القتال يشتعل مجددًا في اليمن والمدنيون يدفعون الثمن

أمان مرشد، أم لخمسة أطفال في الخمسينات من عمرها، نزحت لأكثر من خمس سنوات في مخيم بمنطقة الكدحة في تعز، وكانت تأمل أن تعود إلى منزلها حيث كانت أسرتها تزرع الأرض وتربي المواشي.

لكن تلك الأحلام تبددت عندما تجددت المعارك بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا هذا الشهر، في أعنف قتال تشهده البلاد منذ سنوات.

وقالت الأمم المتحدة إن سيطرة الحوثيين على كامل ساحل البحر الأحمر يوم الجمعة جعلت النزوح يرتفع بمعدل مقلق كل ساعة.

وقالت مرشد للجزيرة: “كنا نأمل العودة إلى ديارنا، لكننا اليوم لا نأمل إلا أن نستعيد الأساسيات التي تركناها في المخيم السابق. هنا لا طعام لدينا، ونعتمد على الجيران ليتقاسمون معنا وجبة أو وجبتين كل يوم. اضطررت إلى ترك كل طعامنا”.

وأضافت: “كانت السنوات الأربع الماضية هادئة، وكبرت آمالنا في العودة إلى الوطن. لكن فجأة اندلع القتال قرب مخيمنا قبل ثلاثة أيام، فوجدنا أنفسنا نهرب من جديد نحو وجهة مجهولة”.

وتابعت: “كانت أولويتنا الوحيدة أن نحمل الأطفال ونفر بأسرع ما يمكن، لأن أي تأخير قد يعني الموت. كان الوقت نحو الخامسة فجرًا، ولم تكن هناك سيارات في المخيم أو ما حوله لأنه يقع على خط المواجهة. لذلك مشينا أكثر من كيلومترين حتى وجدنا شاحنة صغيرة نقلتنا إلى هذا المخيم مجانًا”.

وهربت مئات الأسر الأخرى من المخيم في كل الاتجاهات؛ استقبل بعضها أقارب أو أصدقاء، وبحث آخرون عن مخيم آخر قد يجدون فيه مكانًا. وكثيرون بلا مأوى يقضون أيامهم في ظل الأشجار، محاولين تفادي شدة حرارة الظهيرة.

وانتهى بها المطاف في مخيم الملكة في مديرية المعافر بتعز، حيث تعرف أقارب هناك، لكن أسرتها تفتقر إلى مأوى مناسب. وقالت: “إنهم يفهمون معاناتنا وسيساعدوننا على الاستقرار”.

يقرأ  وزير الدفاع الأمريكي: الولايات المتحدة تجري تدقيقًا لمشاركة الصين في خدمات الحوسبة السحابية

وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما لا يقل عن 46 ألف شخص في اليمن فروا من منازلهم منذ اندلاع المواجهات الجديدة الأسبوع الماضي.

ويوم الجمعة، سيطر الحوثيون على المخا وعلى آخر الأجزاء المتبقية من ساحل البحر الأحمر التي لم تكن تحت سيطرتهم، ما بث الذعر في المناطق الخاضعة للحكومة وأدى إلى نزوح جماعي.

ولم يكن لدى مرشد وقت إلا لأخذ بعض الأغطية والفرش قبل أن تفر من خيمتها، تاركة معظم أمتعتها. وهي أكثر حزنًا على تركها مواشيها، مصدر دخلها وأمانها الأساسي.

وقالت: “في نزوحى السابق تمكنت من أخذ مواشي معي، لكن هذه المرة اضطررت لتركها، وأنا متأكدة أنها قُتلت في القتال”.

وهي الآن تحاول أن تجمع مأوى بسيطًا من أعمدة خشبية ومشمع تبرع به جيرانها، وهي تعلم أن مستقبلها صار بيد السكان المحليين وجماعات الإغاثة الذين قد يساعدون أسرتها.

وتقول مرشد إنها تستطيع تحمل الحياة بطعام غير كافٍ وممتلكات قليلة، لكن قلبها يتقطع على الأطفال في المخيم، الذين لا يحصلون على تعليم ولا تغذية سليمة ولا دعم أساسي آخر.

وبحسب خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 على موقع رليف ويب التابع لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، يُقدّر أن 22.3 مليون شخص من إجمالي نحو 35 مليونًا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية في اليمن، من بينهم 5.2 مليون نازح داخليًا.

أحمد عبد الجليل، رجل نازح في الأربعينات من عمره يقيم في مخيم الغزالية بمديرية المعافر، فرّ من منزله السابق في مخيم بمديرية جبل حبشي في وقت مبكر من صباح الجمعة.

وتشبه قصته إلى حد كبير قصة مرشد وآلاف الأسر الأخرى التي نزحت بسبب القتال الأخير، والتي كانت تعيش لسنوات على المساعدات.

