تيموشنكو ضد زيلينسكي: صدام سياسي حول الفساد يهز أوكرانيا في ظل الحرب

كييف، أوكرانيا — بضفيرة تاجية أصبحت علامتها المميزة، كانت يوليا تيموشينك وجه ثورة البرتقال.

في 2004 أطاحت الاحتجاجات الجماهيرية الموالية للغرب بما وصفه المتظاهرون انتخاباً مزوَّراً لفيكتور يانوكوفيتش، المرشح الموالٍ لموسكو، ومنحت تيموشينكو منصب أول رئيسة للوزراء في أوكرانيا.

قصص موصى بها

لكن كلمة «فضيحة» هي التي طغت على مسار تيموشينكو السياسي اللاحق، إلى جانب ميل أيديولوجي حديث نحو قومية نيوقِ conservatism تؤثر بأصداء متقاربة مع خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

رغم شعبويتها المتقلبة كسحلية، فقد تراجع موقف تيموشينكو في استطلاعات الرأي، وترشحت للرئاسة ثلاث مرات دون نجاح، بينها عام 2019 عندما انتخب الأوكرانيون الممثل الكوميدي فولوديمير زيلينسكي، الذي كان بلا أي خبرة سياسية سابقة.

في الأسبوع الماضي وصفَت تيموشينكو زيلينسكي بأنه «ديكتاتور ضيق الأفق» واتهمته بتدبير تهم فساد ضدها لمنعها من خوض سباق رئاسي جديد.

قال مراقبون لموقع الجزيرة إن تراجع شعبية تيموشينكو يعني أنها ليست خصماً ذا وزن لزيلينسكي، في حين أن الخلاف بينها وبين الرئيس قد يضعف من عملية اتخاذ القرار في زمن الحرب، وعرقلة تعيينات الحكومة الجديدة تشكل «جريمة مستفزة».

أثبت محقّقو مكافحة الفساد الذين وجّهوا إلى تيموشينكو يوم الأربعاء تهمة «شراء» أصوات نواب استقلّيتهم عن زيلينسكي من خلال ملاحقة أقرب حلفائه ونواب من حزب خادم الشعب.

فُتح مكتب حزب «الوطن» التابع لتيموشينكو للتفتيش مدة اثنتي عشرة ساعة، ونشرت الأجهزة تسجيلاً لتيموشينكو تتحدث مع نائب من حزب خادم الشعب عن رشاوى بقيمة عشرة آلاف دولار عن كل صوت.

في التسجيل يُسمع صوت تيموشينكو تقول بالروسية: «إذا اتفقنا معكم اليوم، فسنسجّل مَن معكم… وسأدفع لكم».

أشار مدّعون من مكتب مكافحة الفساد الوطني والمكتب الخاص بمدعي العموم المضاد للفساد إلى أن المخطط كان طويل الأمد.

يقرأ  أعمال ستيفن تاونز المخيطة تُبرز الفرح الأسود كمقاومة في «مياه أكثر أمانًا» — كولوسال

قالوا: «لم تكن هذه ترتيبات لمرة واحدة، بل آلية منتظمة للتعاون شملت دفعات مقدّمة وصُمِّمت لفترة طويلة. كان من المقرّر أن يتلقّى النواب تعليمات بشأن التصويت وفي بعض الحالات بشأن الامتناع أو عدم المشاركة في التصويت».

أثناء بحثها في المدفوعات المزعومة تُسمع تيموشينكو وهي تقول إن هدف تصويت حزبها المزور سيعترض تعيين وزيري الدفاع والطاقة الجدد.

حتى الآن لم ينجح البرلمان الأوكراني (الفئرخوفنا رادا) في التصويت لتعيين دينيس شميهال وزيراً جديداً للطاقة وسط انقطاعات كهربائية مطوّلة وساعات طويلة من الظلام نتجت عن ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة منهجية من روسيا على بنى تحتية للطاقة.

تمّت الموافقة على ميخايلو فيودوروف، وزير التطوير الرقمي السابق، كوزير للدفاع يوم الأربعاء.

تيموشينكو متهمة بسلوك «مستفز»

يمتلك حزب تيموشينكو 25 مقعداً فقط من أصل 450 مقعداً في البرلمان، لكن أصواته باتت أكثر أهمية لزيلينسكي مع تآكل سيطرة حزبه على الأغلبية التي تضم 227 مقعداً.

قال المحلل المقيم في كييف إيغور تيشكيفيتش لموقع الجزيرة: «الحزب الحاكم لا يملك أغلبية، والشركاء الآخرون يساومون معه، وهذا منطقي في هذه المرحلة».

اعتبر جنرال برتبة أربع نجوم أن تردد تيموشينكو في تسهيل تعيين وزراء أساسيين يرقى إلى مرتبة الجريمة.

قال اللواء إيغور رومانيينكو، النائب السابق لرئيس الأركان العامة الأوكرانية، للجزيرة: «عندما تكون الأمة في حرب ويكون منصب وزير الدفاع في غاية الأهمية، وعندما يكون الوطن بارداً بلا تدفئة ومياه جارية، فإن وزير الطاقة له أهمية قصوى». وأضاف: «هذه، بلا شك، جريمة، أفظع جريمة في أثناء الحرب، ويجب أن تُحاسب عليها».

