نقص المعلمين المتخصصين في رعاية الطفولة المبكرة مشكلة معروفة، لكن ندرة المعلمين البدلاء المؤهلين لا تحظى دائماً بنفس قدر الانتباه. تُلزم القوانين مراكز الرعاية بالحفاظ على عدد معيّن من البالغين بالنسبة للأطفال الموجودين فيها، وبغياب بدلاء موثوقين لا تكاد المعلمات الدائمات يجرؤن على الخروج من الغرفة لالتقاط أنفاس قصيرة، ناهيك عن حضور مواعيد أطول كزيارة الطبيب. كما يقدم البرنامج مستشارين تطوّعين للعمل الإداري ودعم الأعمال الخلفية للمراكز التي تحتاج ذلك.
«مجال الرعاية والتعليم المبكّرين يعج بأشخاص مبدعين يسعون لإصلاح المنظومة بكل السبل الممكنة»، قالت إليزابيث بوفال جونز، مديرة برامج الإعداد وبيئة العمل في مركز دراسة توظيف العاملين في رعاية الطفل. كثيرون ما ينظرون إلى معلمي الطفولة المبكرة كحاضنات يمكن ملء أدوارهن بسهولة، لكن هذا تصور خاطئ؛ فمع أعضاء هيئة الخدمة هؤلاء «تتأكّد أن الشخص مؤهل جيداً لدخول هذه الفصول».
أسست ليزا أرماو منظمة فِرْق خدمات الطفولة المبكرة (ECSC) في 2022 بعد أكثر من ثلاثين عاماً في مجال التربيه المبكرة، مستوحية من فيلم وثائقي يصوّر نموذجاً في سياتل يجمع مركزاً للمسنين وحضانة تحت سقف واحد. زارت أرماو ذلك النموذج بنية تكراره في دنفر، لكن الجائحة أعادت تشكيل خططها لإنشاء منشأة قائمة بذاتها. رغم ذلك نجحت في جمع أكثر من 440 ألف دولار من تمويل محلي وولائي لتطبيق نموذج ECSC القائم على إدماج كبار السن في مراكز رعاية الأطفال كمعلّمين بدلاء وموظفي مكتب.
خلال السنوات الثلاث الماضية وضعت ECSC نحو 150 متطوّعاً في برامج مونتيسوري ومراكز رعاية أخرى حول منطقة دنفر. الراغبون في العمل كمعلّمين يخضعون لدورات إلكترونية مدتها ثلاثة إلى أربعة أشهر تُقدّمها كلية ريد روكس المجتمعية، أما من يريد العمل مع الأطفال من دون التدريب المطوّل فيتلقى 19 ساعة من الوحدات التدريبية التي توفرها ECSC. ويأخذ المستشارون التطوّعيون في الأعمال سبع ساعات تدريب مجاني حول لوائح رعاية الطفولة قبل الالتحاق بالمركز. بعض المشاركين يتقاضون أجوراً بينما يقدّم آخرون الدعم مجاناً.
جامعة فاميلي ستار مونتيسوري تُعلّم 230 طفألاً تتراوح أعمارهم بين ثمانية أسابيع وست سنوات في مدرستين وبرنامج تعلم منزلي. وجود متطوّع مثل ألكسندر داخل الفصل يمنح المعلمات فرصة الخروج لإجراء مكالمة أو الذهاب إلى المرحاض من دون القلق بشأن نقص البالغين في الغرفة.
«لا نتكلم عن فترات الذهاب إلى المرحاض بما يكفي»، قالت أرماو. «إذا احتجت أن تذهب إلى المرحاض، يجب أن يكون هناك من يغطي مكانك في تلك اللحظة، وهذا قد يجعل بيئة العمل غير مريحة للغاية. تلبية احتياجات البالغين تحسّن الروح المعنوية».
جذبت ECSC تغطية إعلامية محلية متواصلة، ومن خلالها يكتشف معظم كبار السن البرنامج، غير أن إيجاد أعضاء كافين لا يزال يمثل تحدّياً. قالت أرماو إنها تلقت استفسارات حول تكرار النموذج من أشخاص في كاليفورنيا وأوهايو وأوريغون وواشنطن.
وبقدر اعتماد المديرة التنفيذية في فاميلي ستار، ليندسي مكنيكولاس، على ألكسندر لرعاية الأطفال، فإنها تعتمد أيضاً على عضو آخر من ECSC، جين تاونسند، للدعم الإداري. قبل تقاعدها كانت تاونسند تمتلك شركة استشارات اقتصادية محلية وساهمت في تأسيس ماراثون كولفاكس السنوي الذي يجذب آلاف العدّائين، وجلبت معها شبكة علاقات واسعة وروح العمل الميداني.
