أعلنت أوكرانيا أن العملية العسكرية التي نفذتها في منطقة دنيبروبتروفسك جنوبي البلاد انتهت بنجاح، وتمكنت خلالها من استعادة 745 كيلومتراً مربعاً من أراضيها هذا العام. وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إن الحملة نُفذت “تماماً كما حُدِّدت لها”، مضيفاً أن نحو عشرة آلاف جندي روسي قتلوا خلالها.
وأدت هذه الحملة إلى حرمان روسيا من معظم الأراضي التي كانت حققتها في المنطقة منذ دخولها إليها في يونيو/حزيران 2025، ودفعتها إلى ما وراء حدود مقاطعتي دونيتسك وزابوريجيا. لكن هذا الخبر الجيد للأوكرانيين طغت عليه الضربات الصاروخية الروسية المكثفة على مدنهم، التي أصبحت أعزل بشكل متزايد بعد استنفاد صواريخ باتريوت الاعتراضية. ففي 8 و11 أغسطس/آب، استُهدف كييف بمسيّرات وصواريخ باليستية وفرط صوتية في وقت واحد، وأُغرقت أوديسا في الظلام يوم 9 أغسطس/آب، كما تعرضت مدينة زابوريجيا لقصف يوم 11 أغسطس/آب، ما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل في مجمل الضربات.
وقال زيلينسكي إن عملية دنيبروبتروفسك وحدها حررت 26 بلدة. وقدّرت “معهد دراسة الحرب”، وهو مركز أبحاث في واشنطن يقيّم السيطرة على الأراضي استناداً إلى معلومات مفتوحة المصدر ذات مراجع جغرافية، أن أوكرانيا استعادت ما لا يقل عن 627 كيلومتراً مربعاً في هذه المنطقة. وقال أولكسندر سيرسكي، القائد الأعلى السابق للجيش الأوكراني الذي خطط للعملية: “أثبتت هذه العملية مرة أخرى أن الجيش الأوكراني قادر ليس فقط على الصمود في دفاعه، بل أيضاً على شن الهجمات، وانتزاع المبادرة، وتحرير الأرض الأوكرانية”.
وأشار المعهد إلى أن روسيا تكبدت عبر الجبهة خسارة صافية قدرها 233 كيلومتراً مربعاً من الأراضي هذا العام، رغم هجماتها المركزة في شرق دونيتسك، الذي يعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السيطرة عليه أولوية متكررة. وفي يونيو/حزيران ويوليو/تموز، انطلقت الهجمات الروسية من بوكروفسك باتجاه دوبروبيليا، ومن تشاسيف يار باتجاه كوستيانتينيفكا. وقد تمكنت روسيا في هاتين المنطقتين من احتلال أراضٍ والتسلل إلى مناطق واسعة خلفها، لكن ذلك جاء بثمن باهظ؛ إذ بلغت الخسائر الروسية المعلنة نحو 39 ألف جندي في يونيو/حزيران، ونحو 43 ألفاً في يوليو/تموز، وهي الأعلى منذ يناير/كانون الثاني 2025.
ومن مفاتيح تفوق أوكرانيا في الميدان توسيع إنتاج المسيّرات قصيرة المدى من نوع “الرؤية الأولى”، إذ تمتلك الآن 16 مسيّرة مقابل كل 10 لدى روسيا. وقد تسببت هذه المسيّرات في أكثر من 70% من الخسائر الروسية خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز. كما أن قدرة أوكرانيا على إسقاط المسيّرات الروسية من هذا النوع في ارتفاع مستمر؛ فقد أسقطت أكثر من 40 ألف مسيّرة روسية في يوليو/تموز، أي نحو مرة ونصف المرة مقارنة بشهر مايو/أيار، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع الأوكرانية.
## روسيا تلجأ إلى الصواريخ الباليستية
ولم تفقد روسيا سيطرتها على المجال الجوي طوال حربها على أوكرانيا، إذ استخدمت القنابل الانزلاقية والمسيّرات بعيدة المدى والصواريخ. وهي تستغل هذا التفوق الآن بزيادة استخدام الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، وفق نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية فاديم سكبيتسكي. وأوضح أن أوكرانيا لم تكن قادرة على اعتراض هذا النوع من الصواريخ إلا بأنظمة باتريوت، لكنها استنفدت قذائفها الاعتراضية، لأنها حصلت هذا العام على عدد أقل بنحو ثلاث مرات مما حصلت عليه في 2025 من حلفائها.
