرض كتب الفن في نيويورك

بين الضحايا كان المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وردّ الإيرانيون بهجمات على أهداف في إسرائيل ودول مجاورة، الأمر الذي زاد المخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة.

ساره، طالبة تقيم في لندن، تصف الإحساس بأن مشاهدة ما يجري عن بُعد أشبه بالعذاب. تبحث في كلّ لقطات الأخبار عن أيّ أثر لمنزل العائلة في تلال طهران. «جدي بنى البيت على منحدر تلة» تقول، «هو بيت العائلة حيث تزوج والداي، حيث قضيت طفولتي؛ هو روح عشيرتنا.» تتزايد معاناتها حين تتابع احتراق أجزاء من المدينة التي نشأت فيها وتدرك عجزها عن فعل شيء سوى المشاهدة.

هيوا، كردي إيراني من سنندج (المعروفة محلياً باسم سِني)، أخبرنا أنه سمع أخباراً عن والده الأسبوع الماضي قبل الضربات الأشدّ، وأن قلقه أقل لأن منطقتهم لم تكن من الأهداف الرئيسة حتى الآن، رغم أنه لا يضمن ألا تتغيّر الصورة. فرّ هيوا من إيران قبل ثلاث سنوات بعد عبوره القنال الإنجليزي إلى المملكة المتحدة، بعدما اعتُقل أصدقاؤه بسبب نشاطهم المؤيِّد للديمقراطية؛ ويقول إنه سبق أن أُعتقل مرتين في 2011 و2014. الأول حين اقتاده الأمن من الجامعة، حُبِس في غرفة وتعرّض للضرب، والثاني قضى إثره شهراً في السجن.

اليوم يقلق على والده أرمل المسنّ في السبعينيات ويصارع السرطان في موطنه سِني. «إنها مفارقة كبيرة، مفارقة مؤلمة»، يقول؛ ففي بريطانيا يمكنه أن يخرج ويتناول القهوة ويرتسم الابتسامة على وجوه الناس، لكن حين يرجع فكره إلى عائلته يعود إليه الشعور بتمزّق بين عالمين لا يجتمعان. «لا أستطيع النوم ليلاً. أثر ذلك على دراستي وعلمي وعملي وكل شيء.»

حتى قبل اندلاع القصف الأخير عانى الإيرانيون نفسيّاً من مشاهدة الاضطراب في بلدهم. قادت انتفاضات يناير إلى تشديد حكومي في القمع، واتهمت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان قوات النظام بقتل آلاف المتظاهرين، بينما حمّلت الدولة «إرهابيين» مسؤولية كثير من الوفيات.

يقرأ  تراجع أسعار القهوة بعد توقعات أمطارٍ واسعة في البرازيل

مريم وساره، مثل غيرهما، تعوّدتا على القمع وما يفرزه من عنف. تذكر مريم أن والدتها كانت سجينة سياسية، وأنها نفسها شاركت في احتجاجات حركة الخُضر عام 2009 ضد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد المثيرة للجدل. قبل أيام فتشت علّيتها عن مقتنيات تذكّرها بإيران ووجدت صورة من أيام تلك الاحتجاجات. «كنت جالسة لأُظهر أننا كنا سلميين — الشمس على وجهي وعبوسٌ بسيط — لقد مررنا بهذه المراحل من قبل. نظنّ أحياناً أنها أحداث جديدة، لكنها ليست كذلك. كل ما نراه هو تكرار لما سبق.»

لا أحدٍ ممن تحدثوا توقعوا أن ما سيأتي سيجعل وضع البلاد أفضل عند توقف القنابل؛ كل ما يشغلهم الآن هو الخوف على الأهل والأصدقاء الذين لا خيار لهم سوى أن يتحمّلوا ويلمحوا بصعوبة للحياة.

تتذكر مريم صلابة أمّها بعد خروجها من سجن إيفين الشهير: «حين كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة بنوا طريقاً سريعاً يمرّ بجانبه، يمكنك أن تمرّ بالسيارة وتطلع إلى الداخل وأنت تمرّ»، وتبتسم، مستحضرّة صورة مقاومةٍ تحفر ذاكِرةً لا تزول. «أتذكر أنني كنت في السيارة، وامي تقود، وكنت أرى كم كانت جميلة ومصممة — تتخطى كل هذا الظلام ولا تسمح له أن يؤثر عليها.»

تقول مريم: «كانت تأخذ بناتها إلى المدينة، في الوطن الجميل الذي لن تسمح لأيّ كان أن يسلبه منا. هذا ما يخطر على بالي عندما أفكر في إيران. لن اسمح لكل هذا القبح والكراهية، التي عشناها جميعًا، أن تلهيني عن ذلك.»

أضف تعليق