بعد نقل ما بين 30 و50 مليون برميل من الخام إلى الولايات المتحده، تلقت فنزويلا 500 مليون دولار من أول عملية بيع نفطية بموجب اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة. يمثل هذا الاتفاق شريان حياة للاقتصاد الفنزويلي المتعثر، لكن الحكومة لا تتحكّم بالإيرادات؛ إذ تُوضع الأموال في حساب مقيد في قطر يخضع لموافقة واشنطن، ويُستخدم لصرف رواتب القطاع العام وتغطية الخدمات الأساسية.
برز هذا الاتفاق في ظل تحوّلات سياسية كبيرة أعقبَت ما عُرف بعملية الحسم المطلق التي نفّذتها القوات الأمريكية، ورافقها اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من يناير 2026. في 15 يناير اقترحت الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز إصلاحات لقانون الهيدروكربونات تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية عبر تخفيف القيود التي ميّزت التوجهات نحو التأميم خلال خمسة وعشرين عاماً مضت.
أعلن أيضاً وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت نيته زيارة فنزويلا قريباً للقاء «جميع القيادات» وتقييم عمليات النفط والغاز، في إشارةٍ إلى أن واشنطن تنوي الإشراف على قطاع النفط في البلاد خلال المرحلة المقبلة.
ما السياق وما الذي يجري في فنزويلا؟
بعد شهر من عملية الحسم المطلق، تتعامل فنزويلا مع مشهد سياسي واقتصادي متقلب. العملية التي جرت في 3 يناير 2026 أدّت، بحسب وزارة الدفاع الفنزويلية، إلى اختطاف مادورو وزوجته سيلية فلوريس وخلّفت قتلى، حيث ذكرت التقارير سقوط 83 قتيلاً. عقب الحدث، أعلنت المحكمة العليا للعدل أن اعتقال مادورو يُعتبر «غياباً قسرياً» وعينت رودريغيز رئيسة بالوكالة. رغم إداناتها للعملية واصفة إياها بـ«الاختطاف غير القانوني»، أعربت رودريغيز عن استعدادها للتعاون مع واشنطن، بما في ذلك دفع إصلاحات تهدف إلى استقطاب رأس المال الأجنبي لقطاع النفط.
على الصعيد الداخلي، أعلنت رودريغيز في أواخر يناير مشروع قانون عفو عام للإفراج عن سجناء سياسيين وخططاً لإعادة تأهيل سجن إل هيليكوميد الشهير وتحويله إلى مركز مجتمعي. غير أن النقاد يرى هؤلاء الإجراءات كخطوات سطحية لا تعالج جذور الأزمة البنيوية وتثير تساؤلات عن شرعية الحكومة المؤقتة واتجاهها بعيد المدى.
من هم أبرز الأشخاص الذين يقودون الحكومة الفنزويلية؟
تتركز السلطـة في فنزويلا داخل تحالف «مدني–عسكري». ورغم أن رودريغيز تتولى السلطة التنفيذية رسمياً، يرى محلّلون مثل سلفادور سانتينو ريغيلمي من جامعة لايدن أن «السلطة الحقيقية تُفهم أفضل على أنها تتمركز داخل ائتلاف حاكم لا في يد شخص واحد فقط».
أبرز مكوّنات هذا الائتلاف:
– خورخي رودريغيز (رئيس الجمعية الوطنية): شقيق الرئيسة بالوكالة ويسيطر على المجلس التشريعي. لعب دور المهندس في تمرير الإصلاحات الطاقية المستعجلة. كما قال المحلّل كارلوس بينا: «رودريغيز يتحكّم بأجندة المجلس ونتائجها».
– ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية: يمثّل الجناح الأيديولوجي المتشدد للحافزية، لكنه تحت ضغط كبير؛ إذ فُرضت مكافأة قدرها 25 مليون دولار من الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب، ويواجه تهديداً بالتوقيف ما لم يتعاون مع الانتقال السياسي.
– فلاديمير بادرينو، وزير الدفاع: حافظ على تماسك السلسلة القيادية العسكرية وبقي في منصبه لأكثر من أحد عشر عاماً رغم اتهامات أمريكية بالتهريب ووجود مكافأة قدرها 15 مليون دولار لتسليمه.
وليس إلا قطاع الأعمال ممثلاً بقوة أيضاً؛ إذ لاحظ بينا أن كثيراً من رجال الأعمال الذين ما زالوا يعملون داخل البلاد وقفوا إلى جانب رودريغيز قبل تولّيها الرئاسة بالوكالة، مما منحهم نفوذاً موازياً أو «قوة ظلّ» فعالة.
كيف تدفع الحكومة الحالية فواتيرها؟
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطات نفطية مثبتة في العالم، نحو 303 مليارات برميل، أي أكثر من خمسة أضعاف احتياطي الولايات المتحدة. وبذلك يظل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات. كما قال سانتينو: «اعتماد بقاء المالية العامة الفنزويلية لا يزال يرتكز أساساً على الهيدروكربونات، لأن النفط هو القطاع الوحيد القادر على توليد إيرادات بالقدر المطلوب».
