طريق الصين الجديد إلى أوروبا عبر القطب الشمالي: هل يُغني عن ممرات الشرق الأوسط؟ | أخبار التجارة الدولية

أعلنت الصين عن طريق شحن جديد عبر المحيط المتجمد الشمالي، قد يسهّل حركة التجارة العالمية في ظل أزمة الشرق الأوسط التي عطّلت ممرات مائية حيوية، ومنها باب المندب عند مدخل البحر الأحمر. وفي السنوات الأخيرة، زاد اهتمام شركات الشحن بطرق تجارية بديلة عبر القطب الشمالي بسبب نزاعات مثل الحرب الأميركية على إيران، التي تقيّد طرقاً حيوية كالبحر الأحمر والخليج.

أحد الحلول المطروحة هو “طريق الحرير الجليدي” الصيني الجديد، الذي يبدأ من مدينة نينغبو على الساحل الشرقي للصين، ويعبر الدائرة القطبية الشمالية عبر “الطريق البحري الشمالي” الروسي، ثم يتجه جنوباً في بحر الشمال، وينتهي في فيليكسستو شرق إنجلترا.

في الأشهر الأخيرة، أصبح مضيق باب المندب، نقطة العبور الرئيسية إلى البحر الأحمر قبالة سواحل اليمن، طريقاً ممنوعاً على كثير من السفن، بعد أن استهدف الحوثيون المدعومون من إيران سفناً مرتبطة بالسعودية. وقد عطّل ذلك الحركة المتجهة إلى قناة السويس والقادمة منها، وهي الممر المائي الحيوي الذي يربط غرب آسيا بأوروبا.

فهل يمكن أن يكون الطريق الصيني الجديد بديلاً مستداماً؟ وماذا يعني لتوازن القوى في التجارة الدولية؟ هذا ما نعرفه:

## أين يقع الطريق؟

أعلنت شركة “سي ليجند” الصينية لشحن الحاويات، المتخصصة في التجارة الدولية مع شمال أفريقيا وتركيا، الأسبوع الماضي رسمياً عن هذا الطريق، وأطلقت عليه اسم “طريق الحرير الجليدي” تيمناً بطريق الحرير التاريخي مع أوروبا. وكانت الشركة قد أجرت رحلة تجريبية على هذا الطريق في أكتوبر الماضي. ووفق تقرير لوكالة شينخوا الصينية، استغرقت الرحلة 20 يوماً، وهو ما يمنحها ميزة مقارنة بالطرق الأخرى: عبر قناة السويس التي تستغرق نحو 40 يوماً، أو عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا الذي يستغرق نحو 50 يوماً.

وقال لي شياو بين، مدير العمليات في الشركة، إن الطريق الجديد مناسب للبضائع الحساسة للحرارة أو الحساسة للوقت، مثل بطاريات الليثيوم أيون والمنتجات الكهروضوئية التي تحوّل الضوء إلى كهرباء، بسبب انخفاض درجات الحرارة وقصر المسافة نسبياً.

## هل يمكن أن يكون بديلاً لقناة السويس؟

أدى تغيّر المناخ إلى ذوبان كبير للجليد في القطب الشمالي. ورغم أن هذا الذوبان يهدد العالم بفيضانات وكوارث طبيعية، فإنه فتح أيضاً طرق شحن محتملة جديدة. ووفق دراسة نشرها باحثون في جامعة ساوثهامبتون في يوليو، تراجعت مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي خلال ذروة الشتاء بين فبراير ومارس بنسبة 5.8 في المئة بين عامي 2024 و2025، وهي أكبر نسبة انخفاض مسجلة.

لكن تبقى عقبات كثيرة أمام إنشاء طرق شحن مفتوحة ومتاحة هناك.

يقرأ  إندونيسيا تتسلّم جثامين حفظة السلام القتلى في جنوب لبنانأخبار الأمم المتحدة

## جليد الشتاء يمنع المرور

ومع أن طريق الصين الجديد عبر القطب الشمالي قد يخفض زمن السفر من الصين إلى أوروبا إلى النصف، فإنه لا يزال متاحاً فقط خلال أشهر الصيف الأكثر دفئاً في نصف الكرة الشمالي عندما يقل الجليد. واعتبر ديلان لو، أستاذ مشارك في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن الطريق يعمل مكملاً موسمياً لطرق الشحن الرئيسية الأخرى. وقال إن الطريق يعتمد على موعد ذوبان الجليد، مما يضيف حالة من عدم اليقين. كما أنه يتعرض لانتقادات متزايدة من جماعات بيئية ترى أنه يسهم في مزيد من ذوبان الجليد.

## مخاطر جيوسياسية وقيود على المرور

ويشير محللون أيضاً إلى مخاطر جيوسياسية قد تؤثر في الطريق. فطريق الحرير الجليدي يمر عبر الطريق البحري الشمالي الروسي، الذي لعب دوراً مهماً في الشحن التجاري في المنطقة لأكثر من عقد. في العام الماضي، مرّت عبره 23 سفينة حاويات فقط، مقابل 15 في 2024، وفق تحليلات شركة “أليانز كوميرشال” للتأمين.

تُمنح تصاريح الإبحار عبر الطريق من هيئة إدارة الطريق البحري الشمالي، وهي وكالة تعمل تحت إشراف شركة روساتوم النووية الروسية الحكومية. وفي 2017، سعياً لزيادة التجارة عبر القطب الشمالي، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ لرئيس الوزراء الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف إن على الصينيين تطوير الطريق البحري الشمالي واستخدامه بشكل مشترك. لكن بكين لم تحصل على مزيد من الوصول إلى الطرق التجارية الروسية إلا بعد بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022.

قال ويليام يانغ، كبير المحللين لشمال شرق آسيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن روسيا تسيطر على الملاحة عبر الطريق البحري الشمالي، والصين هي حتى الآن الدولة الوحيدة التي يمكنها استخدامه بشكل واقعي كبديل لمضيق هرمز أو قناة السويس. وأضاف أن معظم السفن التي استخدمت هذا الطريق للشحن هي أساطيل ظل روسية تواجه عقوبات دولية شديدة، لذلك فإن الإبحار عبره قد يشكل مخاطر سياسية أيضاً على الدول الأخرى.

## كيف تستفيد الصين من الطريق الجديد؟

قال يانغ إنه إذا تمكنت الصين من تحويل الطريق البحري الشمالي إلى بديل فعال للبحر الأحمر وقناة السويس، فقد يمنحها ذلك ميزة اقتصادية فريدة لبكين وشركات الشحن الصينية خلال الاضطراب الحالي في الشحن العالمي في الشرق الأوسط. كما يمكن للصين أن تستخدم أنشطتها التجارية المتزايدة عبر الطريق لتوسيع حضورها في منطقة القطب الشمالي، وهو هدف استراتيجي طالما راودها لعقود.

وأضاف أن فرصة أن يصبح الطريق البحري الشمالي بديلاً دولياً شاملاً لقناة السويس تظل محدودة، لكن احتمال استخدام الصين له لتعميق وجودها في القطب الشمالي آخذ في الازدياد.

يقرأ  الطاقة المتجددةتتفوق على الفحم وتصبح أكبر مصدر للكهرباء في العالم

## لماذا تتاح طرق القطب الشمالي؟

مع ارتفاع حرارة الكوكب بسبب تغير المناخ، تزداد سهولة الوصول إلى الموارد الهائلة غير المستغلة في القطب الشمالي، وكذلك إلى الممرات الملاحية. دول مثل الولايات المتحدة وكندا والصين وروسيا لا تطمع في موارده فحسب، بل أيضاً في طرقه التجارية. وفي العام الماضي، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسعاه الكبير للاستحواذ على غرينلاند، التي يُعتقد أنها تمتلك موارد هائلة غير مستغلة من معادن الأرض النادرة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي بين أميركا الشمالية وأوروبا.

وفي حين تأمل روسيا في زيادة التجارة عبر الطريق البحري الشمالي بالعمل مع الصين على التجارة مع آسيا أكثر من أوروبا بسبب العقوبات الغربية، فإن الطريق الصيني المعلن حديثاً هو طريق شحن بديل يمكن أن يقلل اعتماد بكين على مضيق ملقا والطرق التجارية في شمال أفريقيا وغرب آسيا. وبالإضافة إلى طرق الصين وروسيا، تتوقع بوابة معلومات القطب الشمالي “أركتيك بورتال” أن يُستخدم الممر الشمالي الغربي، الذي يعبر القطب الشمالي الكندي، بشكل أكثر انتظاماً في المستقبل القريب لتقليل وقت الشحن من شرق آسيا إلى غرب أوروبا.

