الولايات المتحدة وإسرائيل تطبيع الفضيحة في زمن دونالد ترامب

في أواخر أبريل، بدأت منصة «هندوراسغيت» ووسيلة الإعلام الإسبانية Canal Red بتسريب تسجيلات صوتية تُحمّل مسؤوليات واضحة للتدخّلات الأخيرة التي تقوم بها الولايات المتحدة واسرائيل في بلاد أمريكا اللاتينية.

تشير دفعة من هذه التسجيلات إلى أن إسرائيل مولت إطلاق سراح الرئيس الهندوراسي الأسبق خوان أورلاندو هرنانديز، الذي كان يقضي حكماً بالسجن لمدة 45 عاماً في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بتجارة المخدرات وجرائم أخرى. ووفقاً لما نشرته منصة هندوراسغيت، فإن هرنانديز سيُكلّف الآن بدور محوري في تنفيذ تصاميم عسكرية واقتصادية أميركية-إسرائيلية في المنطقه.

اسم «هندوراسغيت» يسعى بالطبع إلى التذكير بفضيحة ووترغيت التي أطاحت بولاية ريتشارد نيكسون في السبعينيات. غير أن هذه الفضيحة الحديثة لم تُحدث الصوت نفسه: الإعلام المؤسسي الغربي أغلبه تجاهل الخبر، بينما تناولته عدة وسائل ناطقة بالإسبانية.

ثمة أسباب محتملة لقاعدة عدم الاكتراث هذه. أحدها أن الولايات المتحدة وشريكها الإسرائيلي لهما تاريخ طويل من “الحيل القذرة” في أمريكا اللاتينية — تسليح أنظمة يمينية ديكتاتورية، تدريب فرق موت لارتكاب مجازر ضد الفلاحين، وما شابه — مما يجعل تسريبات هندوراس أقل إثارة للدهشة لدى من تابعوا ذلك التاريخ.

وربما سببٌ آخر، أكثر كآبة، هو أن العالم وصل إلى حالة من الانحطاط الأخلاقي تجعلنا شبه عاجزين عن الاستغراب؛ فقد تكرر علينا المشاهد الفظيعة حتى فَقَدَت قدرتها على الصدمة.

من الجدير التذكير أن هرنانديز، المدان جنائياً، نال عفواً رئاسياً من دونالد ترامب في ديسمبر، قبل شهر واحد فقط من ما وصفت تقارير بـ«خطف» الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بتهم ملفقة تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات. ولا يخفى أن ترامب نفسه مدان قضائياً في قضايا أخرى، حسبما رُوّج.

لم يتأخر رئيس الوزراء الإسرائيلي في تهنئة الجيش الأمريكي على ما وصفه بـ«العملية المثالية» في كاراكاس، على الرغم من أن ما جرى كان غير قانوني بكل المعايير — على غرار أساليب أخرى جديدة اعتمدها فريق ترامب، من تفجير قوارب عشوائياً قرب سواحل فنزويلا إلى قتل أشخاص خارج إطار القانون.

يقرأ  إطلاق نار جماعي في تامبلر ريدج ما نعرفه عن هجوم على مدرسة في كندا — أخبار الجريمة

وبينما كنا نحاول استيعاب قضية اختطاف مادورو، انطلق ترامب في مهمة جديدة تهدف إلى تجويع كوبا وعرقلة الحياة على الجزيرة. ثم، في أواخر فبراير، قررت الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ حرب طائشة على إيران، ما أشعل الشرق الأوسط ودفع العالم نحو حافة كارثية. وفي 7 أبريل، حذر رئيس الدولة الأمريكية الإيرانيين بعبارة تخطّت كل الحدود: «حضارة كاملة ستموت الليلة ولا تُعاد أبداً».

أضف إلى ذلك استمرار ما تصفه تقارير بنَسق إبادي لإسرائيل في قطاع غزة، الذي تستمر واشنطن في دعمه رسمياً، رغم ما سمي «وقف إطلاق نار»؛ إذ تشير إحصاءات رسمية إلى مقتل نحو 73,000 فلسطيني. وكشفت تحقيقات، من بينها تحقيق لقناة الجزيرة بالعربية، أن آلافاً اختفوا فعلياً نتيجة استخدام ذخائر حرارية وترموباريّة مصنّعة في الولايات المتحدة قادرة على تفحيم الأجساد وتبخّرها.

