«الحدود الأمريكية تخترق ملاعب كأس العالم»

في 11 يونيو انطلق كأس العالم لكرة القدم 2026 في المكسيك، التي تستضيف الحدث بالاشتراك مع الولايات المتحدة وكندا في عرض معلَن لوحدة قارية يبدو هشًا ومليئًا بالتناقضات.

منذ البداية بدا مفهوم الاستضافة المشتركة مُتعَجرفًا إلى حد السخرية، خصوصًا وأن أحد الدول المضيفة مشهور بصعوبة تعامله مع الآخرين. بدايةً، تحتفظ الولايات المتحده بسياسة تأشيرات متشددة وحظر سفر استثنائي لمواطني دول متعددة، ما يحوّل حدثًا رياضيًا ذا طابع عالمي إلى مناسبة أكثر حصرية اجتماعيًا واقتصاديًا ويقوّض وهم التضامن الدولي الذي يفترض أن يجسّده كأس العالم.

تسيطر الولايات المتحدة أيضًا على حدود مُسَلَّحة بشكل مبالغ معه مع المكسيك، البلد الشريك في الاستضافة والذي هدد رئيسها السابق دونالد ترامب مرارًا بقصفه وغزوه. وفي سلوك لا يمت للروح الرياضية بصلة وصف ترامب المكسيكيين بصفات تحقيرية كالمجرمين وتجار المخدرات والاغتصاب؛ وقد نقلت صحف مثل نيويورك تايمز اقتراحاته في 2019 لقتل مهاجرين أو إقامة خندق مملوء بالتماسيح على الحدود.

وعند عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي طبّق ترامب عمليًا سياسات أغلقت الحدود أمام طالبي اللجوء والنازحين الاقتصاديين، وهو ما يعد قرارًا فاتنًا إذا أخذنا بعين الاعتبار دور الولايات المتحدة في كثير من الاضطرابات العالمية التي تدفع الناس إلى الهجرة.

شاب أعرفه من ولاية ميتشواكان المكسيكية، وهي منطقة مزقتها العنف، اضطر مؤخرًا لدفع 10,000 دولار لمرشد تهريب — ما يُعرَف بـ«الكويوت»— ليتم رفعه بحبل فوق السياج الحدودي إلى داخل الولايات المتحدة، بعدما أصبح العيش في بلده غير مستدام اقتصاديًا وجسديًا.

بمعنى آخر، بينما ينفق بعض سكان العالم عشرات الآلاف على تذاكر كأس العالم، اضطر هذا الشاب لتجميع مبلغ مماثل ليحصل على فرصة للفرار من منظر عامٍ من الفقر والدموية مثلَّته سياسات مدعومة أميركيًا في المكسيك.

يقرأ  آلة الحرب الإسرائيلية بلا قيودالحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

أما قرار المكسيك بالمشاركة في استضافة بطولة باهظة الكلفة بدل توجيه تلك الموارد الضخمة إلى، على سبيل المثال، البحث عن أكثر من 134,000 مفقود في البلاد، فُسّر لدى كثير من المكسيكيين على أنه صفعة في الوجه. معظم حالات الاختفاء وقعت بعد انطلاق ما سميّ بـ«الحرب على المخدرات» المدعومة من الولايات المتحدة عام 2006، والتي تحولت إلى حرب على الفقراء في كثير من مناطق البلاد.

كما أثار الانتشار الواسع لقوات الأمن المكسيكية حول ملاعب كأس العالم، وهي قوى معروفة بسجلها في انتهاكات حقوق الإنسان وقمع الحريات، استياءً واسعًا.

من جهته حافظت الفيفا على تاريخها الطويل من الفساد والطمع والنفاق، وهذا ما أكده رئيسها جياني إنفانتينو عندما منح دونالد ترامب في ديسمبر أول «جائزة السلام من الفيفا — كرة القدم توحِّد العالم». بدا ذلك كمحاولة ذليلة من إنفانتينو لاسترضاء ترامب بعد غضبه من فقدانه جائزة نوبل للسلام لعام 2025. ومن أبلغ المتلقين لهذه الجائزة رجل كان داعمًا أساسيًا لـ«الإبادة» في قطاع غزة حسب تقارير عديدة.

منذ أكتوبر 2023، قتلت إسرائيل رسميًا حوالي 73,000 فلسطيني في غزة، بينهم ما لا يقل عن 421 لاعب كرة قدم. وفي الأشهر التي تلت عرض إنفانتينو المتملّق، واصل الحاصل على جائزة الفيفا «توحيد العالم» من خلال أعمال منها اختطاف رئيس فنزويلا، وإشعال حرب مدمرة على إيران بالتحالف مع إسرائيل، والمشاركة في تمويل تدمير واحتلال جنوب لبنان.

