منحت كوريا الجنوبية أول عقد إنتاج ضخم لروبوت عسكري متعدد الاستخدامات إلى شركة “هانوا للفضاء”، لكن القصة الحقيقية خلف هذا القرار، وفقًا لشركة “جلوبال داتا” المختصة بتحليل بيانات الصناعات الدفاعية، لا علاقة لها بالروبوتات المتطورة، بل بنقص حاد في أعداد الشباب المتاحين للخدمة العسكرية.
فقد اختارت إدارة برامج الاستحواذ الدفاعي الكورية الجنوبية مركبة “أريون-سميت” البرية غير المأهولة من إنتاج هانوا في يوليو/تموز 2026، ليكون هذا العقد أول إنتاج ضخم لمركبة من هذا النوع في البلاد. ومن المتوقع أن تدخل الخدمة بين عامي 2027 و2028، كجزء أساسي من مبادرة تحديث الجيش المعروفة باسم “تايجر 4.0″، التي تهدف إلى رقمنة القوات البرية وربطها بشبكات قيادة وسيطرة حديثة.
وقد تراجع حجم الجيش الدائم من حوالي 560 ألف جندي في عام 2019 إلى نحو 450 ألف جندي في عام 2025. والسبب الرئيسي هو انخفاض معدلات المواليد، الذي أدى إلى تقليص أعداد الشباب المؤهلين للتجنيد الإلزامي. وتقول جلوبال داتا إن عقد “أريون-سميت” جاء كاستجابة مباشرة لهذا العجز في القوى البشرية، وليس كمحاولة لسد فجوة تكنولوجية مع جيوش منافسة. وتتوقع الشركة أن تنفق كوريا الجنوبية حوالي 140 مليون دولار على شراء المركبات البرية غير المأهولة حتى عام 2036، لتغطي مهام مثل نقل الإمدادات، والاستطلاع وجمع المعلومات، وإبطال القنابل وإزالة الألغام. وهذه مهام كانت تتطلب في السابق أن يحمل الجنود معدات ثقيلة أو يدخلوا مناطق خطرة سيرًا على الأقدام.
ويوضح توشار مانجور، المحلل في مجال الطيران والدفاع لدى جلوبال داتا، حجم الضغط الديموغرافي الذي يحرك هذا القرار بأرقام صارخة، فيقول إن عدد الشباب المؤهلين للخدمة العسكرية الفعلية انخفض بنسبة 29 بالمئة خلال العقد الماضي. ويضيف أن معهد كوريا لتحليل الدفاع يتوقع أن يصل هذا العدد إلى حوالي 100 ألف فقط بحلول عام 2038. ويرى أن إعادة هيكلة الوحدات أو تمديد مدة الخدمة لن تكفي لتعويض انخفاض بهذا الحجم، لذلك لا بد من استبدال الجنود بآلات على مستوى الفرق الصغيرة. فالمركبة التي تحمل المعدات، وتنفذ استطلاع الطرق، وتنقل الجرحى، تعيد الجنود إلى مهمتهم الأساسية في القتال بدلًا من تحميلهم أعباء النقل. ويختتم قائلًا إن المطلوب هنا ليس عقيدة عسكرية جديدة، بل مجرد حساب بسيط.
المركبة التي ستساعد في سد هذه الفجوة ليست جديدة على الاختبارات؛ فقد اكتسبت خبرة عدة سنوات مع القوات الكورية والأمريكية قبل حصولها على هذا العقد. واسم “أريون-سميت” يختصر عبارة تعني “أنظمة مستقلة وروبوتية للملاحة البرية الذكية، ومعدات نقل صغيرة متعددة الأغراض”. وهي مركبة كهربائية بالكامل بست عجلات، يبلغ وزنها حوالي طنين، وتستطيع حمل حمولة قصوى تصل إلى 550 كيلوغرامًا، والتحرك لمسافة تصل إلى 100 كيلومتر بالشحنة الواحدة. تبلغ سرعتها القصوى 43 كيلومترًا في الساعة على الطرق المعبدة، و22 كيلومترًا في الساعة على الطرق الوعرة. وتشمل قدراتها التحكم عن بعد، والملاحة الذاتية في الأراضي الوعرة، ووضعية تتبع الجنود المشاة دون الحاجة إلى مشغّل مخصص. كما يمكن تركيب محطة أسلحة موجهة عن بعد قادرة على رصد نيران العدو والرد عليها تلقائيًا، لكن العقد الكوري الحالي يركز على الدور اللوجستي والدعم غير المسلح، وليس على هذه النسخة القتالية.