وقال سكبيتسكي إن روسيا توقفت عن إنتاج الصواريخ التي أتقنت أوكرانيا إسقاطها، وحوّلت مكوناتها إلى صناعة كميات أكبر من صواريخ إسكندر-إم الباليستية وصواريخ إس-400 فرط الصوتية. وهذه الأخيرة صُممت في الأساس صواريخ أرض-جو ضد الطائرات المعادية، لكن أعيدت برمجتها لتسلك مسارات باليستية شديدة الانحدار، وأثبتت فعالية مماثلة لصواريخ إسكندر. وأضاف أن هذا التحول في الإنتاج يحقق نتائج، إذ تتجاوز الصناعة الروسية أهداف الإنتاج في معظم فئات الصواريخ. وقال: “في أبريل/نيسان كان هناك 61 صاروخاً باليستياً، وفي مايو/أيار 107، وفي يونيو/حزيران 134. وإذا تحدثنا عن الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، فقد أطلق العدو 198 منها في يوليو/تموز، وهو أعلى رقم لهذا العام”.
وتنتج روسيا حالياً أكثر من 100 صاروخ باليستي وفرط صوتي شهرياً، وربما لجأت إلى مخزوناتها لإطلاق 56 من هذه الصواريخ على أوكرانيا في الأسبوع الأول من أغسطس/آب فقط. لكنها تعتزم زيادة المخزونات استعداداً لحملة شتوية واسعة ضد البنية التحتية الأوكرانية للطاقة، بحسب سكبيتسكي. وكانت روسيا قد سببت في الشتاء الماضي أضراراً للبنية التحتية للطاقة تصل إلى 70 مليار دولار، وكادت تنجح في إغراق كييف في الظلام.
كما قد تخطط روسيا لضربة ضخمة على كييف قبل عيد الاستقلال الأوكراني في 24 أغسطس/آب، وفق مركز الاتصالات الاستراتيجية الأوكراني. وقالت مصادر أوكرانية عدة إن كوريا الشمالية سترسل قوة عسكرية تحمل ما يصل إلى 120 صاروخاً باليستياً إلى منطقة فورونيج الروسية المتاخمة لأوكرانيا، حيث تُبنى ثكنات لإيوائها.
وفي مقابلة مع سيرهي ستيرنينكو، قال وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدوروف إن أفضل رد أوكراني على الصواريخ الباليستية الروسية هو التعجيل بإنتاج الصاروخ الباليستي الأوكراني الذي خضع لاختبارات ناجحة، والانخراط في “حرب مضادة للصواريخ الباليستية”. وأضاف: “يجب أن يفهم الروس أنه بعد دقائق قليلة من الإطلاق، يموت الفريق بأكمله الذي أطلق الصاروخ بسبب صاروخنا الباليستي”.
وقال سكبيتسكي أيضاً إن روسيا تولي أولوية لإنتاج مسيّرتي غيران-4 وغيران-5 النفاثتين، اللتين يصعب اعتراضهما أكثر من المسيّرات الأبطأ ذات المحركات المكبسية. وأضاف أن روسيا تشغّل نسختها الخاصة من شبكة ستارلينك، المسماة “راسفيت”، قبل الموعد المحدد، مع وجود 16 قمراً صناعياً حالياً وخطة لزيادة العدد إلى 292 في عام 2027. وكانت روسيا قد تعرضت لانتكاسة في فبراير/شباط الماضي، عندما عطّلت ستارلينك المحطات التي كانت تستخدمها للتواصل في ساحة المعركة وتنسيق نيران مضادة للبطاريات بدقة.
## أوكرانيا تضرب بعيداً
ودمرت أوكرانيا هذا العام نحو ثلث قدرة روسيا على تكرير النفط بمسيّراتها بعيدة المدى. وخلال الأسبوع الماضي، ضربت أربع مصافٍ نفطية، بينها مصفاة نفتيخيم سالافات التابعة لشركة غازبروم في جمهورية باشكورستان، على بعد 1300 كيلومتر من أوكرانيا. كما تواصل أوكرانيا ضرباتها متوسطة المدى ضد الإمدادات العسكرية الروسية وناقلات النفط الروسية، ما أدى إلى حرمان خط الجبهة من الأسلحة والوقود. خلال الأسبوع الماضي، رفع هذا القصف عدد السفن التي أغرقتها أو عطّلتها إلى 218 سفينة، كما دمّر ستة أنظمة دفاع جوي.
وكانت الضربة الأبرز على ميناء نوفوروسيسك الروسي الرئيسي على البحر الأسود في 12 أغسطس/آب، حيث استُهدفت فرقاطتان وسفينة صواريخ وسفينة إنزال وسفينة دورية. كما أصيبت محطة “شيشخاريس” الروسية لتحميل النفط، في إطار حملة تهدف إلى حرمان روسيا من عائدات تصدير الوقود الأحفوري.
ووصف زيلينسكي العملية بأنها “فريدة”، لأنها المرة الأولى التي تنسق فيها أوكرانيا 14 نوعًا من المسيّرات الجوية والبحرية المصنّعة محليًا في وقت واحد.