الذات المتعلّمة: كيف تغيّر الرياضيات الحياة

نظرة عامة:

أعظم مهمة للمعلّمين لا تقتصر على نقل المحتوى الدراسي فحسب، بل تكمن في بثّ الثقة، ومرافقة التلاميذ خلال الصعوبات داخل الفصل وخارجه، وتوجيههم نحو تحقيق إمكاناتهم الحقيقية.

كل من يمارس التعليم يعلم أن الشهادة والموَاد ليستا كل شيء؛ الإنجاز الأثمر هو ما توقظّه في نفوس الطلاب. تذكرتُ ذلك حين وصلتني رسالة من والدة لوغان بعد أن قمت بتدريسه الرياضيات: «…لوغان حصل على 91 في الرياضيات!!!! …لقد غيرتَ مسار ثقته بنفسه ودافعه، وقبل كل شيء مساره الدراسي.» لأي معلم، أن نساعد طالباً على اكتشاف الطريق الذي يقوده إلى أفضل نسخة من نفسه، هو أسمى ما نقدمه. ربما يبدو هذا الربط مفاجئاً، لكنني تذكرت قسَماً يعود إلى القرن السادس عشر لدى فرسان فرنسيين من رتبة روح القدس، حيث جاء فيه: «طُرُقُنا تضيء بفضل من سبقونا. هل ستضيء الطريق للآخرين؟» وحتى أكون صريحاً: هل انت مستعد لأن تكون نوراً لمن يجيء بعدك؟ وهل ستقوم باضاءة الطريق للآخرين؟

أول مرة شعرت بأن لي دوراً في «إضاءة طريق» تلميذة في المرحلة الإعدادية كانت في عام 2003. كنت أعمل نهاراً في القطاع المصرفي وأُدرِّس في كليات محلية مساءً. أتتني فرصة لتدريس وحدة تسويقية مدتها أربعة أسابيع لطلبة صيدلة دراسات عليا. في الليلة الأولى جاءت أم لم تستطع إيجاد جليسة فأحضرت ابنتها المراهقة ماريا إلى المحاضرة. جلست ماريا بجانب أمها، وبعد أن أنهت واجبها المنزلي راقبت المحاضرة وشاركت عندما طرحت سؤالاً؛ رفعت يدها وأجابت إجابة صحيحة، وفي الجلسات اللاحقة شاركت على قدم المساواة مع باقي الطلبة. وفي الختام منحتها جائزة تقديراً لمساهمتها الرائعة (كتاب الأمير الصغير لأنطوان دو سانت-إكزوبيري).

تفحّصت تقييمات الطلاب بعد انتهاء الدورة، ولاحظت تقييمًا مكتوبًا بخطٍ مرتب وإملاء مبتكر لفت انتباهي. سألتُ: «ما أهم شيء تعلمته في هذه الوحدة؟» كتبت ماريا باختصار: «أنا ذكية!» ولأنني كنت أعرف ماريا جيداً علمتُ أنه لم يكن في كلماتها أي تفاخر—بل كانت خلاصتها ثمرة صغيرة من اليقين بالذات، وكيف كان ممتعاً أن أكون جزءاً من هذا التحوّل.

يقرأ  كيف خلّفت سياسات إسرائيلمجاعةً في قطاع غزة

حضور ماريا للدورة لغياب جليسة أثار سؤالاً بدا بسيطاً لكنه عميق: أين أبيها؟ كانت تلك أول مرة—ربما بسبب عمرها—أفكر فيها بجدية في حياة طالب ما خارج جدران المدرسة. أتذكر أن والدي توفي عندما كنت في الصف السادس سنة 1961. السرطان لا يمنحك إلا خصماً مؤلماً؛ ترصد كيف يتضاءل الجسد والعمر أمامك. أتذكر كلمة والدتي باندهاش أنّ ليلة الوداع استبدل فيها والدِي تحيّته الاعتيادية «أراك غداً» بعبارة «وداعاً». في ذلك اليوم سرت كالمعتاد من موقف الحافلة إلى البيت، ورأيت عدداً غريباً من السيارات حول منزلنا—كانت إشارة وفاءٍ صامتة لأمرٍ حزين. كيف أثّر رحيل والدي على دراستي أو إن قال أحدهم شيئاً في المدرسة عن فقدي له، فلا أملك ذاكرة واضحة عن ذلك.

