دروس من حرب إيران المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع طهران

التقى يوم السبت مسؤولون من الولايات المتحدة وايران في مفاوضات مباشرة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. انتهت المباحثات دون اتفاق، إذ لا تزال مواقف الطرفين متباعدة بشكل كبير.

خلال شهر ونصف من التصعيد المسلح بَرَزت دروس مهمة تتعلق ليس فقط بهذا النزاع المحدد بل بطبيعة الحروب الحديثة عموماً. قد تصبح هذه الدروس عوامل مركزية في حسابات صانعي القرار في واشنطن عند تحديد المسار المقبل.

الحجم والجغرافيا مهمان
ايران دولة تعمل على نطاق يصعّب أي مواجهة مباشرة. مساحتها تقارب 1.64 مليون كيلومتر مربع، ويزيد عدد سكانها على تسعين مليون نسمة، ما يجعل بيئتها أضخم بكثير من مسرح العمليات في الحروب الكبرى المعاصرة.

بالمقارنة، كان العراق — الذي غزته تحالفات بقيادة الولايات المتحدة عام 2003 — يملك نحو ربع مساحة ايران ونحو نصف عدد سكانها. أما أفغانستان وأوكرانيا فبينما لهما أهمية إقليمية فهما أصغر من حيث الأراضي والوزن الديموغرافي.

الأمر مهم لأن العمليات العسكرية لا تتدرج خطياً مع الحجم؛ فقد يتطلب الإقليم الأكبر ليس فقط مزيداً من الجنود والأسلحة، بل لوجستيات مضاعفة، خطوط إمداد أطول، وتغطية استخباراتية أوسع بكثير.

إذا كان الحجم يعقّد تخطيط الحرب، فإن الجغرافيا تزيد التعقيد أكثر. الاستغلال السابق للتضاريس سهل على القوات الغازية التقدم في أوضاع مثل السهول الجنوبية في العراق أو سهول شرق أوكرانيا. بالمقابل، شكلت الجبال في أفغانستان حاجزاً أمام العمليات التقليدية وأجبرت الاعتماد على القوة الجوية والقوات الخاصة والحلفاء المحليين.

ايران تجمع بين أصعب هذين النمطين وعلى نطاق أوسع: جبال زاغروس في الغرب تشكل جداراً دفاعياً طبيعياً، وألبروز في الشمال تحمي مراكز مدنية مهمة بما فيها طهران. الهضبة المركزية والصحارى الواسعة تعقد المناورات والتموين، وساحلها الطويل على الخليج وخليج عمان يطرح نقاط ضعف بحرية لكنه يمنح أيضاً عمقاً دفاعياً.

يقرأ  السلطات تعتقل ١٣ مشتبهًا بقتل مسؤولين في مكسيكو سيتي — أخبار الجريمة

هذه التضاريس الجبلية تجعل الغزو البري صعباً للغاية، وتتيح إخفاء منصات صواريخ ومنشآت إنتاج عسكرية ودروع جوية في مرافق محصنة أو تحت الأرض، بحيث قد تطول أي حملة جوية لشهور مع قدرة ايران على الرد والاصطدام المستمر.

دفاع قوي ومتماسك
الافتراض القائل إن التنوع الداخلي يعني هشاشة مبالغ فيه غالباً. ايران متعددة الأعراق والطوائف—من أذربيجانيين وكرد وعرب وبلوش—لكن التاريخ يشير إلى أن التهديدات الخارجية غالباً ما تعزز التماسك الوطني بدلاً من تفتيته.

أبرز مثال حديث هو أوكرانيا، حيث عززت الغزوة الروسية الهوية الوطنية والمقاومة رغم الفروقات اللغوية والإقليمية. في ايران أيضاً، لم تؤد الضغوط العسكرية الخارجية إلى تفكك الدولة بل إلى ترسيخها.

وهذا مهم بالنظر إلى بنية قواتها المسلحة. تمتلك ايران أكثر من ثمانمئة ألف عنصر نشط بين الجيش النظامي والحرس الثوري، ونظام دفاعي متعدد الطبقات مهيأ للحروب التقليدية واللا-تقليدية مع عقيدة تركز على التشتت، القدرة على البقاء، والمقاومة الطويلة الأمد.

بعكس عراق 2003 الذي أضعفته عقود من العقوبات والصراعات السابقة، تظل مؤسسات الدولة في ايران ممتثلة، مع هياكل قيادة متكاملة وقدرات صاروخية وطائرات مسيرة واسعة النطاق. تجربة أوكرانيا تعلّمنا أيضاً أن جيشاً كبيراً وحديثاً قد يفشل في حسم النتيجة ضد مدافع منظم ومثابر.

