في شرق طهران يقف سجاد، شاب في العشرينات من عمره، أمام حديدٍ معوَج وأسمنتٍ محطّم كان يومًا منزل والده. الخرائب تُركت دونَ أدنى تعديل منذ القصف.
“من سيعيد بناء كل هذا؟” يسأل بصوتٍ يلهفه الحزن.
هدنة هشة بين الولايات المتحدة و ايران أوقفت الغارات الجوية مؤقتًا، وحوارات توسطت بها باكستان أرسلت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى اسلام اباد ومسقط وموسكو في الأيام الأخيرة. لكن على طرقات طهران غياب القصف لا يعني بالضرورة سلامًا.
هندسة الانتظار
في أنحاء المدينة تبدو الفجوة في وتيرة التعافي جلية. بينما يسعى العمال لإصلاح واجهات متشققة وزجاج محطم في مبانٍ جزئية التضرّر، تُركت مجمّعات سكنية ومقار رسمية هُدِّمت تمامًا متوقفةً في الزمن. بعض الملاك يترقبون ضماناتٍ دولية قبل الشروع في ترميم ممتلكاتهم.
محمد، مهندس معماري في التاسعة والثلاثين، يشرح أن تكلفة بناء وحدة سكنية واحدة تضاعفت خلال الأشهر الماضية. الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة أضعف قيمة العملة الوطنية أكثر، وتضرر شركات الصلب المحلية رفع أسعار المواد. العملة كانت قد شهدت انخفاضًا حادًا قبل الحرب بفعل عقود من العقوبات الأميركية المشددة.
حتى لو توفرت الأموال، فإن مخاوف نفسية وأمنية عميقة تشكل عقبات أكبر. تقول السلطات للمهجّرين إن عليهم إما إعادة البناء بأنفسهم أو الانتظار لعقودٍ عامة ما بعد الحرب عندما يتبلور سلامٌ نهائي.
“إن عادَ القتال غدًا، كل ما نبنيه سيكون هدفًا جديدًا” يرد سجاد.
تزداد أزمة السكن حدّة بالنسبة لمريم (52 عامًا). دُمّر منزلها قرب مكتب المرشد الأعلى في موجة الضربات الأولى. أُودعت مبدئيًا في فندقٍ تموله الحكومة، لكنّها تسلّمت مؤخرًا إشعار طرد. وعدها المسؤولون بقرضٍ للإيجار لكنها تعتبر المبلغ زهيدًا جدًا.
“لا أعرف كيف سنعيش في شقةٍ صغيرة لا تشبه ذكرياتنا ولا تلائم احتياجاتنا،” تقول.
حصار اقتصادي
في حي نوّاب صفوي غرب طهران الشوارع مزدحمة والأسواق نسبياً نشطة بينما يتعاطى السكان مع أيامٍ خسروها بسبب الحرب. سياسات الاكتفاء الذاتي أبقت سلعًا أساسية على رفوف السوبرماركت، لكن السكان يشهدون تقلباتٍ حادة في أسعار مواد أساسية مثل اللحوم والأدوية. الأسس الاقتصادية تهتز.
عشکبوس، موظف إداري في وزارة الصحة يبلغ من العمر 43 عامًا، يشير إلى أن ضوابط الأسعار وسياسة الاكتفاء الذاتي الطويلة الأمد منعت حدوث نقص غذائي جماعي. ومع ذلك، تقلبات الأسعار اليومية للإلكترونيات واللحوم والأدوية ومواد البناء تدفع العائلات ذات الدخل المحدود إلى حافة الانهيار.
الحصار البحري الأميركي على الموانئ الجنوبية يضغط على سلاسل الإمداد. طهران تحاول التحايل على الخنق عبر طرق برية تمرّ عبر دول الجوار و”أسطول ظلّ” في مياه الخليج، لكن الكابوس اللوجستي يزداد لبائعي التجزئة.
فريدون، تاجر يبلغ 71 عامًا، يقول إن شحنات أُعيد توجيهها عطّلت جداول التسليم وغلّت التكاليف، ما دفع الزبائن إلى القبول ببدائل محلية أرخص وأدنى جودة.
“كيف نطلب حاوية بضائع ونحن لا نعلم إن كنا سنستيقظ غدًا على عودة الحرب أو حصار أشد؟” يتساءل فريدون، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشركات فضّلت تجميد نشاطها تمامًا.
هذا شعورٌ باللايقين العميق تردده يسرى، امرأة في السابعة والأربعين تتجول في أسواقٍ صاخبة وقلقة.
“أشعر أنني معلّقة حرفيًا بين جدارين: جدار القلق من استئناف الحرب، وجدار الأمل بمسار سياسي نحو السلام. ما نعيشه اليوم ليس سلامًا ولا حربًا، بل استنزاف نفسيٍّ واقتصادي.”