هناك درس آخر لن أنساه علّمه لي والد جاش، مع أنني لم أقابله أبداً. بعد تقاعدي من المصرف في 2017 تطوّعت للتدريس في مدرسة ابتدائية-إعدادية (St Michael–St Clement) ودرّست جاش في الصف المتوسط. مستوى جاش في الرياضيات كان متوسطاً، لكنه كان هادئاً ولديه رغبة صادقة في التحسن، ما جعله من طلبتي المفضّلين. كنا نغادر الصف في الطابق الثاني نسير نزولاً وندردش قليلاً، ثم نعبر الممر إلى الرصيف المجاور لممر السيارات الخاص بالمدرسة، الذي يسمح بإيصال الأطفال بسلام. ومع ذلك كان والد جاش يوقف سيارته في شارع بعيد عن المدرسة رغم صفاء الممر؛ عندما سألته عن ذلك أجاب ببساطة أن والده لا يريد أن تُلتقط له صور بواسطة كاميرات الأمان. كانت إجابة طريفة من جهة ومربكة من جهة أخرى. ذكرني ذلك بأن هناك عوامل كثيرة خارج سيطرتي تؤثر في قدرة الطفل على التعلم، وأنّ من واجب المعلم أن يكون حساساً لما قد يواجهه الطالب خارج جدران الفصل.

يقرأ  منطقة هوكينسون التعليمية تطلق أداة جديدة لتعزيز إنجازات الطلاب

مثل جاش، جيسون فريد في نواحٍ عدة؛ هو الوحيد بين طلابي الذي يعشق الرياضيات رغم أن أدائه أقل من المتوسط. لديه بعض الصعوبات التعلمية التي مَنَحته الحق في استخدام الحاسبة في مواقف لا يُسمَح لبقية الطلاب بذلك، ومع ذلك يصرّ دائماً أن يتعلم الطريقة دون الاعتماد على الآلة. نحلّ مسألة معاً، ثم أعطيه مسألة مشابهة بأرقام مختلفة؛ الحزن أنّه إن تغيّر الأرقام لا يستطيع تتبّع خطوات الحل ولا تذكّر كيف انتقلنا من مرحلة لأخرى. لذلك نعاود العمل معاً، ثم يطلب ثانيةً مسألة طويلة الحل ليجرب بنفسه. مهما حقق من إتقان رياضي فإن الأهم هو نموه الشخصي—هل ستنمو ثقته؟ هل سيقدّر حقاً ما أُشيد به فيه مراراً: رغبته في التعلّم والتزامه بتحقيق ذلك؟

في الآونة الأخيرة عبّر جيسون عن أسفه لأنني لا أدرِّس رياضيات ثانوية؛ قال ببساطة وبقلب طيب: «سأشتاق إليك العام القادم.» بعد حديث مع زوجة أبيه أدركت أن ما كان يريده جيسون أكثر بكثير من مجرد دروس في مستوى أعلى؛ كان يطلب، كما طلبت والدة لوغان ضمنياً، دعماً أعمق لتوجيه مساره وثقته واندفاعه الدراسي: «لقد غيّرت مسار ثقة لوغان بنفسه ودافعه ومساره الدراسي.» أليس هذا، أكثر من المادة التي ندرّسها، هو النتيجة الحقيقية التي نطمح إليها؟ فإذا فعلنا ذلك، فنحن نفي بعهدٍ ضمني بأن نضيء الطريق للآخرين. وبالنسبة لجيسون—نعم—سأتابع تدريسه عندما يدخل الثانوية.

أضف تعليق