على الدول فرض ضرائب على الأرباح النفطية الاستثنائية لتمويل جهودها للخروج من الأزمة — الطاقة المتجددة

أدت أزمة الوقود الأحفوري الأخيرة إلى موجة واسعة من المعاناة في أوروبا. بعد غزو روسيا لأوكرانيا في 2022 ارتفعت أسعار الغاز بشكل هائل، ما دفع تكاليف الطاقة إلى مستويات مُعطِّلة للاقتصادات والأسر، وبحسب تقرير حديث لمركز البحوث حول الطاقة والهواء النظيف (CREA) فقد دفع كل مواطن في الاتحاد الأوروبي أكثر من 150 يورو (حوالي 175 دولاراً) سنوياً إلى الولايات المتحدة نتيجة استيراد الغاز والوقود الأحفوري.

في المقابل، حققت شركات النفط والغاز أرباحاً غير مسبوقة: فقد جنت صناعة النفط والغاز حول العالم نحو 2.7 تريليون دولار في 2023، واستثمرت نسبة ضئيلة لا تتجاوز 4% من إنفاقها الرأسمالي في مصادر طاقة نظيفة.

هذه الأزمات ليست مجرد تقلبات سوقية، بل هي لحظات من الظلم الجارف. الناس لا يدفعون فقط ثمن استخدام الوقود الأحفوري عبر آثار التغير المناخي المباشرة، بل يعانون الآن من أزمات أسعار متكررة تؤدي إلى تفويت الوجبات، وفقدان الوظائف، وانقطاع الكهرباء. هذا التدهور في مستوى المعيشة يتزامن مع ارتفاع هائل في أرباح شركات الوقود الأحفوري.

أدنى ما يمكن أن تفعله الحكومات الآن هو فرض ضريبة أرباح استثنائية على شركات الطاقة وتخصيص عائداتها للتخفيف عن الأسر المتضررة وتمويل الانتقال الطاقي.

كما حدث في 2022، فإن بروز أرباح هائلة لشركات الوقود الأحفوري يأتي هذه المرة نتيجة مباشرة لصراع دموي. في أواخر فبراير شنت الولايات المتحدة واسرائيل هجوماً على إيران، وتوسع الصراع في المنطقة بسرعة. حتى الآن قُتل أكثر من 3,000 إيراني، بينهم أكثر من 150 تلميذة ومعلمة في مدرسة تعرضت للقصف. كما قُتل أكثر من 2,000 لبناني، و23 إسرائيلياً، وعشرات المدنيين في دول الخليج.

إغلاق مضيق هرمز ينعكس فورياً على ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً. تقارير الربع الأول للعام، التي تضم أول شهر من الحرب، أظهرت بالفعل أرباحاً طائلة لشركات الطاقة. أعلنت شركة BP أخيراً عن أرباح أقوى من المتوقع بلغت 3.2 مليار دولار مقابل توقعات بنحو 2.63 مليار دولار، وارتفعت أسهمها عقب الإعلان. وأفادت TotalEnergies بارتفاع أرباح الربع الأول بنسبة 29% إلى 5.4 مليار دولار. أما أرباح ExxonMobil فقد سجلت انخفاضاً نسبياً في الربع الأول لأن بعض مبيعات مارس ستُسجَّل في تقرير الربع الثاني.

يقرأ  عرض اليوم — وفّر ١٠٪ على فحوصات ٢٣ أند مي

ومع توقع المحللين لارتفاع أسعار النفط حتى إذا أعيد فتح مضيق هرمز قريباً، فهذه الأرباح الاستثنائية مرشحة للاستمرار. وتوقعت منظمة أوكسفام الدوليّة أن تحقق شركات الوقود الأحفوري أرباحاً تقارب 3,000 دولار في الثانية خلال 2026.

هذه النتيجة طبيعية في نظام طاقي عالمي يعتمد على استخراج ونقل وقود حرج عبر ممرّات ضيقة ومعرضة للمخاطر، لكنها في الوقت نفسه نتاج جشع دؤوب ودافع الربح. على مدى عقود عملت شركات الوقود الأحفوري للحفاظ على بقاء البشرية محصورة في هذا النظام: من إنكار التغير المناخي والهجوم على البدائل منذ الثمانينيات، إلى الضغط على الحكومات وترويج استثمارات في صناعات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوقود الأحفوري لزيادة الطلب.

يشير مركز الأبحاث الطاقية “إمبر” إلى أن أزمات الوقود السابقة فشلت في تحرير العالم من هذا النظام الهش وغير الموثوق به، لكن الفارق اليوم أن الرياح والطاقة الشمسية وتخزين الطاقة والمركبات الكهربائية أصبحت أرخص بكثير حتى مقارنة بأزمة 2022.

تؤكد إمبر أيضاً أن المصير ليس محتوماً، وأن الإغراء للعودة إلى “الكتاب القديم” — مزيد من الحفر، ومزيد من الإعانات، وتنوّع مصادر العرض — سيكون قوياً، لكن هذا الإغراء يمكن مقاومته.

خفض الضرائب على الوقود الأحفوري كحلاً قصير الأجل لا يؤدي إلا إلى تحويل مزيد من المال من جيوب المواطنين العاديين إلى أصحاب القوة. بدلاً من ذلك، يجب استبدال ردود الفعل الاندفاعية بسياسات إغاثة مستهدفة لمن هم في الحاجة الأكثر.

على أقل تقدير، ينبغي اضطِراب شركات الوقود الأحفوري بضريبة أرباح مفاجئة، وتُوزع عائداتها بين الفقراء والأسر الأكثر هشاشة على شكل دعم اجتماعي مباشر. كما ينبغي توجيه جزء من العائدات إلى الدول الأكثر تضرراً من تغير المناخ كنوع من تعويضات تُدفع من مُلَوِّثين كبار لمن يعانون أضراراً لا تُعَوَّض.

يقرأ  إغلاق المصارف وغموض المستقبل بعد عام على سيطرة حركة الـ23 مارس على غوما في جمهورية الكونغو الديمقراطية

ينبغي أيضاً أن تُوظَّف إيرادات ضريبة الأرباح لتمويل الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري لجعل البلدان أقل عرضة للصدمات الطاقية. على الحكومات إطلاق برامج طموحة وعاجلة لتقليل الطلب على النفط تركز على النقل العام والنشاط البدني المرن (المشي والدراجات)، وتحفيز السيارات الصغيرة. كما يجب تطبيق سياسات تحمي الأكثر هشاشة فوراً، مثل برامج الطاقة الشمسية الرخيصة خلال ساعات النهار التي اعتمدتها أستراليا.

لا يمكن للمجتمعات أن تبقى على قيد الحياة في نظام يجعل من الدماء مصدراً لزيادة ربح الشركات. أن نُدمّن البشرية على وقود يصبح أكثر ربحية للشركات كلما ساد العنف والصراع هو وصفة مضمونة لمزيد من المعاناة بكل أوجهها.

وجهات النظر المعبر عنها في هذا النص هي آراء المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق