منذ تسرُّب أنباء عن احتمال التوصل إلى اتفاق مع إيران، توالى تحذير مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة للرئيس دونالد ترامب من توقيع أي تسوية من هذا النوع. وشدّد قادة صقور، بينهم بعض السيناتورات البارزين، على معارضتهم لأي اتفاق لا يهدف إلى إضعاف القيادة السياسية الإيرانية أو تفكيك قدراتها العسكرية بصورة جذرية.
لكن بعدما طرح ترامب فكرة أن يسير التوصل إلى تطبيع علاقات رسمية بين إسرائيل ودول عربية إضافية كجزء من أي اتفاق، تراجع بعض الأصوات النقدية عن لهجتها الحادة. كان السيناتور ليندسي غراهام من بين هؤلاء؛ غراهام — المعروف بدعمه الحازم للحرب — حذّر يوم السبت من أن إنهاء النزاع لإعادة فتح مضيق هرمز سيكون «كابوسًا» لإسرائيل. وكتب على منصات التواصل الاجتماعي أن «من المهم أن ننجز هذا بشكل صحيح»، وهو منشور أعاد تداوله في حسابات جماعات ضغط مُؤيدة لإسرائيل مثل AIPAC.
بعد يومين، قال ترامب إن على دول مثل السعودية وقطر وباكستان أن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل كشرط ضمن اتفاق أمريكي مع إيران، واصفًا ذلك بأنه «واجب». وأشاد غراهام بهذه المبادرة، واعتبر مناورة ترامب الدبلوماسية «بسيطة وعبقرية». وأضاف أن «مصالحة السعودية ودول أخرى مثل باكستان مع إسرائيل ستخلق مستوى من الاستقرار في المنطقة لم يكن يحلم به أحد قبل عهد ترامب». ورأى غراهام أن التطبيع «سيقود في نهاية المطاف إلى تكامل إقليمي يجعل الشرق الأوسط قوة اقتصادية وفرصة للخير بدل أن يبقى برميل بارود».
اتفاقات إبراهيم
كذلك أشاد المعلق السياسي المؤيد لإسرائيل مارك ليفين، المقرب من ترامب، بدفع التطبيع بعد أن انتقد مساء السبت احتمال الاتفاق مع إيران. جاء هذا التحول يوم الاثنين بعد أن عرض ترامب رؤيته لتوسيع ما يعرف باتفاقات إبراهيم — سلسلة اتفاقات تطبيع بين إسرائيل ودول عربية مجاورة. وكتب ترامب على منصته أنه «من المفترض أن توقّع كل هذه الدول، في وقت واحد وعلى الأقل، على اتفاقات إبراهيم»، واستعرض ست دول من بينها تركيا ومصر التي تربطها فعلاً علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.
حتى الآن لم ترد أي من الدول المذكورة على نداء ترامب. لكن لسنوات امتنع كثير من الدول عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لا سيما بعد الحرب المدمرة التي شنتها على غزة وسُميت بـ«إبادة جماعية» بحسب منظمات حقوقية. وتتمسك السعودية بمبادرة السلام العربية لعام 2002 التي تشترط اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
يأتي مطلب ترامب هذا بينما تكافح ادارته للتفاوض على صفقة في ظل حرب انطلقت في 28 فبراير بعد هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران. وقد شكك منتقدون في أهداف ترامب من الحرب التي بدأت بدوافع تغيّر النظام في طهران، وقَصْف البرنامج النووي، واحتواء ترسانتها الصاروخية، ثم بات هدفٌ آخر محورياً: إجبار إعادة فتح مضيق هرمز، ممر تجاري حيوي يمر عبره أكثر من 20 في المئة من نفط العالم. وحتى الآن لا يُعرف ما إذا كان لدى ترامب القدرة على فرض سياسات على دول المنطقة كجزء من مفاوضات السلام مع طهران.
