قواعد النادي: ممنوع دخول الكبار!

يحتاج الأطفالُ إلى عالمٍ خاصٍّ بهم، يحوطهم فيه بالغون راعون يحمونهم من الأذى الحقيقي، لكنهم يتركون لهم في الوقت نفسه مساحةً من الاستقلال تكفيهم لمواجهة ما يناسب أعمارهم من خلافاتٍ وانزعاجٍ وأخطاء وتحديات؛ فتتكوّن عندهم المناعةُ والكفاءةُ والشعورُ بالانتماء.

في أواخر الثمانينيات، وأنا في الصف السادس الابتدائي، كان الأطفال قلّما يخالطون الكبار إلا للضرورة. كانت خلافاتُنا تُحلّ بيننا، ما لم يجرِ دمٌ كثير أو يقع أمرٌ غير قانوني فعلاً. أذكر يومًا مشمسًا كنتُ أركب دراجتي مع أصدقائي على المنحدر الشديد بجانب المدرسة، وإذ بعصابةٍ من المشاغبين تقترب وتقول إن هذا المنحدر ملكُهم، وإن علينا ألا نمرّ به بعد الآن. لم نقتنع بكلامهم، فاقترحوا معركةً تُحسَم بها حقوقُنا في التل، وطلبوا منا أن نذهب إلى البيت ونجمع أسلحتنا ونعود بعد ساعة.

كنا متحمّسين جدًا؛ لم نخض معركةً جماعيةً من قبل. كنت قد شاهدتُ مؤخرًا مسرحية «قصة الحي الغربي» في مسرح المجتمع المحلي، فصرتُ أظنّ أنني أفهم شيئًا من ترتيبات المعارك. جمعنا عصيًّا من حديقة بيتي، وتدرّبنا على حركات خاصة سنستعملها في اليوم الموعود. كنتُ قد أخذتُ بعض دروس الكاراتيه في مجمّع تجاري صغير وسط المدينة، فشعرتُ أنني جاهز. حملنا عصيّنا وعدنا إلى المنحدر. تأخّر المشاغبون، فبدأنا ننزل على الدرّاجات حتى ظهروا.

ولحسن حظّنا أننا لم نكن نتوقّع أن يأتوا بأسلحة حقيقية. كنت أتخيّل عصيًّا إضافية، أو سكّينًا بلاستيكيًا تنزلق نصلتُه إلى المقبض عند الطعن، وربما قوسًا وسهامًا ذات كؤوس ماصّة. أما هؤلاء، فقد جاء أحدهم يلوّح بسلسلة حديدية ثقيلة، وجاء آخر بفأسٍ على كتفه، والثالث بأنبوبٍ صدئ يوحي بالتيتانوس. أُصبنا بالذهول. أمعركةٌ حقيقية هذه؟ لم نوقّع على معركةٍ حقيقية! أدرنا درّاجاتنا وهربنا بأسرع ما يمكن، من غير أن نفعل حركةَ الأصابع والهسهسة التي حلمنا بها.

بعدها جلسنا في «نادينا السريّ» تحت شجيرة ضخمة قرب مرآب البيت، نستهزئ بأسلحتهم المتوحّشة وبقصّات شعرهم الغريبة. خطّطنا لفخاخٍ معقّدة قبل أن نعود إلى المنحدر، وتخيّلنا الردودَ البارعة التي كان يجدر بنا قولها. لكن لم يخطر ببالنا أبدًا أن نذهب إلى شخصٍ بالغ ونقول له إن بعض أطفال الحي مستعدون لتقطيعنا بالفأس لأننا كنّا ننزل بدرّاجاتنا من تلٍّ عامّ.

ما أذكره من تلك المرحلة شعورٌ قويٌّ بالانتماء؛ انتماءٌ إلى مجموعة أصدقاء الجيران، وأيضًا إلى شيءٍ أكبر لم أستطع تسميتَه حتى وقتٍ قريب، وهو «فئة الأطفال». في الثمانينيات كان لا يزال هناك خطٌّ واضح بين الكبار والأطفال، إطارٌ من الأدوار المتوقعة، وكان هذا الإطار متماسكًا إلى درجة أنه بدا شبه ملموس؛ يحفظه اتفاقٌ اجتماعي واسع. كان حدًّا شبه نافذ يحفظ عالَمَنا. لنا ثقافةُ الأطفال، وللكبار ثقافتُهم، ولا يختلطان إلا في الحالات الطارئة.

