تستعد مجموعة “بي جي زد” البولندية المملوكة للدولة، التي تشرف على عشرات الشركات المصنعة للأسلحة، لعقد اجتماع يجمع صناعة الأسلحة البولندية بأكملها حول طاولة واحدة الأسبوع المقبل، للإجابة عن سؤال له رهانات حقيقية على مستقبل القارة: هل تستطيع المصانع البولندية مساعدة أوروبا في بناء درع صاروخي دون الاعتماد على واشنطن؟
وأعلنت المجموعة أنها ستعقد اجتماعًا يوم الخميس 13 أغسطس 2026، يضم شركات دفاعية حكومية وخاصة ومعاهد بحثية وخبراء أكاديميين، لبحث كيف يمكن للصناعة البولندية أن تساهم في تطوير قدرات الدفاع ضد الصواريخ الباليستية في أوروبا. وقالت “بي جي زد”: “الصناعة البولندية، في 13 أغسطس، تناقش الدفاع الباليستي الأوروبي بالفعل!”
ويهدف الاجتماع إلى تحديد المجالات التي يمكن للشركات البولندية أن تنقل فيها خبراتها إلى برنامج أوروبي أوسع للدفاع ضد الصواريخ الباليستية، ووضع إطار للتعاون المستمر يشمل الحلفاء الأوروبيين وأوكرانيا. ويعود هذا البرنامج إلى إعلان مشترك وقّع في باريس في 13 يوليو 2026، عندما أطلقت كل من الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد وأوكرانيا والمملكة المتحدة ما بات يُعرف الآن بتحالف مكافحة الصواريخ الباليستية، وهو تحالف أُنشئ صراحة لتعزيز الدفاعات الأوروبية ضد الصواريخ الباليستية، وهي صواريخ تسير في مسار قوسي مرتفع وبسرعة تتجاوز قدرة كثير من أنظمة الدفاع الجوي التقليدية على اعتراضها بشكل موثوق. ووصف البيان التأسيسي للتحالف المبادرة بأنها دفاعية بحتة، وقال إنها تأتي مكمّلة لأنظمة الدفاع الصاروخي القائمة وليست بديلًا عنها. وكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقتها أن هذا الجهد يعكس عزم أوروبا على حماية أوكرانيا وتعزيز الأمن الجماعي وبناء ما سماه “أوروبا الدفاع”.
ومن اللافت أن بولندا لم تكن بين الدول العشر المؤسسة للتحالف، رغم أن لها حدودًا مشتركة مع أوكرانيا وتقع على الجناح الشرقي لحلف الناتو. وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن هذه الفجوة تعكس أن الصناعة المحلية ما زالت تدرس خياراتها، وليس أي تردد بولندي من حيث المبدأ. ويبدو أن اجتماع “بي جي زد” في 13 أغسطس يهدف مباشرة إلى سد هذه الفجوة، من خلال وضع الشركات البولندية في موقع يسمح لها بالانضمام رسميًا إلى القاعدة الصناعية للجهد الأوروبي، حتى لو لم تكن الحكومة البولندية عضوًا كامل العضوية في التحالف نفسه. كما أكد توسك بصورة منفصلة أن بولندا ستستضيف أول مناورات عسكرية مشتركة للتحالف في خريف هذا العام، ومن المتوقع أن تشارك فيها قوات فرنسية وبريطانية بشكل أساسي، في إطار استعدادات الدول المشاركة لتقديم ضمانات أمنية ملموسة لأوكرانيا في نهاية المطاف.
وقالت “بي جي زد”: “في 13 أغسطس، نجمع إمكانات الصناعة والعلوم البولندية. نريد أن نجهّز معًا عرضًا بولنديًا للدفاع الباليستي الأوروبي”. وأشارت المجموعة تحديدًا إلى أجهزة الاستشعار وأنظمة كشف التهديدات وتتبعها بوصفها مجالًا بنت فيه الصناعة البولندية قدرات قوية بشكل خاص. وهي تقنية تحدّد الصاروخ القادم وتتابع مساره بدقة كافية لتوجيه صاروخ اعتراضي نحوه، وهي قدرة تأتي قبل الصواريخ الاعتراضية نفسها، لكنها لا تقل أهمية في أي نظام دفاع صاروخي يعمل بشكل صحيح.
