حرب المسيّرات في اليمن.. منافسون يظهرون قوة جوية متصاعدة

بعد أن شنّت جماعة الحوثي هجماتٍ على معسكرات وتجمعات للقوات الحكومية اليمنية الأسبوع الماضي باستخدام طائرات مسيّرة انقضاضية أحادية الاتجاه، سقط عشرات الجنود بين قتيل وجريح. لكن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بادرت بسرعة إلى الرد باستخدام طائرات مسيّرة تُدار عن بُعد لاستهداف مقاتلي الحوثيين في خطوط التماس. ويُعد هذا التطوّر مهماً في نزاع اليمن المستمر منذ عقد، إذ يكشف عن تزايد الاعتماد على المسيّرات في ساحة المعركة.

وقد بثّت وحدات عسكرية حكومية مراراً مقاطع فيديو تُظهر طائرات مسيّرة تتعقّب أهدافها، وتُسقط قنابل، وتقتل مقاتلين، وتدمّر آليات مدرّعة، وتستهدف مخابئ.

يقول ماريوس باليس، باحث دكتوراه في مركز بون الدولي لدراسات النزاعات: “الجهة الحكومية بدأت الآن تكتسب قدرة تكتيكية مهمة محتملة خاصة بها”. ويضيف: “الطائرات المسيّرة القابلة لإعادة الاستخدام والتي تُدار عن بُعد قد تكون مفيدة خصوصاً في القتال اليومي على جبهات شبه ثابتة، حتى لو لم تضاهِ المدى الضارب الاستراتيجي للحوثيين”.

من جانبه، قال روبن داس، زميل باحث مشارك في مدرسة راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، للجزيرة، إن القوات الحكومية اليمنية أعلنت استخدام ذخائر تُسقط من طائرات مسيّرة، ويبدو أنها تُطلق من طائرات دوّارة. وأوضح أن هذه الطائرات ربما عُدّلت لحمل حمولات مرتجلة لاستهداف مواقع حوثية على الأرض، على غرار ما يفعله جهات رسمية وغير رسمية في عدة مناطق صراع.

في سبتمبر/أيلول 2014، سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على العاصمة صنعاء، وتوغلوا، وسط مقاومة عسكرية ضعيفة، إلى مناطق أخرى من اليمن. وقد أدى صعود الحوثيين إلى إضعاف الحكومة وتفكيكها، ودفع خطر المتمردين كثيراً من القادة السياسيين، بينهم الرئيس آنذاك عبد ربه منصور هادي، إلى مغادرة البلاد واللجوء إلى الخارج، ولا سيما إلى السعودية.

تفوق حوثي في العتاد

لطالما استخدم الحوثيون المسيّرات بوصفها أحد أهم أسلحتهم في الحرب غير المتماثلة؛ فقد تمكّنوا من مراقبة خصومهم وضرب تجمعاتهم ومراكز قيادتهم ومنشآتهم بعيداً عن خطوط التماس، بينما كانت القوات الحكومية في معظمها في موقف دفاعي واعتراضي.

يقرأ  من قصف مدرسة البنات الإيرانية التي أسفرت عن مقتل أكثر من ١٧٠ شخصًا؟ما نعرفه — في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران

لكن قوات موالية للحكومة أعلنت في الأيام الأخيرة استخدام مسيّرات ضد مواقع حوثية في مأرب والجوف وتعز وحجة والضالع وجبهات أخرى، ونشرت مقاطع فيديو لعدد من تلك العمليات.

يملك الحوثيون خبرة سنوات وبنية تحتية صاروخية ومسيّراتية أكثر تقدماً، لكن الحكومة لا تحتاج بالضرورة إلى تكافؤ كامل لإحداث تغيير في الميدان.