ذكر أن لتيموشينكو سجلّاً في تعطيل قرارات الحكومة المتعلقة بالدفاع عن أوكرانيا ضد عدوان موسكو. ففي أوائل 2014 دافعت عن عدم استخدام القوة ضد عشرات الآلاف من الجنود الروس الذين اجتاحوا القرم خلال فترة الفراغ التي أعقبت الإطاحة بيانوكوفيتش.

يقرأ  ترامب: «أبعد من مجرد أن نكون قريبين جدًا» من إنهاء الحرب في غزة | أخبار

فاز يانوكوفيتش بالرئاسة عام 2010 ونسّق محاكمة أفضت إلى سجن تيموشينكو سبع سنوات بتهم «إساءة استخدام السلطة».

بعد فراره إلى روسيا أفرج عنها المتظاهرون المؤيّدون للغرب.

قال رومانيينكو إن تيموشينكو قالت آنذاك «لا يجب أن يغادر أي جندي الثكنات ولا يجب أن يغادر أي دبابة صناديقها».

تؤكد تيموشينكو أن التحقيق الحالي في فسادها يهدف إلى منعها من الترشّح للانتخابات الرئاسية، مع أن الانتخابات محظورة أثناء الحرب التي ستدخل في فبراير عامها الخامس.

كتبت تيموشينكو على فيسبوك يوم الأربعاء، في إشارة واضحة إلى زيلينسكي: «يبدو أن الانتخابات أقرب مما بدا، وقرّر البعض تطهير الخصوم… لقد كنت منذ زمن طويل بلا خوف لأنني أعلم أنني صادقة أمام نفسي والشعب وأمام أوكرانيا».

«لا منافس لزيلينسكي»

سخرت تحليلات من ادعائها.

قال فولوديمير فيسينكو، رئيس مركز بِنْتا للدراسات في كييف، للجزيرة: «تيموشينكو ليست منافساً لزيلينسكي».

وأضاف أن فرصها «لا تتجاوز الوصول حتى إلى الدور الثاني»، مستنداً إلى استطلاعات رأي تُظهر تيموشينكو بتأييد يتراوح بين 3 و4 بالمئة وتصنّفها ضمن أكثر السياسيين مكروهين في أوكرانيا.

قال: «لو أُجريت الانتخابات الآن ففي أفضل الأحوال ستكون في المرتبة السادسة أو السابعة أو الثامنة».

مع ذلك قد يغيّر التحقيق وشتائم تيموشينكو ضد زيلينسكي من سرعة وكفاءة صنع القرار في زمن الحرب.

سوَّدت «الوطن» موقفها مع زيلينسكي في معظم مشاريع القوانين، وقد يعرض الخلاف سيطرته على البرلمان للخطر.

لذا، رغم مزاعم تيموشينكو بأنها خطر على زيلينسكي في حملة رئاسية مفترَضة، فإن التحقيق يضر بالرئيس وبالجهد الحربي ككل، وفق فيسينكو.

يركّز محققو مكافحة الفساد على دور تيموشينكو كواحدة من صانعي الممسكين بخيوط البرلمان.

قال فيسينكو: «هي واحدة من قلة السياسيين المؤثرين في الرادا الذين يتعاملون مع مسائل مالية مظلَّلة». هي — كما يقول خصومها — مارست هذه الأساليب على مدى حياتها.

يقرأ  ما الذي يمنع نيوزيلندا من الاعتراف بدولة فلسطين؟غزة في قلب النقاش

في أواخر ديسمبر، وجهت هيئات مكافحة الفساد اتهامات إلى نحو أربعة وعشرين نائبًا، من بينهم خمسة نواب من صفوف حزب «خادم الشعب»، بتهم تتعلق بالفساد وتزوير أصوات الناخبين.

من المتوقع أن تضخّ هذه الفضيحة مزيدًا من الاهتمام الإعلامي إلى عمل هيئات مكافحة الفساد، مع أن ان إدانة المشمولين بالتحقيق لا تزال بعيدة عن التأكيد.

«ستفلت من العقاب»، قال نائب سابق عن حزب الوطن للجزيرة طالبًا عدم الكشف عن هويته لأنه يخشى «انتقامها». وأضاف أن تيموشنكو «تكنّ ضغينة كبيرة لزيلينسكي وتعتقد أنه سرق رئاستانها في 2019»، وأنها ترى الآن أن تخصيص أجهزة مكافحة الفساد ضدها جاء بدافع الخوف من احتمال فوزها في الاقتراع — وهو افتراض اعتبره المتحدث ساذجًا لأن مؤشرات التأييد لديها أدنى بكثير من نسبة تأييد زيلينسكي.

دفعت تيموشنكو كفالة مالية بقيمة 33 مليون هريفنيا (ما يعادل نحو 761 ألف دولار)، ومُنِعَت من مغادرة منطقة كييف. وستبت محكمة يوم الثلاثاء في مسألة تجميد اصولها، وقد تبدأ محاكمتها خلال أشهر.

أضف تعليق