هذه الخبرة لم تنشأ بين ليلة وضحاها؛ فقد أمضت بولندا العقد الماضي في بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات خاصة بها، عبر ثلاثة برامج محلية كبرى. أولها “فيستولا”، وهو نظام بعيد المدى مبني حول صاروخ باتريوت الأمريكي، وتواصل بولندا توسيعه وتحديثه. وثانيها “ناريف”، وهو برنامج دفاع جوي متوسط وقصير المدى يستخدم صواريخ “كام” البريطانية، وهي صواريخ معيارية مضادة للجو. وثالثها “بيليتسا+”، وهو نظام قصير المدى صُمم للحماية من التهديدات المنخفضة، بما فيها صواريخ كروز والمسيّرات. وقد منح بناء هذه المنظومة الطبقية وتكاملها وتشغيلها عبر ثلاث فئات مختلفة من الصواريخ الشركات والباحثين البولنديين خبرة عملية مباشرة في أعمال الكشف والتتبع والتكامل، وهي الأعمال التي سيحتاجها التحالف الأوروبي وهو يسعى إلى تصميم درع قاري موحد بدلًا من خليط من أنظمة وطنية غير متوافقة.
ويعود الإلحاح الذي يحرك هذا التوجه الأوروبي مباشرة إلى ما وصفه مسؤولون بأنه فجوة مقلقة في دفاعات القارة نفسها. فقد قال أندريوس كوبيليوس، المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء، في مارس 2026 إن الدفاع ضد الصواريخ الباليستية يمثل أكبر نقص في القدرات الأوروبية على الإطلاق، مشيرًا إلى أن أوكرانيا وحدها واجهت 900 هجوم صاروخي باليستي روسي في 2025، بينما كانت تعتمد في التصدي لها بشكل شبه كامل على أنظمة باتريوت الأمريكية. كما دعا الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الحلف إلى زيادة قدراته الإجمالية في الدفاع الجوي والصاروخي بنسبة 400 في المئة. وبعيدًا عن باتريوت الأمريكية، فإن البديل الأوروبي الوحيد الموجود حاليًا هو نظام “سامب/تي” الفرنسي-الإيطالي الذي تنتجه مجموعة “يوروسام”، لكنه يمثل قاعدة صناعية أضعف بكثير مما يعتقد المسؤولون أن القارة بحاجة إليها بالنظر إلى حجم التهديد.
ومن بين العناصر الطموحة بشكل خاص في خطط التحالف، نظام يحمل اسم “فرييا”، صممته الشركة الأوكرانية الناشئة “فاير بوينت”، ويقوم على صاروخها الاعتراضي “إف بي-7.إكس”، إلى جانب قدرات يقدمها شركاء أوروبيون. وقد وصفه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه نظام من طراز باتريوت، صُمم خصيصًا لإنتاج أرخص وأسرع على نطاق واسع، مع ادعاءات بأن تكلفة الاعتراض الواحد قد تكون أقل بنحو 80 في المئة من ذخيرة “باك-3” الأمريكية التي تطلقها بطاريات باتريوت عادة. وضع بعض المسؤولين المشاركين في هذا الجهد هدفًا طموحًا يتمثل في تجهيز أول نماذج أولية عاملة بحلول نهاية عام 2026، لكن مسؤولين أوكرانيين يعملون على خطط إنتاج مشتركة منفصلة قدروا أن الأمر قد يستغرق من 18 إلى 24 شهرًا فقط لإنشاء أول خط إنتاج تجريبي. وهذه الفجوة الزمنية تكشف مقدار العمل التقني والصناعي الذي ما يزال يفصل بين طموحات التحالف المعلنة وبين نظام يُنشر فعليًا على الأرض.