يقرأ  مسؤولون: السلطات الأمريكية تكتشف مليون وثيقة إضافية متعلقة بجيفري إبستاين

وقال للجزيرة: “معاناتنا واضحة، لكن المنظمات الإنسانية لم تصل إلينا بعد لترى أن النساء والأطفال فقط ينامون تحت أغطية بلاستيكية ويستخدمون دورات المياه، بينما ينام الرجال في العراء. كلنا نتقاسم ألم نقص حاد في الطعام”.

وقال عبد الناصر السوروري، مدير فرع مديرية المعافر لمنظمة السلام والأمن الاجتماعي، وهي مجموعة محلية غير حكومية تقدم للنازحين الغذاء والمواد الأساسية، إن القتال المستمر يضاعف الضغط على العاملين في الإغاثة الذين كانوا يعانون أصلًا من عجز كبير في الميزانية قبل موجة النزوح الجديدة.

وأضاف للجزيرة: “تحتاج الأسر النازحة إلى كل الخدمات الأساسية، بما فيها الغذاء والمأوى والمياه النظيفة وحقائب النظافة، لكننا نفتقر إلى المال لمساعدة الجميع”.

وتابع: “تمكنا من مساعدة بعضهم بالمأوى، لكن الاحتياج هائل. يجب أن تتدخل المنظمات الدولية والأمم المتحدة في أسرع وقت ممكن”.

وكان بعض أعنف القتال في الأيام الماضية في محافظات الجوف ومأرب والبيضاء، ما أدى إلى مزيد من النزوح في المناطق الثلاث.

وقال علي قائد، المدير العام للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في تعز، إن معظم النازحين فروا إلى مديرية المعافر وسط وضع أمني بالغ الخطورة.

وأضاف للجزيرة: “مئات الأسر مكدسة في خيام ضيقة أو بجوارها مباشرة، لأن هذه المخيمات لا تملك القدرة على استيعاب آلاف الأسر الإضافية”.

وبينما يجري التنسيق مع جماعات الإغاثة لاستجابة عاجلة للوضع، لا تزال التدخلات الإنسانية الحالية ضعيفة.

وفرّ منير، وهو رجل في الأربعينات من عمره فضّل استخدام اسمه الأول فقط، من مديرية جبل حبشي ليلة الجمعة، تاركًا وراءه كل ما يملك. وأصيب منير أيضًا برصاصة في أحدث الاشتباكات.

قال منير للجزيرة: «كنت أفر من منزلي برفقة عائلات أخرى، حين اندلع القتال فجأة، فأصبت في ساقي اليسرى». وأضاف: «كانت الاشتباكات عنيفة، لكن الحمد لله، كانت نجاة معجزة». ومنذ ذلك الحين خرج من المستشفى، لكنه الآن يعتمد على عصا في السير.

يقرأ  حماس: الرهائن الإسرائيليون منتشرون في «مقبرة» وسط مدينة غزة

وقال: «لقد أنهكتنا هذه الحرب. كل ما نريده الآن هو أن يتوقف القتال لنستأنف حياتنا الطبيعية».

وكان اتفاق الهدنة الذي رعته الأمم المتحدة في أبريل 2022 قد أوقف مؤقتًا القتال الكبير بين القوات الموالية للحكومة والحوثيين، الذين سيطروا على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. ورغم حدوث اشتباكات متقطعة خلال تلك الفترة وسط تصاعد الصراعات الإقليمية والبحرية، فإن قتال هذا الشهر هو الأعنف منذ سنوات.

وخلال هذه الفترة، انصب الاهتمام على البحر الأحمر، إذ استهدف الحوثيون عدة سفن كانت تمر قرب اليمن أثناء الحرب على غزة، ما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى شن ضربات جوية على مواقع الجماعة. وفي يوليو 2026، وأثناء الحرب على إيران، هدد الحوثيون بمهاجمة سفن مرتبطة بالسعودية تمر عبر البحر الأحمر. وقد استُهدفت عدة سفن في هذه المياه ومنشآت نفطية في السعودية.

وقال محمد علي، وهو صحافي في تعز، إن اليمنيين الذين كانوا يأملون تحسن الظروف خلال سنوات الهدوء قد أصيبوا بخيبة أمل مريرة بعد تجدد الحرب.

وقال علي للجزيرة: «كنا نعتقد أن حلًا سلميًا يقترب خلال السنوات الأربع الماضية، إذ كانت الجبهات العسكرية هادئة وجرت جولات متعددة من المباحثات بين أطراف الحرب». وأضاف: «غير أن الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران أنهى فعليًا هدنة 2022، إذ يحاول الحوثيون التقدم للسيطرة على مضيق باب المندب لخدمة أجندة إيران».

وتابع: «الأطراف المتحاربة تصعد، لكن المدنيين هم من يدفعون الثمن. تكفي زيارة واحدة لأي مخيم من مخيمات العائلات النازحة لرؤية الأثر القاسي الذي يخلفه هذا التصعيد على الشعب اليمني».

أضف تعليق