وصلت قوات اسرائيل إلى مشارف مدينة النبطية الجنوبية ونجحت في السيطرة على قلعة بيوفورت الاستراتيجية رغم وقف إطلاق النار المعلن منذ أبريل، وفق محللين يرون أن الخطوات تندرج في إطار تمهيد للتحكم طويل الأمد في أراض داخل لبنان.
يمثّل هذا التقدم أعمق توغّل لإسرائيل داخل الأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن. القوات الإسرائيلية تحتل الآن نحو ألفي كيلومتر مربع — ما يقارب خُمس مساحة البلاد تقريبًا.
في البداية أكدت الدولة العبرية أن هدفها كان طرد مقاتلي حزب الله من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني قرب الحدود، لكن العمليات امتدت الآن بعيدًا عن هذا الخط، مع صدور أوامر إخلاء تصل إلى نهر الزهراني — أي نحو عشرة كيلومترات شمال الليطاني — ما وسع رقعة السيطرة العسكرية.
وصلت القوات إلى بلدتي زوطر الشرقية وشوكين في محيط النبطية — المعقل المعروف لحزب الله — فيما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن غارات على دير الزهراني فجر الأحد أودت بعدد من القتلى.
يأتي هذا التقدّم بينما تستمر محادثات أمريكية الوساطة بين المسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين سعياً إلى إنهاء دائم للصراع، مع طرح مقترحات لتسليم سلاح حزب الله، وهو ما قوبل بانتقادات من الحزب وسط الغارات الإسرائيلية.
على الضفة الأخرى، ارتبط وقف هش موازٍ بين واشنطن وطهران بتطورات الجبهة اللبنانية، وأوضحت مقاربات إيرانية أن انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان شرط ضروري لأي تقدم جوهري في المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن إنهاء الحرب بين واشنطن وتل أبيب ضد طهران.
لماذا تهم النبطية
تتبع هذه التحركات أوامر إخلاء شاملة صدرت للنبطيه في مطلع الأسبوع، إلى جانب أوامر مماثلة شملت مدينة صور الساحلية.
قال الجيش الإسرائيلي في منشور على منصة إكس إن قواته “تعمل قرب النبطية، التي تمثل مركز قوة مهمًا لحزب الله في الجنوب، وهي مستعدة لتوسيع الهجوم وفق الحاجة”.
أوضح عماد سلامي، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية، أن أهمية المدينة تتجاوز الأبعاد العسكرية بكثير. فهي مركز سياسي واقتصادي واجتماعي أساسي للطائفة الشيعية، وتشكل حلقة وصل بين جنوب لبنان وسهل البقاع وبيروت.
من الناحية العسكرية، يمنح التحكم في النبطية لإسرائيل عمقًا تشغيليًا يتجاوز الليطاني، ما يسهل الضغط على القيادة واللوجستيات وشبكات الدعم لحزب الله في الجنوب. أما سياسياً، فالأثر أعمق؛ فالتحرك نحو النبطية قد يشير إلى تحولٍ في أهداف إسرائيل من مجرد دفع حزب الله شمالًا إلى حملة أوسع تهدف لتفكيك البنى الإقليمية والمجتمعية للحركة.
أضاف سلامي أن نزوح سكان النبطية وصور قد يضعف القاعدة الاجتماعية لحزب الله ويعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية والسياسية للجنوب.
قال الصحفي والمحلل اللبناني سهيب جوهر إن وصول القوات إلى النبطية يمثل تحولًا نوعيًا في مسار الحرب. السيطرة عليها أو حتى تطويقها ستنقل الصراع من منطقة حدودية إلى قلب الحياة السياسية والاجتماعية في الجنوب، ما يعني توسيع موجات النزوح، وإضعاف مؤسسات الدولة المحلية، وتقويض صورة حزب الله كقوة حامية لمناطقه، وفتح باب لواقع أمني جديد قد يتجاوز الهدف المتمثل بدفع الحزب بعيدًا إلى إعادة رسم ميزان النفوذ داخل الجنوب.
أهمية قلعة بيوفورت
شرقًا، دفعت القوات الإسرائيلية شمالًا على امتداد التلال المطلة على وادي نهر الليطاني وسيطرت على قلعة بيوفورت، حصن يعود إلى عصور الحملات الصليبية ومطلة على تلال استراتيجية.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن قوات من لواء جولاني عبرت الليطاني واستولت على الموقع. تقع القلعة على بعد نحو 15 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية وتطل على مساحات واسعة من جنوب لبنان، وقد احتلتها إسرائيل سابقاً لعقود قبل انسحابها عام 2000.
قال سلامي إن الاستيلاء على القلعة يمنح إسرائيل مزايا عسكرية ورمزية في آن معًا، إذ توفر السيطرة على نقطة مرتفعة قدرة مراقبة ونفوذاً تشغيلياً يؤثر في خطوط التواصل والدعم داخل المنطقة. إن السيطرة على المرتفعات المحيطة بقلعة بوفورت ذات أهمية استراتيجية بالغة، إذ تطل على مساحات شاسعة من جنوب لبنان وتمنح قِوى المراقبة وقدرة أفضل على توجيه النيران على التضاريس المحيطة. تاريخياً ارتبط الموقع ببعض أشدّ المواجهات بين اسرائيل والفصائل الفلسطينية ولاحقاً حزب الله، ما يجعله ذا فائدة عسكرية واضحة وبُعد رمزي قوي.