الطريق الذي أوصل “أريون-سميت” إلى هذا العقد الكوري مر عبر الجيش الأمريكي مباشرة، وهذه التفاصيل يعتبرها مانجور أكثر أهمية من الجائزة المحلية نفسها. فإجراء التقييم من قبل الجيش الأمريكي يضع مركبة كورية داخل منظومة اختبار أمريكية، وهو السبيل العملي لضمان التوافق مع القوات الأمريكية التي قد تقاتل كوريا الجنوبية إلى جانبها في شبه الجزيرة. كما يمنح هانوا بيانات اختبار من حليف رئيسي، يمكنها عرضها على عملاء أوروبيين وخليجيين، وهذا هو الفرق بين مصدّر موثوق ومجرد مورّد محلي.
هذا التقييم جرى في أواخر عام 2023، عندما أصبحت “أريون-سميت” أول مركبة برية غير مأهولة طورتها كوريا الجنوبية تكمل برنامج الاختبارات الأجنبية المقارنة التابع لوزارة الدفاع الأمريكية. وأجرى سلاح مشاة البحرية والجيش الأمريكيان الاختبار معًا على مدى أسبوع تقريبًا في قاعدة لمشاة البحرية في هاواي، حيث أدت المركبة مهام نقل الوقود والغذاء والماء، بالإضافة إلى محاكاة إجلاء الإصابات. وقد أعطى ذلك هانوا مجموعة من بيانات الأداء المعتمدة أمريكيًا، أصبحت تستخدمها في المحادثات مع مشترين محتملين خارج كوريا الجنوبية.
وقبل هذا العقد، كانت طموحات هانوا الأوسع قد ظهرت في وقت سابق من العام عندما أقامت شراكة مع شركة “ميلريم روبوتيكس” الإستونية، وهي من أبرز مطوري المركبات البرية غير المأهولة في أوروبا، وصانعة منصة “ثيميس” المصدرة على نطاق واسع. وهدف الشراكة هو التقدم معًا للمشاركة في برنامج رومانيا لشراء المركبات البرية غير المأهولة، عبر دمج خبرة هانوا في المركبات ذات العجلات مع خبرة ميلريم في المركبات المجنزرة. ويعكس هذا التوجه استراتيجية يعتقد مانجور أن عقد كوريا الجنوبية الأخير يعززها، لأن تركيز برامج محلية متعددة تحت شركة واحدة يمنحها حجم إنتاج يكفي لخفض الأسعار قبل أن تشتد المنافسة الدولية في هذا المجال.
ويضيف مانجور أن هانوا الآن تملك عقودًا في كل خطوط إنتاج المركبات البرية غير المأهولة الكورية الرئيسية تقريبًا، وهذا يعطيها حجمًا يسمح بخفض تكلفة الوحدة قبل أن تتصاعد المنافسة على التصدير. كما أن سيول لم تتخذ بعد قرارًا بشأن مركبة قتالية متخصصة، والمنصة متعددة الأغراض القادرة على استقبال محطة أسلحة تبقى هذا الخيار مفتوحًا.
ويشير تحليل جلوبال داتا إلى أن برنامج “أريون-سميت” وحده يمثل حوالي ربع إجمالي الإنفاق الكوري المتوقع على المركبات البرية غير المأهولة حتى عام 2036. وهذه النسبة تعكس المرحلة المبكرة التي لا يزال يعيشها هذا القطاع من السوق الدفاعي، بقدر ما تعكس موقع هانوا الحالي فيه. ولم يُحسم بعد ما إذا كانت سيول ستتجه في النهاية إلى نسخة قتالية مسلحة من المركبة. ويبقى هذا القرار مفتوحًا لأن المنصة متعددة الأغراض الحالية يمكن أن تستقبل محطة أسلحة دون الحاجة إلى برنامج استحواذ منفصل إذا ظهرت الحاجة لاحقًا.
القصة الأعمق إذن خلف الجندي الآلي الكوري الجديد ليست عن الروبوتات نفسها. إنها عن دولة تنفد منها أعداد الشباب القابلين للتجنيد، وتُراهن على أن الآلات قادرة على تحمل جزء كبير من الأعباء البدنية للخدمة العسكرية، بحيث يستطيع الجنود القلائل الباقون قضاء وقت أطول في القتال الفعلي بدلًا من حمل المعدات. وهذه الرهان ستدرسه جيوش أخرى حول العالم تعاني من الشيخوخة وانخفاض المواليد، خاصة وأن أعداد المجندين لديها بدأت تدخل في نفس الانحدار البطيء.