البحرية الأمريكية تكشف تفاصيل جديدة عن اختبار البلازما فوق المحيط الهادئ

أطلقت مفرزة وايت ساندز التابعة للبحرية الأميركية، وهي وحدة تتمركز عادة في ميدان صواريخ وايت ساندز في نيومكسيكو، أكبر صاروخ سبر لديها على الإطلاق من جزيرة ويك في المحيط الهادئ يوم 12 فبراير 2026. وكانت هذه أول رحلة للمفرزة بصاروخ سبر رباعي المراحل، وواحدة من أصعب مهامها الاستكشافية حتى الآن. أمضى ثمانية من أفراد المفرزة، ضمن إجمالي 42 مشاركا، نحو سبعة أسابيع من أوائل يناير إلى أواخر فبراير في تجهيز مرافق الإطلاق من العدم تقريبا وتنفيذ مهمة “سمارت” التي لم يُعلن عنها سابقا. وضمت فرق العمل علماء من مختبر الأبحاث البحرية الذي أدار البرنامج، ومن مركز الحرب السطحية البحرية في إنديان هيد، ومركز غودارد للطيران الفضائي التابع لناسا، وفريقي أبحاث من جامعتين، وعدة جهات متعاقدة داعمة. وكشف مركز الحرب السطحية البحرية في بورت هوينيمي، في تقرير نشره مؤخرا، تفاصيل جديدة عن هذا الاختبار الذي ظل غير معروف على نطاق واسع.

وخلال التجربة، قام فريق الصواريخ بتبخير معدن عمدا على ارتفاع عالٍ فوق المحيط الهادئ، لتكوين حقل بلازما في الغلاف الجوي العلوي، بهدف دراسة كيفية تحول هذه الطاقة وسلوكها في الفضاء. وصاروخ السبر هو مركبة بحثية تحمل حمولة أدوات علمية إلى ارتفاع كبير ثم تعود إلى الأرض دون دخول المدار. وكانت مهمة “قياس الاضطراب الناتج عن إطلاق صاروخ في الفضاء”، التي اختصرت باسم “سمارت”، تحتاج إلى نسخة أكبر وأقوى من أي صاروخ أطلقته المفرزة من قبل.

والصاروخ، المسمى “أوريول الرابع”، ضم أربعة محركات صاروخية منفصلة هي “تالوس” و”تيرير” و”أوريول” و”نيكا”، وحمل حمولتين علميتين إلى ارتفاع نحو 539 كيلومترا، أي ما يكفي للوصول إلى المنطقة نفسها التي تعمل فيها الكثير من الأقمار الصناعية. وعند الوصول، فُجّرت عبوة متفجرة موجهة تعرف بالشحنة المشكّلة لتبخير عدة أرطال من معدن الباريوم، فتشكلت سحابة بلازما صناعية، أي سحابة من جسيمات مشحونة كهربائيا. وفي الوقت نفسه، نشرت الحمولة الثانية أدوات لقياس التأثيرات الكهرومغناطيسية التي أنتجتها سحابة البلازما هذه. ولم يكن الغرض من هذا الانفجار المدروس معروفا على نطاق واسع قبل التقرير الجديد.

يقرأ  إيران تشيّد درعاً خرسانياً فوق منشأة عسكرية في خضم توتر شديد مع الولايات المتحدة — أخبار الصراع بين إسرائيل وإيران

وأوضح جاي بروير، كبير مديري الاختبارات في شعبة المركبات دون المدارية بالمفرزة، أن المهمة تهدف إلى التحقق من نظريات فيزيائية عن تحول طاقة البلازما كانت قد اختُبرت سابقا في المختبر فقط. وقال: “في النهاية، نحن نثبت نظريات ستقود إلى تقديم قدرات لمقاتلينا”. من جهته، وصف كريستوفر نيتوال، رئيس فرع الديناميكا وأنظمة التحكم في المركز البحري لتقنية الفضاء التابع لمختبر الأبحاث البحرية، ومدير برنامج “سمارت” وقائد تجربتها، السؤال الفيزيائي بعبارات أكثر تقنية، فقال إن الهدف هو التأكد من كيفية تحول الموجات الهجينة السفلية الكهروستاتيكية إلى موجات صفيرية كهرومغناطيسية عندما يحدث انبعاث سريع لبخار معدني في طبقة الأيونوسفير، وهي الطبقة المشحونة كهربائيا في الغلاف الجوي العلوي، ولها دور في الاتصالات اللاسلكية والاستشعار القائم على الفضاء. وأضاف أن النتائج الناجحة تمثل خطوة مبكرة مهمة نحو تطبيقات ذات صلة مباشرة بالأمن القومي، وهي أعمال بدأت قبل سنوات عندما بدأ التنسيق مع فريق وايت ساندز في التخطيط للمهمة، وقال: “لقد عرفوا أنها مهمة صعبة، لكنهم أيدوا الفكرة ودعموني”.

وذكر التقرير أيضا أن جزيرة ويك لم تكن الوجهة الأصلية للمهمة. فكانت “سمارت” مخططة في الأساس لمنشأة والوبس في فرجينيا، على أن تتولى ناسا الإطلاق، لكن تحليل السلامة في ناسا وجد أن تفجير الشحنة المشكّلة على هذا الارتفاع سينشر الحطام على مساحة واسعة جدا، تعجز منشأة فرجينيا عن احتوائها بأمان، فحوّلت ناسا المشروع كاملا إلى البحرية. ونقلت البحرية المهمة إلى جزيرة ويك، وهي جزيرة مرجانية تديرها القوات الجوية الأميركية، تقع على بعد نحو 3701 كيلومتر غرب هونولولو، و2414 كيلومتر شمال شرق غوام، بينما تبعد أقرب جزيرة مأهولة نحو 966 كيلومترا. وهذه العزلة جعلتها مثالية لإغلاق المجال الجوي والمساحة البحرية اللازمة لاختبار أبعدته البحرية عن الأنظار حتى الآن. وعلق بروير قائلا: “إنها في وسط اللا مكان”.

يقرأ  «السيناريو الأسوأ»ترامب يدرس احتمال استبدال خامنئي من منصب المرشد الأعلى لإيران

لكن العزلة نفسها خلقت مشكلة لوجستية لم يواجهها فريق وايت ساندز بهذا الشكل من قبل. فإطلاق صواريخ السبر يمثل أطول مهام الوحدة استمرارا، ويتم عادة في ميادين مجهزة، مثل وايت ساندز نفسها، أو مواقع دولية مثل ميدان هيبريدز في اسكتلندا ومنشأة ميدان الصواريخ في المحيط الهادئ في كاواي، وهي مواقع تملك أطباق قياس عن بعد، وبنية للتحكم في الإطلاق، ومرافق أساسية. لم يكن في جزيرة ويك أي من ذلك، ما أجبر الفريق على جلب كل ما يلزم تقريبا لإدارة حملة الإطلاق، باستثناء سكة الإطلاق نفسها، وهو عمل وصفه بروير بأنه مختلف جذريا عن عمليات الوحدة المعتادة، وقال: “عادة ننتشر إلى ميدان مجهز بأطباق قياس عن بعد ومركز تحكم في الإطلاق”.

وفي النهاية، أقام الفريق مركز التحكم في الإطلاق داخل مرآب مهجور في الجزيرة، بسقف يسرّب الماء، وجدران مغطاة بالعفن، وأرضية ترابية، ووصفه بروير بأنه “ما بعد نهاية العالم”. واعتمد الفريق على أجهزة إنترنت ستارلينك عبر الأقمار الصناعية للاتصال، إذ لم تكن هناك خدمة خلوية أو واي فاي في الجزيرة خارج تلك الأجهزة. وكانت فرق متقدمة قد زارت الموقع في الربيع السابق، وعادت في سبتمبر لبدء تجهيز المعدات، وهو عمل تمهيدي قال نيتوال إنه كان حاسما، مضيفا: “كنا نعرف نوع الوضع الذي سنذهب إليه، وأدركنا أن برامج أخرى فشلت بسبب عدم جلب ما تحتاجه. هذا دفعنا إلى فعل كل ما بوسعنا لضمان ألا نفشل عندما نصل”.

ونقل الصاروخ والفريق إلى ويك تطلب جهدا لوجستيا خاصا، منفصلا عن الإطلاق نفسه. فقد نقلت ثلاث طائرات شحن من طراز C-17 الأفراد والمعدات وذخائر الصاروخ مسافة نحو 9334 كيلومترا من قاعدة هولومان الجوية في نيومكسيكو. وتوقفت الطائرات التي كانت تحمل المتفجرات ومراحل الصاروخ أولا في قاعدة ترافيس الجوية شمال كاليفورنيا، ثم في قاعدة بيرل هاربور-هيكام المشتركة في هونولولو للتزود بالوقود، قبل عبور خط التاريخ الدولي والهبوط في ويك بعد نحو أربعة أيام من المغادرة. وتم الإطلاق من منصة إطلاق مملوكة لوكالة الدفاع الصاروخي، مصممة لتحمل حمولات حتى 22680 كيلوغراما، ومدّتها المفرزة لتناسب صاروخ “أوريول الرابع” البالغ طوله 20.7 متر. وبعد عدة تأخيرات لتفادي احتمالات الاصطدام بأقمار صناعية موجودة في المدار، أقلع الصاروخ أخيرا في 12 فبراير بأداء مطابق للمتوقع في جميع الأنظمة، أي أن الرحلة سارت كما كان متوقعا، وحققت الحمولتان الأهداف العلمية لمختبر الأبحاث البحرية. وقال بروير: “كانت لدينا رحلة جيدة، وجمعنا علما جيدا”.

يقرأ  هجمات إسرائيلية على أحياء سكنية في غزة تسفر عن 8 قتلى

وأوضح بروير أن إعادة استخدام محركات صاروخية مُخرجة من الخدمة، بدلا من بناء محرك واحد أكبر، خفضت تكلفة المهمة كثيرا، لأن محركا واحدا أكبر قادرا على بلوغ الارتفاع نفسه كان سيكلف عشرات الملايين من الدولارات أكثر من تجميع أربعة محركات أصغر ورخيصة نسبيا. وهذه المسألة مهمة أبعد من الرحلة نفسها، فبعد الإطلاق نقلت وكالة الدفاع الصاروخي ملكية سكة الإطلاق في ويك إلى مفرزة وايت ساندز، فأصبحت الوحدة تملك أربعا من أصل خمس منصات إطلاق معروفة في العالم بسعة 50 ألف رطل. وقال بروير إن إثبات القدرة الاستكشافية للمفرزة في ويك يؤهلها لدعم مهام مستقبلية يراها البنتاغون ملحة بشكل متزايد، من بينها اختبار مركبات فرط صوتية، وأعمال تطوير مرتبطة بمشروع “القبة الذهبية لأمريكا”، وهو منظومة الدفاع الصاروخي الوطني متعدد الطبقات التي تعمل وزارة الحرب على بنائها بميزانية متزايدة لتقنيات الطاقة الموجهة والصواريخ الاعتراضية في السنوات الأخيرة.

أضف تعليق