القيام بالأمر بشكلٍ صحيح أم في الوقت المناسب؟
في بيئة الأعمال الحالية، حيث تتسارع التطوّرات التكنولوجية وتفرض تقنيات الذكاء الاصطناعي تغييرات عميقة، أصبح التعلم المستمر ضرورة لكل من الفرد والمؤسسة. حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT تغيّر أساليب العمل، لذا بات من الضروري أن يتكيّف الموظّفون ويطوّروا مهارات جديدة للحفاظ على الصلة والقدرة التنافسية.
ما هو “التعلّم ضمن سير العمل”؟
التعلّم ضمن سير العمل هو نهج يهدف إلى اكتساب المعرفة والمهارات في سياق أنشطة العمل اليومية. ينطوي على نوعين أساسيين من التعلم:
– التعلم ذي الصلة وفي الوقت المناسب (Timely Relevant Learning): تعلم موجّه لحل مشكلات أو تنفيذ مهام قائمة فوراً، بحيث يكون المحتوى قابلاً للتطبيق مباشرة على المشروع أو المشكلة الحالية—مثلاً إعداد إعدادات برنامج، إصلاح خطأ برمجي، أو استبدال خرطوشة طابعة.
– التعلم المكثّف (Intense Learning): أنشطة تطويرية تتطلب فترات زمنية أطول وتركيزاً أعمق لاكتساب خبرة متقدمة أو تغيير مسار مهني—مثل إتقان حملات إعلانات Google أو دراسة متقدمة في إدارة الدفع مقابل النقرة أو التحوّل إلى دور قيادي.
النهج المرن للتعلّم ضمن سير العمل
رغم اسمها، لا يلزم أن تكون أنشطة التعلم مرتبطة مباشرة بالمهمة الحالية دائماً. يمكن تكييف هذه الاستراتيجية لتدعم مراحل مهنية مختلفة:
– المرحلة الأولى: التدريب التمهيدي (onboarding) والتعريف بالعمليات والمنتجات والأدوات. يجب أن يكون هذا التدريب مركزاً ومكثفاً لتسريع فاعلية الموظف الجديد.
– المرحلة الثانية: صعود مسار مهني أو تغيير جذري في مجال الخبرة (upskilling / reskilling). هنا تحتاج المنظمات إلى برامج تدريبية أوسع وأعمق، وربما إرشاداً أو تدريباً مهنياً مخصصاً.
من المهم اعتبار هذا النهج تحولاً في العقلية لا حلّاً معجزة؛ فلا بد من الاستمرار في استخدام مزيج من الأساليب التعليمية وبذل الجهد اللازم لتحقيق نتائج ملموسة.
لماذا يعتبر هاماً؟
أولاً، يقود التحوّل الرقمي وصعود أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تغيّر جذري في طبيعة العمل خلال السنوات القادمة، ما يَستدعي استجابة تعلمية مستمرة. ثانياً، أظهرت دراسات سابقة أن 68% من الموظفين يفضلون التعلم أثناء العمل و49% يفضلون التعلم عند نقطة الاحتياج، مما يؤكد الحاجة إلى إدماج التعلم في وقت ومكان العمل. كما أن الكثير من الموظفين يواجهون تحديات في الموازنة بين العمل والحياة الشخصية، لذا فإن توفير فرص تعلم خلال ساعات العمل يرفع من إمكانية الوصول والمشاركة.
فوائد تطبيق التعلّم ضمن سير العمل
1) زيادة الإنتاجية
التعلّم وفق الاحتياج يزوّد الموظفين بالمعلومات والإرشادات اللازمة لحل المشكلات بسرعة وفاعلية، ما يرفع الأداء.
2) رفع المشاركة والتحفيز
فرص تعلم مخصّصة وذات معنى تزيد اندماج الموظفين وتحفّزهم لأن ما يتعلمونه يطبّق مباشرة في مهامهم.
3) تحسين الرضا والاحتفاظ بالمواهب
عندما يشعر الموظف أن المؤسسة تدعم تطويره المهني، يزداد احتمال بقائه واستمراره.
4) توطيد الاتساق والتواصل
محاذاة المحتوى التعليمي مع الأهداف الاستراتيجية تحسّن التواصل بين المديرين والموظّفين وتوطّد التوقعات المشتركة.
5) دفع الابتكار والنمو
تعرض الموظفين لأفكار ورؤى جديدة يحفّز الإبداع ويولّد فرص نمو للمؤسسة.
6) تقليل التكاليف
تقليل الاعتماد على الدورات التقليدية المكلفة واستبدالها بموارد صغيرة ومناسبة يقلّل النفقات ويخفّف التشويش على سير العمل.