مع ذلك، قد يلين دفع التطبيع ضربة تخفيفٍ أمام السياسيين المؤيدين لإسرائيل الذين يعارضون إنهاء الحرب مع إيران. قالت دانيا ظاهر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، إن ترامب يحاول أن يعرض حربًا اعتبرتها «ستراتيجية فاشلة» على أنها نجاح لأمريكا وإسرائيل. وأضافت أن دول الخليج — وخصوصًا السعودية وقطر — «ليست مهتمة» بالتطبيع في هذه المرحلة. وشرحت ظاهر أن دول الخليج، التي تعرّضت لهجمات إيرانية خلال الحرب، لا تريد أن تُحَوّل ميزان القوة لصالح نظام إقليمي تقوده إسرائيل. وحذّرت من أن الدفع باتجاه التطبيع قد يُعرقل اتفاقًا أمريكيًا مع إيران إذا أصر ترامب على ربطه بالتطبيع. «قد يُساءل: كم من هذا مجرد خطاب رمزي وكم هو موقف سياساتي جوهري لإدارة ترامب؟ هذا ما يظل غامضًا»، قالت ظاهر.
انتقادات جمهورية
منذ ولايته الأولى، جعل ترامب تطبيع العلاقات الإقليمية لإسرائيل أولوية. ففي 2020، بدعم من ترامب، وقّعت إسرائيل على اتفاقات إبراهيم مع الإمارات والبحرين والمغرب، وأُقيمت بعلاقات ثنائية رسمية. لكن ترامب وخَلَفُه في الولاية الأولى، جو بايدن، لم يوسّعا الاتفاقات. كما استمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في رفض فكرة دولة فلسطينية.
لطالما سعت إسرائيل إلى فصل جهودها لبناء علاقات إقليمية عن استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية ومعاملتها للفلسطينيين، التي تصفها منظمات حقوقية بأنها ترتقي إلى مستوى الفصل العنصري. وتعزيز روابط رسمية مع دول عربية وإسلامية قد يقوّي إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا، وفي المقابل يزيد عزلة الفلسطينيين.
واجه ترامب انتقادات نادرة — وإن كانت غير مباشرة — من مشرّعين في حزبه بعد تسريب تفاصيل محتملة لاتفاق مع إيران، تضمنت بحسب التقارير تجميداً لعقوبات وعقوداً لفتح أصول إيرانية بمليارات الدولارات مقابل وقف الحرب وتعهدات بمفاوضات لاحقة. عبّر السيناتور تيد كروز، الحليف القوي لإسرائيل، عن «قلقه» من هذه التقارير، محذّرًا من أن النتيجة قد تكون نظامًا إيرانيًا يواصل حكمه الإسلاميون ويحصل على مليارات الدولارات وقدرة على تخصيب اليورانيوم وتطوير أسلحة نووية والتحكم الفعّال في مضيق هرمز — وهو ما اعتبره «خطأ كارثيًا».
كما أعاد AIPAC نشر منشور السيناتور روجر ويكر الذي وصف وقف إطلاق نار مُشاع لمدة ستين يوماً وثقته في حسن نية إيران بأنه «كارثة». وانضم وزير الخارجية السابق مايك بومبيو إلى القائمة المنتقدة، مقارنًا ما أُشيع عن الصفقة باتفاق 2015 النووي الذي تفاوض عليه مسؤولون ديمقراطيون، ومؤكداً أنها «بعيدة كل البعد عن مبدأ أميركا أولاً». وقال بومبيو: «المطلوب واضح: افتحوا المضيق. حرّموا وصول إيران إلى المال. اقضوا على قدرات إيرانية بما يمنعها من تهديد حلفائنا في المنطقة. لقد آن الأوان. فلننطلق».
وردت إدارة ترامب سريعًا على السفير السابق، واصفة انتقاداته بأنها مبنية على معلومات مغلوطة. ونشر مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشيونغ رسالة على منصة X جاء فيها انتقاد لاذع لبومبيو، قائلاً إنه «لا يعرف عمّا يتحدث» وداعياً إياه إلى التزام الصمت وترك العمل للمحترفين لأنه «ليس مطلعاً على ما يجري».