على طريق سد روغون حلم طاجيكستان الأكبر — أخبار المياه

روغون، طاجيكستان

من دوشنبه يبدأ الطريق إلى روغون كما تبدأ كثير من الرحلات في طاجيكستان: تخطو على أطراف العاصمة ذات الشوارع الواسعة الهادئة والحدائق المرتبة، ثم يتلاشى البناء الحضري تدريجياً. يتحول الطريق إلى شريط طويل يصعد وينحني بين تلال صخرية وقرى متفرقة، حتى يظهر نهر فخش أدناه كخيط أزرق غاضب يقطع القاع.

لا توجد مشاهد سياحية على جانبي الطريق: لا فنادق فاخرة، ولا لوحات إعلانية ضخمة، ولا مطاعم تتنافس لاستقبال العابرين. هناك فقط جبال صامتة، وشاحنات مثقلة، وعمّال متجهون نحو مشروع سمع عنه معظم الطاجيك: سد روغون.

في بلد يعرف معنى برد الشتاء القارس وقطع التيار والجغرافيا القاسية، صار هذا السد أكثر من جدار يرد الماء؛ صار وعداً بمستقبل مختلف.

مشرو بقيمة 5 مليارات دولار، أطلق أصلاً منتصف السبعينيات لمواجهة عجز الطاقة المزمن، وصفه الرئيس إمام علي رحمن بأنه مسألة «حياة أو موت». ترى طاجيكستان في هذا المشروع فرصة للتقليل من العجز الموسمي وتحسين الإمدادات الكهربائية، وربما تصدير الفائض مستقبلاً إلى الدول المجاورة.

جبال ضيقة وحلم كبير

تستغرق الرحلة من دوشنبه إلى روغون نحو ساعتين. الطريق نفسه جزء من الحكاية؛ كل منعطف يفتح مشهداً جديداً: صخور حادة مكسوة بالخضرة، ووديان عميقة، ومنازل متناثرة، ونهر لا يتوقف عن الجريان.

تمر الشاحنات المحملة بالحجارة والمواد الثقيلة، ويكاد يتضح أن المشروع لا يُنفَّذ على تضاريس سهلة. كل شيء يبدو عسيراً: الوصول، والحفر، والنقل، والسيطرة على نهرٍ هائج يهبط من قمم وسط آسيا.

مع الاقتراب تتكشف معالم الموقع على نحو متقطع: طرق ترابية، وآلات عملاقة، وجبال مقطوعة، ومداخل أنفاق، حتى تتشكل حكاية السد تدريجياً.

مدينة عمل معلقة

أول ما يلاحظه الزائر لروغون ليس فقط ارتفاع السد الهائل، بل الحجم الشاسع للعملية بأكملها التي تبدو كمدينة عاملة معلقة بين الجبل والنهر. تتردد أصوات الماكينات بين الصخور، ويعلو الغبار، وينتشر إنتاجية بشرية بتحركات تشبه عمل آلة عملاقة لا تهدأ.

يقرأ  «أنا حي... أتنفس، أرى النور»بار كوبيرشتاين يعود إلى منزله بعد خروجه من المستشفى

الجبل يبدو منبوشاً من الداخل: ليس لواجهة واحدة، بل لمستوياتٍ ومداخل ومسارات متعددة. ترى طريقاً ينحدر إلى الأسفل، وآخر يصعد إلى مناطق العمل، وثالثاً يقود إلى فتحة نفق مظلم كمدخل إلى أحشاء الأرض. الماء لا يصطدم بالخرسانة وحدها؛ بل يمر عبر هندسة معقدة تهدف لروض نهر فخش وتحويل قواه إلى كهرباء.

الأنفاق والمحطة الباطنية

عند مداخل الأنفاق يخف نور الخارج الحاد، ويبرد الهواء، ويتخذ صوت الماكينات صدى معدنياً عميقاً. داخل النفق لا ترى النهر لكن تشعر به وهو يُوجَّه ويُحَوَّل ويُضَغَط ثم يُطلق عبر شرايينٍ تتجه إلى التوربينات التي ستدير بيوتها ومصانعها ومدارسها.

يتضمن المشروع أنفاقاً هيدروليكية بطول يتراوح بين 1100 و1500 متراً، ومحطة كهرباء تحت الأرض تضم ست وحدات توليد.

التوربينات في انتظار الماء

في جزء المحطة تتضح الرؤية: هنا يُطلَق الماء النازل من الجبال بقوّة محسوبة فيتدافع نحو توربينات عملاقة تدور تحت ضغط هائل وتحوّل حركة الماء إلى كهرباء تشغل المدن والقرى والمصانع والمنازل، وتمنح بعض التخفيف من فظاعة الشتاء وربما اقتصاداً أقل اعتماداً على الخارج.

المهندس الإيطالي أندرياس الذي تشرف شركته على الأعمال الرئيسية يتحدث بحماس. يشير إلى الجبل ثم إلى مجرى النهر ويقول إن السد عند اكتماله سيبلغ ارتفاعه 335 متراً، ليكون من بين الأطول في العالم. صممت المحطة بست وحدات ضخمة قادرة على إنتاج نحو 3600 ميغاواط.

هذا نظام متكامل: قلب طيني للسد، وأنفاق هيدروليكية، ومحطة باطنية، وتوربينات هائلة ستدخَل تباعاً مع انتهاء كل مرحلة من المشروع. «لم نبنِ فوق الطبيعة فحسب؛ نحن نحاول فهمها وترويض طاقتها بأمان» يقول أحد المهندسين.

مشروع القرن

اليوم يحتل روغون مكانة في الخيال الوطني باعتباره «مشروع القرن». قد تفتقر هذه الدولة الجبلية لثروات نفطية واسعة، لكنها تملك شيئاً آخر: انهار تتساقط من قمم الشموس، ومياه قابلة للتحويل إلى طاقة. لذلك يمثل السد رهان طاجيكستان على جغرافيتها، ومحاولة لتحويل المحنة إلى قوة. ومع ذلك، يظل هذا الرهان محفوفاً بالمخاطر. كما يقول مديره الايطالي، مشروع بهذا الحجم يتطلّب تمويلاً هائلاً، إدارة متقنة، ضمانات صارمة للسلامة وتوازناً دقيقاً مع دول المصب التي تراقب تدفقات المياه عن كثب.

يقرأ  تشريح تصميم المواد التعليميةفي فضاء التعلم الإلكتروني

جغرافياً وسياسياً، المياه المتجمعة خلف السد لا تنتمي إلى طاجيكستان وحدها؛ إنها جزء من منظومة مائية إقليمية حسّاسة.

«الجبل هنا ليس مجرد عائق، بل هو جزء من قوة المشروع. نحن لا نبني على الطبيعة فحسب؛ بل نحاول فهمها وتسخير طاقتها بأمان.»

في طريق العودة إلى دوشنبه، تبدأ الجبال في التراجع تدريجياً، لكن صورة السد تبقى عالقة: الأنفاق المظلمة، التوربينات المنتظرة، الشاحنات الثقيلة، والنهر الذي يتدفق بعناد بين الصخور — كل ذلك يلخّص علاقة طاجيكستان بالماء.

عند وصولك إلى العاصمة مساءً وتتلألء الأضواء على طول شارع روداكي، يصعب عليك ألا تراها بصورة مختلفة. الكهرباء ليست مجرد مرفق اعتيادي؛ إنها امتداد لذلك النهر البعيد، ذلك الجبل المفتوح، وتلك الأنفاق حيث يعمل الرجال بعيداً عن أنظار معظم السكان.

أضف تعليق