## لماذا نحتاج طرقاً بديلة؟

الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط، دفعت طهران إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام جميع الناقلات تقريباً، باستثناء عدد قليل من الناقلات التي تعتبرها إيران “دولاً صديقة”. يمر المضيق عبر المياه الإقليمية لكل من إيران وعُمان، وهو أحد أهم ممرات الشحن في العالم، لأنه الطريق الوحيد إلى البحر المفتوح لمنتجي النفط والغاز في الخليج. في أوقات السلم، يُشحن عبره 20 في المئة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وبالإضافة إلى الطاقة، تُشحن عبره أسمدة وأدوية حيوية، مما يؤثر على قطاعي الصحة والزراعة حول العالم.

كما أن مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، يمر عبره أكثر من 10 في المئة من تجارة النفط العالمية، وهو أيضاً تحت التهديد. في الأسابيع الأخيرة، شن الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن هجمات على سفن مرتبطة بالسعودية تدخل البحر الأحمر أو تغادره. وباب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يتصل بقناة السويس.

ومع تعطل هذين المضيقين الحيويين، أصبحت التجارة العالمية وأسواق الطاقة في أزمة، وبات قادة العالم يبحثون عن حلول.

## هل يمكن أن يغير الطريق الصيني توازن القوى؟

في وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لقناة فوكس نيوز إنه يتصور تحولاً جيوسياسياً دائماً خارج مضيق هرمز. ورأى أن دول المنطقة تدرك الآن أن إيران، التي تصر على عدم التخلي عن السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي، تمثل تهديداً نشطاً، مما يستلزم إعادة تشكيل واسعة لطريقة تدفق سلع الطاقة إلى الأسواق العالمية.

يقرأ  قوالب جاهزة لبرامج التخرج قابلة للتعديل مجانية لجميع المراحل الدراسية

لكن المحلل السنغافوري ديلان لو قال إن الدول مثل الصين تسعى إلى طرق بديلة لتدفق السلع، لكن من غير المرجح أن تؤدي هذه الطرق إلى تحول في توازن القوى في التجارة الدولية. وأوضح أن الطريق الصيني يمثل تحوطاً وليس تحولاً كاملاً أو بديلاً حقيقياً في الوقت الحالي، لأنه لا يتمتع بالقدرة على التنبؤ التي تتمتع بها الطرق البحرية التقليدية. وقال إنه طريق بديل، لكننا نحتاج إلى مزيد من الوقت لمعرفة مدى جدواه من الناحية البيئية والمالية ومن حيث الموثوقية قبل أن نستنتج شيئاً. هذا التطور وحده لن يغير توازن القوى العالمي فجأة.

أما أليخاندرو ريّس، الأستاذ المساعد في قسم السياسة والإدارة العامة في جامعة هونغ كونغ، فيرى أن الأثر الجيوسياسي للطريق قد يكون أكبر من ذلك. وقال ريّس إن الصين عضو مراقب في مجلس القطب الشمالي منذ 2013، لذا فإن اهتمامها بالمنطقة قديم. وأضاف أن الشحن المنتظم يمنح هذا الحضور بعداً اقتصادياً عملياً أكثر، ويقرّب القطب الشمالي بشكل مباشر من المنافسة بين القوى الكبرى. ومجلس القطب الشمالي منتدى حكومي دولي يعزز التعاون والتنسيق بين الدول المطلة على القطب الشمالي أو الواقعة فيه. وأعضاؤه الكاملون هم كندا والدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج وروسيا والسويد والولايات المتحدة.

وأشار ريّس إلى أنه مع سعي إدارة ترامب إلى تأكيد التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي، فمن المتوقع أن يجذب الممر الصيني-الروسي المتنامي عبر القطب الشمالي انتباه واشنطن. وأضاف أن هناك أيضاً بعداً أوروبياً وبعداً مرتبطاً بحلف شمال الأطلسي، إذ إن سبعاً من ثماني دول أعضاء في مجلس القطب الشمالي هي أعضاء في الحلف. وفي فبراير 2026، أطلق الحلف مهمة عسكرية باسم “أركتيك سنتري” تهدف إلى مواجهة تهديدات محتملة في المنطقة من روسيا والصين.

وقال إن أوروبا قد تستفيد من طريق أقصر نحو آسيا، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح أكثر اعتماداً على ممر شحن تسيطر عليه روسيا. لكن ريّس لا يتوقع أن يحل القطب الشمالي محل قناة السويس. وأضاف أنه سيصبح مجرد طريق آخر يربط آسيا وأوروبا، وساحة أخرى في المنافسة بين الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها وشركائها من جهة أخرى.

أضف تعليق