لو سُئلتُ حينها عن هذه البنية الاجتماعية لما عرفتُ كيف أسميها؛ فآخرُ ما يلحظه السمكُ هو الماء. لكنها كانت تأسرني، وأعثر عليها مرارًا في الحكايات. أحببتُ حريةَ «أوبي» في المدينة الصغيرة في مسلسل آندي غريفيث، واعتمادَ «سام غريبلي» على نفسه في رواية «جانبي من الجبل»، وكفاءةَ «براين روبسون» التي اكتسبها بصعوبة في رواية «الفأس». لكن أكثر الكتب التي أحببتُها في المرحلة الابتدائية كانت رواية «الولد المزارع» للورا إنغالز وايلدر. كان سببُ حبي لها أوصافَ الوجبات الضخمة أولاً، لكنني أحببتُ أيضًا صورةَ مجتمعات الاستيطان الزراعي الصغيرة، حيث يعمل الأطفال خارج البيت تعلّمًا لمهاراتٍ نافعة حتى يكبروا ويتولّوا المسؤولية. تمنّيتُ أن آكل بطاطا طازجةً في الحقل، وأغسل الخراف في النهر، وأركب عربةً فوق كومة قشّ ضخمة. أردتُ أن أكبر وأصبح مزارعًا مثل «ألمنزو». على أن الخيار كان بين هذا ورائدِ الفضاء، أو الماسك في فريق ديترويت للبيسبول.

يقرأ  اعتقال مشتبه به بأنه جاسوس فرنسي في مخطط انقلاب مزعوم بمالي

إن كانت رواية «الولد المزارع» درسًا في الهندسة الخفية التي تفصل الأطفال عن الكبار، فهي أيضًا درسٌ في التسلسل الهرمي. لاحظتُ وأنا في الحادية عشرة أن المجتمعات في هذه القصص تقوم على هرمٍ غامض: الرجال فوق النساء، وأهل المزارع فوق أهل المدن، والكبار فوق الأطفال، والبيض فوق السكان الأصليين، والجميع فوق الحيوانات. كان ألمنزو ينتظر حتى يُقدَّم الطعامُ إلى كل البالغين والأطفال الأكبر سنًا قبل أن يأكل، رغم جوعه الشديد بعد يوم عملٍ طويل. وكان عليه أن يجلس في صمتٍ على المائدة، ولا يقول إلا «شكرًا». وكان عليه أن يلتزم السكون طوال قداسٍ يستمر ساعتين وعيناه على الواعظ؛ وبعد انتهاء القداس، لم يُسمَح للأطفال بالركض أو اللعب، لأن الأحد يومٌ للكنيسة فقط. وكان يخنق قلقلَه عندما يأتي «فتيان هاردسكرابل» إلى المدرسة ليتحرّشوا بالمعلّم؛ ولم يرتَحْ إلا حين استعاد المعلّمُ «كورس» السيطرةَ بسوطٍ خاص بالثيران.

أذكر هذه الأمثلة لأنني لا أريد أن أُضفي هالةً رومانسيةً على عزل الأطفال في الماضي؛ فقد كان ذلك العزل مبنيًّا غالبًا على الهرمية والإقصاء والصمت. وبحلول الوقت الذي قرأتُ فيه تلك الرواية، كان هذا الهرم قد تعرّض لتحدياتٍ واسعة لأسباب وجيهة. بدأنا نشكّك في الأدوار الموروثة والهويات الجاهزة والصمت الذي كان يُفرض بالخوف من العنف. لقد حفظ ذلك الحدُّ جوانبَ من الطفولة، لكنه فرض أيضًا القمعَ والإقصاء. كان للأطفال عالمُهم الخاص، لكنهم لم يملكوا قوةً تُذكر في العالم الأكبر.

مع التحوّلات الصناعية والتمدّن والتعليم الإلزامي وإصلاح قوانين عمل الأطفال وعلم النفس وحركات حقوق الطفل، تغيّرت الحياةُ الأسرية وبدأت البنيةُ القديمة بين الكبار والأطفال تتصدّع. أدركنا أهمية أن يُعطى الأطفالُ صوتٌ وكرامةٌ وحمايةٌ من الاستغلال والخوف. ففي الماضي، ربما بدا الأمرُ أحيانًا وكأن الطفل لا رأيَ له في أحداث حياته، وأحيانًا كان يعيش على الخجل والعقاب والعنف. لكن حين حاولنا تصحيح المسار، وقعنا في خطأين واضحين: نسينا أن صوت الطفل ليس مثل سلطة الكبار في التصرّف، وأن الحماية من الأذى ليست هي الحماية من كل شعورٍ بعدم الراحة.