ولم يمنع ما يُدعى «الوقف» في لبنان إسرائيل من ارتكاب مجازر مستمرة وتدمير الجنوب. في المقابل، دعت مستشارة ترامب الروحية، بولّا وايت-كاين، أتباعها إلى التبرع بعشرة في المئة من دخلهم لوزارة رعايتها لدعم «إسرائيل الضحية»، في صورة استجداء سخيفة على خلفية هذا المسار العنيف.

بعبارة أخرى، الأخبار اليومية الآن تبدو كطبعة مريضة من موقع ساخر مثل The Onion؛ لكن كثرة الفضائح تفقدها تأثيرها، فنصحو مبلَّغين بصدمات متواصلة حتى يتلاشى مفعول الصدمة نفسه.

فضيحة أصبحت هي القاعدة؛ يمكن تسميتها «كل شيء غيت».

طبعاً، هذا الوضع ليس مفاجئاً تماماً؛ فإسرائيل تاريخياً ارتكبت مجازر بحق العرب، والولايات المتحدة ألحقت الخراب في زوايا كثيرة من العالم، والسياسيون دائماً ما ارتكبوا أقوالاً وأفعالاً عبثية. لكن ما يميّز عهد ترامب ونتنياهو هو تصاعد المواصفات: مزيج من جنون العظمة الذي يتيح ارتكاب فظاعات بلا محاسبة، واستخدام الجرائم الدولية كستار لصرف الأنظار عن فضائح داخلية.

يقرأ  سوبر بول يقود انتعاشاً اقتصادياً في الولايات المتحدة عشية المباراة أخبار كرة القدم

فلماذا المحاسبة على قضايا الفساد أو ملفات إبستين، بينما يمكن ببساطة ارتكاب إبادة جماعية أو قصف إيران لتجاوز المصاعب السياسية الداخلية؟

إذا كان نتنياهو يحافظ على رباطة جأش تشبه أسلوب هانّيبال ليكتر في ظهوره العلني، فإن ترامب لا يخفي شيئاً. في 7 مايو نشر ترامب تدوينة على منصته الحاضنة للروايات الغريبة وصف فيها إسقاط طائرات إيرانية مُسيّرة «وهبوطها بجمال إلى المحيط، كفراشة تهبط إلى قبرها!»

تابع الرئيس بالقول إن «إيران ليست دولة عادية» وأنها «تُدار بواسطة مختلين عقلياً». صحيح أن الإيرانيين ليسوا من ينشر صوراً مولّدة بالذكاء الاصطناعي تظهرهم في هيئة يسوع أو في لباس سباحة ذهبي على كرسي قابل للنفخ في حوض انعكاس النصب التذكاري، لكن الحماقات الرقمية ليست سوى جزء من المشهد.

أحياناً، تخلّف تغريدات ترامب لدي ذكريات من وقوفي طفلاً في طابور السوبرماركت مع والدتي وأنا أطلّ على عناوين الصحف الصفراء: “الرئيس كلينتون يركب جسماً طياراً!”، “هيلاري كلينتون تتبنّى طفلاً فضائياً!”، وما إلى ذلك. لكن ما يحدث اليوم يفوق أي جنون صحفي سابق.

قصة من نوع «الصحافة الصفراء» تبدو غريبة لولا كونها صحيحة مئة في المئة، تتعلق بعيد ميلاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير الخمسين في 6 مايو؛ فقد كُرّم على قالب حلوى مزين بحبل المشنقة الذهبي، احتفاءً بقانون جديد يجيز عقوبة الإعدام للسجناء الفلسطينيين دون أن يطبّق على مواطني إسرائيل اليهود. خلال الحفل تلقى بن غفير اتصالاً من نتنياهو، وانفجرا معاً بالضحك بعدما خمن رئيس الوزراء عمره على سبيل المزاح بسبعة عشر عاماً.

وبين كل هذه الفضائح، تتحول اعتيادية الفضيحة بذاتها إلى فضيحة أخرى.

أضف تعليق