تُهيمن هذه النقطة على محاور تربط جنوب لبنان بوادي البقاع الغربي، وتوفّر رؤى سيادية على محيط منطقة النبطية، مما يمنح القوات المسيطرة قدرة أكبر على ضبط الحركة وخطوط الإمداد في الإقليم.
أوامر الإخلاء تتجاوز نهر الليطاني
خلال عطلة نهاية الأسبوع حذر الجيش الاسرائيلي سكّان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني من مغادرة منازلهم فوراً. تبدو هذه التعليمات ذات دلالة خاصة لأن نهر الزهراني يقع شمال نهر الليطاني بقدر ملحوظ، والليطاني كان يُعرض سابقاً كحدّ فعلي للمنطقة التي تسعى إسرائيل لتنظيفها من وجود حزب الله.
في بيان نشرته متحدثة الجيش على منصة إكس، قيل إن العملية تهدف إلى «تدمير بنية إرهابية وإزالة المخربين» مع تعزيز السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان. وسيعني اتساع نطاق الإخلاء مراجعة أهداف اسرائيل على المدى البعيد.
إذا كان الهدف يقتصر على نزع الوجود العسكري لحزب الله من المناطق جنوب الليطاني، لكانت العمليات محصورة في ذلك الخط فقط، وفق ما قال سالامي، مضيفاً أن توسيع النشاط العسكري وطلبات الإخلاء شمالاً قد يشير إلى سعي لإقامة حزام أمني أعمق، أو خلق شروط لسيطرة إقليمية مطوّلة، أو كسب أوراق ضغط لترتيبات سياسية مستقبلية.
رأى جوهَر أن أوامر الإخلاء المتصاعدة تكشف أن الأهداف تجاوزت نهر الليطاني؛ إذ تبدو إسرائيل لا تكتفي بدفع مقاتلي حزب الله وصواريخه قصيرة المدى بعيداً عن الحدود، بل تستهدف أيضاً تفكيك بنيته العسكرية واللوجستية والقيادية داخل جنوب لبنان. عملياً، قد يكون مفهوم «الحزام الأمني» قد اتسع من خط الليطاني إلى ما يشبه منطقة عازلة أعمق تمتد حتى الزهراني، حتى لو لم يُعلن ذلك رسمياً.
تتزامن هذه المعطيات مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين كبار باتت تُلمّح إلى رغبة في بقاء عسكري أطول أمداً. أشاد وزير المالية بيزيريل سموتريتش باستعادة قلعة بوفورت باعتبارها تصحيحاً لـ«أخطاء» ماضية، مؤكداً عزمه دفع أجندة تقوم على «تصور إقليمي دائم وعدوانية عسكرية استثنائية». وقال بصراحة: «مقابل كل طائرة مُسيرة متفجّرة يجب أن تسقط عشرة مبانٍ في بيروت. على إسرائيل تغيير المعادلة».
ما تعنيه للبنان
يرى محلّلون أن التصعيد العسكري يضعف أيضاً جهود الحكومة اللبنانية في تعزيز سلطة الدولة والتفاوض على تسوية دائمة. جوهَر اعتبر أن الأفعال الإسرائيلية تشير إلى أهداف تتجاوز مجرد إزالة وجود حزب الله جنوب الليطاني: لو كان ذلك هو الهدف الوحيد لما دعت الحاجة إلى التقدم شمال الليطاني أو إصدار أوامر إخلاء تصل إلى الزهراني.
المعطيات تدلّ على أن إسرائيل تسعى لتفكيك منظومة حزب الله العسكرية، وخلق فراغ مدمّر أو منطقة مُفرّغة تقلّل من قدرة المجموعة على العمل، وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي مفاوضات سياسية أو أمنية. هذا لا يعني بالضرورة احتلالاً دائمًا شبيهاً بالوجود بين 1982 و2000، بل قد يهدف إلى نظام طويل الأمد من السيطرة العسكرية عبر أحزمة عازلة، ومراقبة مستمرة، وحرية عمل داخل الأراضي اللبنانية.
فيليبو ديونيجي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بريستول، قال لقناة الجزيرة إن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة قد تُضعف الحكومة اللبنانية، وفي المقابل قد تقوّي نفوذ حزب الله بالخطأ. لو طبّقت إسرائيل الهدنة بالكامل لكان بمقدور الحكومة اللبنانية أن تزعم أن مفاوضاتها تثمر لصالح المصالح اللبنانية، ولكن هذا لم يحدث. الحملة العسكرية المستمرة تُعزّز في المقابل رواية حزب الله بوجوب المقاومة المسلحة، وتضعف شرعية الدولة ومفاوضاتها في آن واحد: إسرائيل تهاجم لبنان وتُقوّض شرعية الحكومة والمباحثات، وفي الوقت نفسه تمنح مشروعية أكبر لعمل حزب الله العسكري.