في قصة التلّ يومذاك، لم نُبلِغ عن أولئك الأطفال؛ لأن تلك لم تكن طريقةَ التعامل في ذلك الزمن. كنّا نعرف أن احتمال أن نوقع أنفسنا في مشكلة يزداد كثيرًا بمجرد تدخّل شخصٍ بالغ. كنّا نعرف، بوعيٍّ جزئي، تعقيدَ ما قد يحدث للمشاغبين لو أبلغنا عنهم، وأن احتمال تقطيعهم لنا فعلاً كان ضئيلاً. لكن الأهم أننا كنّا نعتقد أننا قادرون على التدبير. كنّا نثق ببعضنا، ونعرف حدودَ ما نستطيعه من دون حاجةٍ إلى الكبار. وربما كنّا نبالغ أحيانًا ونظنّ أننا نفهم معظم الأمور أفضل من الكبار، لأننا نعرف لغةَ الأطفال وقواعدَهم وهم لا يعرفونها. كانت للطفولة ولاءاتُها، وكان لها قانونُ انتماءٍ قاسٍ أحيانًا. لم أستطع رؤية هذا الوعاء الكبير للانتماء أو تسميتَه بوضوح حتى صرتُ مدرّسًا، ورأيتُ يومًا بعد يومٍ شكلَ غيابِه.

يقرأ  مدرب جنوب أفريقيا يوجّه رسالة صارمة للمنتقدين: «اصمتوا» قبل المباراة الثانية في كأس العالم 2026

اليوم أرى غيابَ وعاء الطفولة في مكتب المدير، حين يأتي طالبٌ ليطلب وساطةَ الكبار بسبب خلافٍ حصل في الكافتيريا. أراه في ساحة اللعب، حين يحتاج الطلاب إلى حكمٍ بالغٍ ليُدير مباراة كرة قدم، وإلا تحوّلت إلى صراخٍ ومشاجرة. أراه في الصف، حين يستمع الطلاب إلى التعليمات ثم يحدّقون في صفحةٍ بيضاء ويرفعون أيديهم قائلين: «ماذا أفعل؟» أراه حين يقف طالبٌ على بُعد ثلاثة أقدام من شخصٍ بالغ ويقول أشياءَ من الواضح أنها من عالم الأطفال، وكأن الكبير مجرد شجرةِ زينةٍ أو علاقة معاطف.

هذه هي المفارقة الغريبة في انهيار عالم الأطفال: الكبار صاروا مستهلَكين أكثر من اللازم، وفي الوقت نفسه غير محسوسين بما يكفي؛ وهذان عرَضانِ لكون الحدّ بين الكبار والأطفال صار مساميًّا أكثر من اللازم. يستدعي الأطفالُ الكبارَ بسرعة حين يصعب عليهم تدبير خلافٍ عادي مع أقرانهم، لكن حضورَ الكبار لا يسجَّل عندهم كحدٍّ فاصل. الكبار موجودون في كل مكان، لكنهم ليسوا دائمًا في دور الكبار. نحن قريبون منهم بما يكفي لكي نُدير ونوسّط وننقذ، لكننا لسنا منفصلين بما يكفي لكي نحفظ شعورَ وجودِ عالمٍ خاصٍّ بالأطفال. صرنا كبالغين متاحين أكثر من اللازم كمديرين، وعاديين أكثر من اللازم كخلفية. والنتيجة: فصلٌ أقل، وخصوصيةٌ أقل، وثقةٌ بالأقران أقل، وانتماءٌ إلى الطفولة نفسها أقل.

قبل أن يقفز القارئ إلى الاستنتاج، سأقول إن هؤلاء الطلاب ليسوا أقل قدرةً من طلاب الماضي. في نواحٍ كثيرة، مهاراتُهم اليوم تفوق مهاراتي في سنّهم. الذي ألاحظه هو أننا عندما ابتعدنا ثقافيًّا عن الحكم السلطوي الصارم على الأطفال، أزلنا بالصدفة بنيةً كانت تتيح للأطفال مساحةً ليواجهوا الصعوبات معًا. تلك البنية أعطتهم عالمًا خاصًّا بهم، والكبارُ قريبون منهم، لكن ليس قريبين إلى درجة تجعل كل صعوبةٍ تُحال إلى أيدٍ كبرى.

أعتقد أننا نستطيع أن نجمع بين الأفضلين. حين أفكر في أسعد لحظات طفولتي، أكثر الذكريات وضوحًا عندي هي تلك التي كنتُ فيها غارقًا في عالم الأطفال، حين كان الكبار يثقون بقدرتنا ويتركوننا نجرب أشياء صعبة، ونخطئ، ونعيد التفكير، ونحاول من جديد. لم أكن أعرف حينها أن هذه النشاطات تدرّبني على مهاراتٍ معرفية؛ كالانتباه، والتنظيم، وضبط الانفعالات، والمرونة، والمبادرة، وغيرها، وهي مهارات جعلتني أكثر نجاحًا كإنسانٍ بالغ حين جاء الوقت المناسب.