حدود السلاح التقليدي
هناك دروس بشأن فعالية الأسلحة التقليدية. أظهرت الأسابيع الأخيرة أن التفوق الجوي الساحق لا يضمن بالضرورة نتائج حاسمة عندما تُواجه دولة مصممة على امتصاص الضربات والصمود.

تُشكّل القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة لدى ايران حجر الزاوية في هذا السياق. بدلاً من الاعتماد على أهداف مركزة عالية القيمة يمكن تحييدها بسرعة، طوّرت ايران منظومة مبعثرة ومتعددة الطبقات: منصات إطلاق، مخازن ومواقع إنتاج محمية داخل التضاريس الجبلية أو منشآت تحت الأرض، ما يصعّب اكتشافها وإزالتها. هذا يؤكد أن الجغرافيا لا تكتفي بأن تكون خلفية للنزاع، بل تُدمَج فعلياً في الاستراتيجية الدفاعية.

يقرأ  ترامب يصل إلى ماليزيا قبيل قمة الآسيان وسط توترات تجاريةأخبار الآسيان

في الوقت نفسه، الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة الكلفة يخلق تحدياً مختلفاً: هذه الأسلحة لا تحتاج إلى دقة مطلقة أو تفوّق مستمر، بل يكفيها البقاء والضغط المستمر بمرور الزمن. ذلك يفرض عبئاً تشغيلياً دائماً على أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.

ينتج عن ذلك خلل هيكلي: منصات عسكرية باهظة التكلفة تُوظف لمواجهة أسلحة أرخص بكثير وأسهل في الإنتاج. مع الزمن لا يضمن هذا الديناميك نصرًا سهلًا على الأرض، لكنه يضعف قدرة الخصم على تحقيق نتائج حاسمة.

بمعنى أوسع، يتغير دور القوة العسكرية: يظل التفوق التقليدي مهماً لكنه محدود. يمكنه التشويش والتقليل والاحتواء، لكنه يجهد أمام خصم مغروس إقليمياً، مبعثر عملياً، ومستعد لمواجهة مطولة.

ماذا يعني هذا استراتيجياً
ايران ليست أفغانستان 2001 ولا العراق 2003 ولا أوكرانيا 2022؛ إنها خليط من الثلاثة، تمزج الحجم والتعقيد والمرونة.

معاً، تؤدي هذه العوامل إلى استنتاج مركزي: ايران لا تكتفي بكونها هدفاً أصعب فحسب، بل تُعيد صياغة الحسابات الاستراتيجية للحرب. تَحُول مقاييس الحجم والجغرافيا والمرونة دون حسم سريع وتجعل أي نزاع محتملاً مطوَّلاً ومكلفاً ومفتوح النتيجة. هذا يفسر لماذا، رغم الضغط العسكري المستمر، لم يطرأ تحول جذري على الأرض وتحولت المواجهة إلى هدنة مؤقتة تعكس صعوبة تحويل العمل العسكري إلى مكاسب استراتيجية واضحة.

لا يعني ذلك استحالة صراع مستقبلي، بل يعني أن طبيعته قد تختلف عما شهدناه في الشهر والنصف الماضيين. المواجهة المباشرة واسعة النطاق تصبح أقل جاذبية عندما تقل احتمالات نصر سريع وترتفع مخاطر التصعيد؛ بدلاً من ذلك، يميل المشهد إلى سلسلة اشتباكات محدودة، رّدود محسوبة، وإشارات استراتيجية — أشكال من النزاع تقف بين الحرب الكاملة والحل الدائم.

بالنسبة للولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى، الدلالات كبيرة كذلك. توقع الحملات السريعة والحاسمة (كما في العراق 2003) يصعب تطبيقه هنا. التفوق العسكري لا يزال قادراً على تشكيل ساحة المعركة، لكنه لا يملك بالضرورة قدرة على اختزال الزمن أو ضمان نتائج محددة.

يقرأ  أوبن إيه آي وإس إيه بي يطلقان شراكة لتوفير حلول الذكاء الاصطناعي للقطاع العام الألماني

في النهاية، يشير الصراع إلى تحول أوسع في طبيعة الحرب الحديثة: لم يعد النصر يُقاس بالسرعة أو الهيمنة الأولية فحسب، بل بالقدرة على التحمل والتكيّف والعمل بفعالية ضمن بيئات مركبة. هذا العامل قد يكون محوريًا في حسابات واشنطن عند مناقشة احتمال إعادة تصعيد الصراع.

الآراء الواردة في هذا النص تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لــالجزيرة.

أضف تعليق