أما كندا، القادرة على تقديم نفسها كجارٍ شمالي بريء للولايات المتحدة، فدورها في تسليح إسرائيل وتواطؤها في سياسات تؤدي إلى جرائم حرب يضعها أيضًا تحت بطاقة صفراء أخلاقية وربما حمراء.

لكن الولايات المتحدة تظل القوة الأكثر إصرارًا على أن يكون هذا الكأس مناسبة شائكة وبائسة قدر الإمكان. قبل أيام من انطلاق البطولة أعلنت الاتحادات الإيرانية أن حصة تذاكرها للمباريات الثلاث المقامة داخل الولايات المتحدة أُلغيت، ورفضت إصدار تأشيرات لـ15 من موظفي الاتحاد الإيراني. كما قُوبل حكم صومالي بارز، عمر أرتان، برفض دخول الأراضي الأميركية رغم تعيينا للعمل في البطولة الأسبوع الماضي. وبما أن مواطني هايتي مُمنوعون تمامًا من دخول الولايات المتحدة، فالجماهير الهايتية ستحرم من السفر لدعم منتخبها.

يقرأ  «دوري تي٢٠ الباكستاني يقام في ملاعب خاوية وسط أزمة المحروقات — أخبار الكريكيت»

بالطبع عانت كلٌ من الصومال وهايتي عبر عقود من تدخلاتٍ عسكرية عبر الحدود قام بها الجيش الأميركي، لكن لا حرج لدى الولايات المتحدة أن تُمنع شعوب هذه الدول من عبور حدودها لحضور مباراة كرة قدم.

توقيفات وترحيلات ترامب الجماعية المستمرة قلبت فكرة «الوحدة» إلى وهم، بينما أسعار التذاكر التي لا تُطاق قد تكون أعظم عملية اغتِناء رأسمالية في تاريخ كأس العالم: تذكرة ليست متاحة سوى لمن يملك قدرًا هائلًا من المال — تذكرهٍ تؤكد أن البشر ليسوا سواسية.

ولإضافة لمسة سادية إلى المشهد، اضطر المنتخب الإيراني إلى التمركز في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، مُصرّحًا له بدخول الولايات المتحدة فقط لمدة كافية لإقامة كل مباراة ثم مغادرتها فورًا، في تكرار لسياسة «البقاء في المكسيك» التي استُخدمت في ولاية ترامب الأولى كحلّ لطرد الزوار غير المرغوب فيهم.

آخر مرة عبرت فيها الحدود من تيخوانا كانت تجربة مذلة بالنسبة إليّ حتى بصفتي مواطنًا أميركيًا؛ حاولت بتهور عبور الحدود وأنا أحمل يوسفيًا واحدًا، فتصرّف ضباط الحدود الأمريكيين وكأنه سلاح نووي. لذلك أنصح المنتخب الإيراني بترك الفاكهة في المنزل.

لا شك أنه في زمن ما، قبل الجرائم الجماعية الراهنة، كان من الممكن أن يغمر المشاهدين جمال اللعبة ويُنسيهم فساد الفيفا وطمع الشركات المهيمن؛ فالنسخة الأخيرة في قطر 2022 حملت لحظات من الجمال الخالص، مثل أداء المغرب الذي تغلّب على أطراف استعماريّة سابقة ورفع قضية فلسطين وأضحى رمزًا للإنسانية.

لكن هذه المرّة، تجعل الغطرسة الإمبريالية والخلفية الكارثية المولّدة من سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من الصعب استعادة الحماس والسحر اللذين رافقا كرة القدم عبر تاريخها.

مع ذلك لن أكذب: شاهدت مباراة الافتتاح بين المكسيك وجنوب أفريقيا على التلفاز هنا في جنوب إيطاليا، وارتعشتُ قليلًا حماسًا. ارتديت قميص المنتخب المكسيكي، واشتريت بعض البيرة، وجلست على أرضية غرفتي مُتابعًا القناة الإيطالية راي 1.

يقرأ  وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية تعتقل أحد كبار المسؤولين التربويين في أكبر منطقة مدرسية بولاية أيوا

كعادتهم اختار معدو برنامج ما قبل المباراة زيارة مجموعة من الإيرانيين السابقين في كاليفورنيا ممن يعتبرون أنفسهم فرسًا (فُرسًا) — وهنا قرروا تأييد المنتخب الأميركي بدل الإيراني. خفّضت الصوت وشربت المزيد من البيرة.

في النهاية، لطالما كان كأس العالم حدثًا سياسيا. لكن هذا العام تبدو الحدود الأميركية وكأنها امتداد للمونديال ذاته — ولا شيء جميل في ذلك.

الآراء الواردة هنا تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع الجزيرة.

أضف تعليق