يقرأ  واشنطن تطلب من أنثروبيك حظر الوصول العالمي إلى أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي: لماذا يهم الأمر؟

الأطفال لا يحتاجون إلى حمايةٍ من وعاء الطفولة نفسه. يحتاجون إلى حمايةٍ من الأعباء بحجم الكبار: القلق المالي، ومشاكل العلاقات بين الراشدين، والمحتوى الجنسي للبالغين، والكوارث، والسخرية السوداء. لا أقصد إخفاءَ الحقيقة عنهم، بل إن الحقيقة لا بد أن تصل إليهم على لسانِ بالغٍ هادئٍ مستقر، بلغةٍ تناسب نموّهم، حتى يظلّ عالمُ طفولتهم آمنًا.

ويحتاج الأطفال أيضًا إلى «صعوباتٍ بحجم الأطفال». يحتاجون مساحاتٍ يحلّون فيها خلافاتٍ منخفضة الخطورة بأنفسهم، ويمارسون كفاءةً بمقاسهم من دون تدخّل الكبار، ويشعرون بعمقٍ أن للطفولة فئةً خاصة. أما الآن، فقد حرّرنا الأطفال من القمع ببراعةٍ لدرجة أننا دمّرنا وعاءَ الطفولة نفسه.

يستطيع الكبار أن يساعدوا بعدم تحويل أزمات عالم الأطفال إلى طوارئَ من عالم الكبار. الوعدُ المكسور، والسرُّ المُذاع، وخصامُ ساحة اللعب، والقواعد غير العادلة: تجاربُ حقيقية ومؤثرة، لأن إحساس الطفل بالعدالة جزءٌ مهم من الشعور الحقيقي بالانتماء، عند الأطفال والكبار على السواء. لكن جزءًا من الرعاية الكبيرة هو تعليم الأطفال «حجمَ المشكلة»: المؤلم ليس خطرًا دائمًا، وغير المريح ليس ضارًّا دائمًا، والعاجل ليس طارئًا دائمًا.

هذا عملٌ ليس يسيرًا. نحن نصارع ضغوطًا متزايدة في العالم الحديث؛ متطلباتِ الوقت المرهقة، والمسؤوليةَ المالية، وإرهاقَ اتخاذ القرارات، والإحساسَ بالإرباك، في مجتمعاتٍ أكثر تفتّتًا مما كانت عليه. ونصارع انهيارَ الثقة في المؤسسات بعد عقودٍ من سوء التدبير المتصوَّر. ونصارع الإنترنتَ الذي يعرض على الكبار صورًا لا تنتهي لما يمكن أن يحدث لأطفالهم إذا لم يكونوا يقظين، ويمنح الأطفالَ في الوقت نفسه بوابةً مباشرةً إلى عالم الكبار الذي نريد حمايتهم منه. فلا عجب أن ثقافتنا كلها صارت مبنيةً على حماية الأطفال من أي انزعاج، ولا عجب أن كثيرًا من البالغين نسوا، أو ربما لم يتعلّموا أصلًا، كيف يدَعون الأطفال يعيشون طفولتهم. فإبعادُ أنفسنا إلى الهامش صار يبدو وكأنه تخليٌّ عنهم، أو إهمالٌ لهم.

ليس هناك حلٌّ بسيط لهذه المشكلة، لأنها تتغذّى من الأفراد ومن النظام معًا. ومع ذلك، يمكننا أن نبدأ في فكّ العقدة من خلال تأمّلٍ ذاتي شخصي. هذا الحلّ يتطلّب من البالغين أن يطوّروا نوعًا من الحكم والتمييز لم يعلّمنا إياه كثيرٌ من الناس: أن نميّز بين الضيق والخطر، وبين عدم الراحة والأذى، وأن نبتعد عن النزاعات الصغيرة بين الأطفال، وأن نتعلّم ألا نُلقي على الأطفال أحاديثَ من عالم البالغين.

لسنا بحاجة إلى إعادة الأطفال إلى التلّ وفي أيديهم عصيّ، ليخوضوا معركةً ضد مواسير صدئة ومشاغبين ذوي قصّات شعر غريبة. لقد كان العالمُ القديم للطفولة يستحقّ أن يُرفض، وكانت حدوده القاسية تستحقّ التحدّي. لكن الأطفال ما زالوا بحاجة إلى عالمٍ خاصٍّ بهم. إنهم بحاجة إلى بالغين قريبين منهم بما يكفي ليحموهم من الأذى الحقيقي وأعباء الكبار، لكن ليس قريبين إلى الدرجة التي تجعل كل شعورٍ بعدم الراحة ينتقل إلى أيديهم الكبيرة. الأطفال يحتاجون صوتًا وكرامةً وأمانًا، ويحتاجون أيضًا مساحةً يتدربون فيها، معًا، على الصعب.

أضف تعليق