والمسيّرات كانت سلاحاً أساسياً للطرفين منذ اندلاع النزاع، لكن قدراتهما في هذا المجال متفاوتة بشكل كبير، وفق خبراء. يقول باليس للجزيرة: “ما زلت أعتبر الحوثيين الأكثر امتلاكاً لقدرة مسيّراتية متطورة عموماً؛ فقد راكموا نحو عقد من الخبرة التشغيلية ولديهم طيف أوسع بكثير من الأنظمة”.

وتتراوح هذه الترسانة بين طائرات مسيّرة هجومية قصيرة المدى تُدار عبر أنظمة قابلة لإعادة الاستخدام، وطائرات بعيدة المدى أحادية الاتجاه قادرة على ضرب أهداف تتجاوز حدود اليمن.

وقال باليس إن الجماعة استفادت من مساعدات تكنولوجية إيرانية، إضافة إلى خبرتها في تعديل وتشغيل هذه الأنظمة بنفسها. وأضاف: “شملت الترسانة الحوثية القائمة أنظمة مثل عائلة قاصف وعائلة صمّاد الأطول مدى، فضلاً عن أنظمة أحدث مشتقة من تصاميم إيرانية”.

طائرات قاصف كانت من بين أولى الطائرات غير المأهولة التي دخلت الترسانة الحوثية، وهي شبيهة بالطائرة الإيرانية من نوع أبابيل-تي، وقادرة على حمل رؤوس حربية بوزن 30 كيلوغراماً في هجمات أحادية الاتجاه. أما طائرات صمّاد-3 فيصل مداها إلى نحو 1500 كيلومتر، ويمكن تزويدها بنحو 18 كيلوغراماً من المتفجرات، وفق تقارير.

منذ سيطرتها على صنعاء، نوّع الحوثيون ترسانتهم من المسيّرات والصواريخ؛ فقد استخدموا طائرات مسيّرة متنوعة وصواريخ باليستية بعيدة المدى وقوارب سريعة انتحارية. وقال باليس إن الحوثيين يبدون وكأنهم يتبنّون بعض الابتكارات التكتيكية التي ظهرت في أوكرانيا.

وأضاف: “على سبيل المثال، تشير معلومات حديثة من جبهة مأرب إلى ظهور طائرة مسيّرة تعمل بنظام الرؤية الأولى وبالتحكم عبر الألياف البصرية، كما أبلغت السلطات اليمنية عن اعتراض مكونات مخصصة لطائرات انقضاضية أحادية الاتجاه تعمل بالتحكم عبر الألياف”.

يقرأ  كيمي أنتونيلّي يفوز بالجائزة الكبرى المؤجلة في موناكو ويعزز تقدمه في بطولة الفورمولا 1

تكييف مسيّرات تجارية

في الشهر الماضي، كشفت وزارة الدفاع اليمنية لأول مرة عن مسيّرات ضمن معداتها العسكرية؛ حيث عرض التلفزيون الرسمي وزير الدفاع وهو يرافقه قادة عسكريون يتفقدون عدداً من المسيّرات. لكن المسؤولين لم يكشفوا عن أنواعها أو مداها أو قدراتها الفنية والتشغيلية.

وفي الآونة الأخيرة، تنفّذ المسيّرات الحكومية عمليات شبه يومية، وهي في الغالب مسيّرات تُدار عن بُعد وقابلة لإعادة الاستخدام. وقال باليس: “يمكنها مراقبة هدف، ومهاجمته بإسقاط ذخيرة، ثم العودة لمهمة أخرى إذا سار كل شيء كما هو مطلوب. وتُظهر لقطات حديثة استخدامها ضد مقاتلين أفراد، وآليات، وخنادق، ومواقع محصّنة، ومواقع هاون”.

وأفاد باحث يمني متخصص في استخدام الطائرات غير المأهولة في اليمن، طلب عدم الكشف عن اسمه، للجزيرة، بأن خبراء عسكريين حكوميين عدّلوا طائرات كانت مخصصة لأغراض مدنية لاستخدامات عسكرية. وقال: “لقد صنعوا طائرات قادرة على القيام بالاستطلاع وتحديد الأهداف وإسقاط الذخائر”.