آلية التحكم المالي الحالية تمر بعدة مراحل من استخراج النفط وحتى صرف الأموال. الأموال لا تُحول مباشرة إلى خزائن الدولة؛ بل تمر عبر قنوات تشرف عليها واشنطن وتودع في حساب مقيد في قطر لحماية تلك الإيرادات من أن تطالها مطالب الدائنين الذين يسعون لاسترداد جزء من ديون فنزويلا الخارجية المقدَّرة بنحو 170 مليار دولار. كما تشرف الولايات المتحدة على آلية توزيع هذه الأموال: على فنزويلا تقديم طلبات ميزانية محددة لصرفها على أمور مثل رواتب المعلمين والشرطة والعاملين في القطاع الصحي، وعند الموافقة تُحوّل المخصصات إلى المصرف المركزي ومنه إلى بنوك محلية خاصة.
في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في يناير، شرح السيناتور روبيو أن الخطة تقوم على أن «فنزويلا ستقدّم كل شهر ميزانية تفصيلية لما تحتاجه، وسنوفّر لها في المقام الأول ما يمكن إنفاقه من أموال النفط»، واعتبر الأمر «حديثاً وربما غريباً، لكنه أفضل ما استطعنا التوصّل إليه على المدى القصير».
إلا أن خبراء أثاروا قلقهم من دلالات هذا النظام. قال خوسيه مانويل بونتي، أستاذ في معهد الدراسات العليا للإدارة في كاراكاس: «الواقع أن البلاد تحت وصاية أمريكية حالياً. الولايات المتحدة استولت عملياً على كل مصادر دخلها.» كما عبّر بعض المسؤولين الأمريكيين عن انتقادات لهذا الترتيب. قال النائب الديمقراطي لويد دوغيت إن شهادة روبيو «أثارت مزيداً من الأسئلة أكثر مما قدمت من إجابات». وأضاف أنّه لا توجد حالياً آليات تضمن ألا تستخدم عائلة رودريغيز عائدات هذه الصفقة لسداد مستحقات حلفاء مادورو. وبمتابعة هذا المخطط، «فإن ترامب يرفض بصورة غير قانونية الوفاء بديون مستحقة لمؤسسات أميركية… ويبدو بدلاً من ذلك أنه يُكافئ متبرعيه».
هل ثمة مصادر حكومية أخرى للعائدات؟
سعت الحكومة إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط. تمتلك البلاد أكبر احتياطي رسمي من الذهب في أمريكا اللاتينية، نحو 161.2 طناً مترياً، بقيمة تتجاوز 23 مليار دولار حسب أسعار السوق الحالية. وتُعتقد أيضاً أن هناك موارد ذهبية غير مستغلة كبيرة، ولكن المعطيات الرسمية قديمة. وتتمّ أجزاء واسعة من إنتاج الذهب عبر شبكات تعدين غير رسمية أو غير قانونية، خصوصاً في ولايات الجنوب مثل بوليفار. وذكرت الحكومة أن إنتاج 2025 بلغ 9.5 أطنان من الذهب.
قال بونتي إن الذهب رفع من حصته في السنوات الأخيرة إلى جانب بعض قطاعات التصدير الصغيرة، مثل الفواكه الاستوائية والروبيان. وأضاف: «هناك قطاعات تولد بعض الدخل، لكنها ما تزال غير متكافئة تماماً لصالح النفط».
كيف تبدو الأوضاع داخل البلاد؟
مع وجود أكثر من 7.9 مليون شخص بحاجة ماسة للمساعدة الإنسانية وحوالى 56 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر المدقع وفق الأمم المتحدة وعمليات الحماية المدنية والإغاثة الإنسانية الأوروبية، تواجه الإدارة ضغوطاً هائلة لتنفيذ حلول فعّالة. المواطنون يكافحون بأجور لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
قالت زولما كلافو، ربة منزل في بتاري بكاراكاس، لــ«الجزيرة»: «أنا ربة منزل ولا أعمل. يعمل ابناي الأكبران لكن رواتبهما لا تكفي». وأضافت: «ابني يعمل سائقاً لدراجة أجرة ويعرض نفسه للخطر من أجل البقاء، وابنتي تتقاضى الحد الأدنى للرواتب ولا يكفي. عندما نذهب للتسوق ندرك أننا مضطرون لإعادة أشياء إلى الرف لأننا لا نملك ما يكفي من المال».
يرجح الخبراء أن يحدث بعض التخفيض في الضغوط الاقتصادية مع زيادة إنتاج النفط. وقال بونتي: «هذا سيكون تدفقاً مالياً كبيراً بلا شك. والسؤال هو من سيُقرر في النهاية كيف وفي ماذا تُستثمر تلك المبالغ الكبيرة؟ الأميركيون سيحسمون ذلك، وهذا هو جوهر الاختلاف».