«تعلمت أنه إذا كانت هناك مشكلة فحلها واجب»، قالت تاونسند. تعمل حالياً مع المركز على خطة بيع موقع وشراء آخر بتدفئة حديثة وموقع أقرب إلى تجمعات الأسر. خلفيتها التجارية كانت ذات قيمة لا تُقدّر، بحسب مكنيكولاس: «تمكنت من لقاء مسؤولي ومخططي المدينة في مقاطعة جيفرسون، وهي مقاطعة جديدة بالنسبة لنا، وهذا منحنا انطلاقة سريعة مع فرصة مذهلة لمنظمتنا».
جاء أعضاء الفِرَق من خلفيات مهنية متنوعة وتفاوتت توقعاتهم من التجربة. لكن على مدار الوقت اكتسبوا فهماً أعمق لمهنة غالباً ما تبقى غير مرئية: «يَتعلّمون حالة قطاع الطفولة المبكرة ويدركونها بعمق أكبر. بعضهم يفهم أنها محرك اقتصادي، وآخرون يدركون البساطة الفادحة: هؤلاء الأطفال سيصبحون البشر الذين سيديرون عالمنا».
كيِت كاربلر (72 سنة) فنان زجاج تُعرض أعماله بمتحف دنفر للفنون. «لو لم أجد هذا لن أستطيع تخيل ماذا كنت سأفعل»، قال عن عمله كبديل في مركز تعلم مبكر بقاعة معبد إيمانويل في دنفر. يعمل كاربلر عشرين ساعة أسبوعياً، وأكثر إذا دعت الحاجة. «ما الذي كان سيمنحني هذا العائد العاطفي؟»
كمال فاخوري (68 سنة) عملت في التعليم والأعمال في أنحاء الشرق الأوسط. في مونارك مونتيسوري، وهي مدرسة عامة تضم 250 طفلاً من ستة أسابيع حتى خمس سنوات، تقوم فاخوري بالتدخّل كمعلمة بديلة. وُلدت في لبنان، وعاشت في الإمارات والكويت والسعودية ومصر قبل انتقالها إلى دنفر لتكون قرب ابنتها وأحفادها خلال ذروة جائحة كوفيد. تقول فاخوري إنها تثمن بشكل خاص لحظات التواصل الإنساني. «كنت أقرأ مع طفل في فصل لم أذهب إليه منذ مدة، فجاء طفل آخر وعانقني من الخلف وبدأ يحدثني عن الأعمال التي يقوم بها»، قالت ذلك.
بيثان رودريغيز، المديرة التنفيذية لشبكة رياض الأطفال Thrive التي تضم خمسة مواقع في منطقة دنفر، والتي رحبت بعضوية المتطوعين، عبّرت عن تقديرها لوجوههم الناضجة وطاقتهم الأكبر، وعن المثال الذي يقدّمونه لباقي الطاقم. «هم مرّوا بمسيرة مهنية ولديهم خبرة حياتية تسمح لهم بفهم مدى أهمية هذا العمل والاستثمار فيه»، أضافت. «يعرفون معنى الحضور إلى العمل، ويعرفون أيضاً أن يتجنّبوا التغيب لمجرد أنهم يمرّون بيوم سيئ».
إيفون وايلدر، البالغة من العمر 57 عاماً، تعمل مع الأطفال في موقع Thrive في ليتلتون، كولورادو. بعد أسبوعها الأول في غرفة الرضع، شعرت بآلام في عضلات نسيت وجودها. العالمة المتقاعدة في علم الأحياء الخاص بالأراضي الرطبة، التي أمضت عقوداً في جرد النظم البيئية لمدينة تامبا، اكتشفت أن دواماً مدته ثماني ساعات هناك يتطلب قدرة تحمل مختلفة عن تلك التي تطلّبها العمل الميداني.
«إنه عمل متطلب جسدياً للغاية»، قالت وايلدر، «أغير الحفاضات طوال الوقت. أقوم بكل شيء. أكنّ الاحترام العظيم لكل من يمارس هذا العمل بدوام كامل لأنه ليس سهلاً».
في سنتها الأولى كانت تمرض باستمرار، وسألها أبناؤها البالغون إن كانت حقاً تريد الاستمرار احياناً. لكن سرعان ما تعافى جهازها المناعي، واكتشفت أن قضاء الوقت مع الأطفال، مع الجراثيم وكل شيء، يجعلني اشعر بسعادة حقيقية.
«سألني بعضهم: هل أنت جدّتي؟ فأقول لهم: يمكنني أن أكون جدّتكم في المدرسة. إنه لشرف أن أعرفهم وأن يعرفوني».
جاء دعم هذا التحقيق من مختبر الحياة الأفضل في مؤسسة نيو أميركا.