نبذة تاريخية مختصرة
المنطق وراء التعلّم أثناء التطبيق القديم: التطبيق الفوري للمعرفة يعزّز الاحتفاظ بها. دراسة مهمة (Karpicke & Blunt، 2011) أظهرت أن “ممارسة الاستدعاء” تعطي تذكراً أفضل من إعادة الدراسة أو خرائط المفاهيم. لاحقاً، طرحت فكرة التعلم في سياق العمل علناً عبر أعمال John Seely Brown (2013)، وتبعتها مساهمات Catherine Lombardozzi وشرح Josh Bersin للنموذج في 2018.
كيف تُطبّق داخل منظمتك؟ (مُمكّنات ومعوّقات)
مُمكّنات
1. ثقافة التعلّم
إرساء ثقافة تضع التعلم المستمر أولوية، مع منح الوقت والموارد والدعم. على سبيل المثال، إتاحة ساعة إلى ساعتين أسبوعياً للتعلّم ذي الصلة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في الأداء والرضا.
2. التكنولوجيا المناسبة
الاستثمار في أدوات تتكامل بسلاسة مع بيئة العمل—من منصات إدارة التعلم إلى تطبيقات متوافقة مع قنوات التعاون (مثل أدوات المراسلة والتقارير). يجب أن تكون الحلول سهلة الاستخدام ومتكاملة، لا منصات معزولة وصعبة الاستعمال.
3. إنتقاء وصياغة المحتوى
توفير موارد عملية وقابلة للتطبيق: فيديوهات قصيرة، أدلة خطوة بخطوة، محاكاة، ومساحات تعلم مصاغة حسب حاجة العمل.
4. تشجيع المحتوى الذي يُنتجه المستخدمون
في الأعمال غير المكتبية (تصنيع، تجارة، لوجستيات…) يكون المحتوى الداخلي المولّد من الخبراء العمليين أثمن، لأن المهارات غالباً ما تكون ضمنية وصعبة النقل عبر طرق تقليدية.
5. دعم القيادة
تعهد القادة بالاستثمار بالموارد وإظهار التزامهم شخصياً يساعد على تخفيف مقاومة التغيير ويُبيّن أن التعلم جزء من استراتيجية الأداء.
6. تحليلات وقياسات
استخدام البيانات لرصد التقدّم، كشف الفجوات، وقياس أثر التعلم على الأداء عبر معايير واضحة ومنظومات مهارات (CompMS، xAPI…) يمكّن من تحسين مستمر.
معوّقات
1. مقاومة التغيير
الخوف من تعطيل روتين العمل أو الاعتقاد بعدم وجود وقت كافٍ قد يعرقل اعتماد النموذج.
2. تقنيات غير ملائمة أو مبعثرة
الاستثمار في أدوات غير متكاملة أو صعبة الاستخدام يفضي إلى عدم التبنّي وإضاعة الموارد.
3. انعدام الصلة وسوء التوقيت
محتوى غير ملائم أو قديم أو يُقدَّم في وقت غير مناسب يفقده الفائدة ويثبط الموظفين. يجب مطابقة نوع التعلم مع الحاجة: لا تُبدّل دورة موسعة بحل مرشد قصير إذا كان المطلوب مجرد إرشاد مباشر.
4. قلة الوقت خلال ساعات العمل
عندما يُنظر إلى التعلم كعمل إضافي فوق ضغط يومي، يتراجع التفاعل والنتائج.
5. ضغوط الإدارة القصيرة الأمد
تركيز الإدارة على النتائج الفورية قد يضع التعلم في آخر الأولويات ويخشى الموظفون من الأخطاء والتجربة.
6. نقص التغذية الراجعة وتتبع التقدّم
دون قياس واضح وردود فعل، يفقد الموظف القدرة على ضبط مساره ويتراجع التحفيز.
خاتمة
التعلّم ضمن سير العمل هو تغيير في العقلية ونهج عملي يمكن أن يجعل تعلم الموظفين أكثر فاعلية وملاءمة لأهداف العمل، لكنه ليس حلاً سحرياً؛ يحتاج إلى توازن بين التعلم والعمل، دعمٌ قيادي، وأدوات ومحتوى مناسب. كما قال ستيفن كوفي: “المفتاح ليس في ترتيب ما على جدولك، بل في جدولة أولوياتك.”
المؤسسة التي تتبنّى هذا النهج وتخطط له بشكل حكيم ستمكّن موظفيها من النمو دون التفريط في إنتاجية العمل، وتبقى قادرة على التكيّف مع متغيرات المستقبل.