أوكرانيا أخرى؟

رغم تزايد أهمية المسيّرات في ساحات القتال اليمنية، يظل استخدامها محدوداً مقارنة بالحرب في أوكرانيا. ويقول باليس: “الفارق في الحجم هائل”. الحوثيون عرضة لحرب المسيّرات الجديدة

قال باليس إن الطائرات المسيّرة أصبحت في أوكرانيا جزءاً من الحرب يُنتج على نطاق صناعي ويُستخدم في كل مكان. وأضاف أن اليمن لم تبلغ بعد ما يقارب هذه الكثافة أو هذا التطور، رغم أن بعض الديناميكيات نفسها بدأت تظهر الآن في اليمن.

“في اليمن بدأت تظهر ملامح ما يمكن تسميته بأوكرنة حرب المسيّرات التكتيكية؛ مسيّرات رخيصة تصبح سلاحاً عادياً للوحدات الصغيرة، بدلاً من قدرة متخصصة تُستخدم في مناسبات نادرة.”

خلال الأسابيع الماضية، أعادت الحكومة اليمنية هيكلة الجيش، بحيث صار مركز القرار واحداً. كما أشارت رسائل من المنطقة إلى أن خيار المواجهة العسكرية مع الحوثيين لم يُلغَ، خلافاً لما كان يُظن سابقاً.

يقرأ  من هي ليزا كوك؟وما الاتهامات الموجّهة إلى عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي؟

المعسكر المناهض للحوثيين يضم حالياً الجيش الوطني التابع لوزارة الدفاع، إضافة إلى تشكيلات جديدة ذات قيادات مستقلة، مثل ألوية العمالقة وقوات حراس الجمهورية في المخا غربي البلاد. هذه التشكيلات، وكلها تقف ضد الحوثيين، نشأت عبر السنوات بسبب ضعف سلطة الحكومة المركزية، وبروز شخصيات مستقلة، ودعم دول من المنطقة.

استخدام الحكومة اليمنية للمسيّرات قد يمهّد الطريق لمزيد من التقدم، لكنه لا يضمن نصراً مؤكداً على الحوثيين.

قال يزيد الجدّاوي، مدير الأبحاث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، للجزيرة إن عمليات المسيّرات الحكومية قد تحسّن التوازن التكتيكي إذا استمرت على النحو الحالي من الكثافة والتنسيق. وأوضح أن كثيراً من الجماعات المسلحة الرئيسية الموالية للحكومة نشرت مقاطع مصوّرة تظهر مسيّرات تستهدف مقاتلي الحوثيين ومواقعهم.

هذا يشير إلى أن المسيّرات لم تعد قدرة محدودة تقتصر على وحدات قليلة، بل أصبحت أداة تشغيلية موزعة على نطاق أوسع.

كذلك، فإن قدرات الحكومة في مجال المسيّرات قد تؤثر في معنويات مقاتلي الحوثيين، إذ تجعل تحركاتهم ومواقعهم أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف من الجو.

وأشار الجدّاوي إلى أنه لسنوات، كان الحوثيون يملكون أفضلية واضحة في استعمال مقاطع هجماتهم لإبراز التفوق العسكري وكسر معنويات خصومهم. والآن بدأت القوات الموالية للحكومة تنافسهم على هذا المجال. وكثافة المقاطع المصورة تنقل إلى المقاتلين الحوثيين رسالة مفادها أن تحركاتهم ومواقعهم صارت مكشوفة أكثر في أكثر من جبهة، حتى في غياب هجوم بري كبير.

وذكرت وسائل إعلام حوثية أن 84 من عناصر الجماعة قُتلوا خلال نحو أسبوع من الشهر الجاري، بينهم 28 قائداً ميدانياً.

وقال الجدّاوي إن حملة المسيّرات قد تجعل جبهات القتال أكثر كلفة على الحوثيين، وتقيّد تحركاتهم، وتضعف مواقعهم تدريجياً.

أضف تعليق