تمرّ أوكرانيا بأربع سنوات منذ بداية الغزو الروسي الشامل، وفي هذا السياق تحدث دميترو كوليبا، وزير الخارجية السابق (2020–2024)، إلى الجزيرة عن كيف تحوّلت التوقّعات المبكرة لحرب قصيرة إلى صراع مرهق بلا نهاية واضحة في الأفق.
كوليبا، الذي يشغل الآن منصب أستاذ مشارك في جامعة ساينس بو بفرنسا وزميل غير مقيم في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، أجاب على أسئلة الجزيرة عبر رابط مرئي من كييف حيث يقيم. أجريت المقابلة وقد جُهّزت بصياغة أخفّ للحفظ على الوضوح والإيجاز.
هل ثمة مجال للتفاؤل؟
التفاؤل يجب أن يكون مبنياً على الواقع. لا أرى وقفاً لإطلاق النار قبل نهاية الشتاء — وليس بالمعنى التقويمى فقط، بل بمعيار درجات الحرارة والظروف الجوية. يسعى [فلاديمير] بوتين إلى تدمير منظومتنا الطاقوية وإدخال ملايين الأوكرانيين في برد وظلام بغرض كسر عزيمتهم، لا لبلوغ اتفاق حسن النية. بعد انتهاء الشتاء تظهر فرصة ضئيلة لوقف إطلاق النار، وتحويل هذه الفرصة إلى واقع يعتمد على عاملين: أولاً، ما إذا كانت رووسيا قادرة على تحقيق تقدّم على ساحات القتال، إذ إن أي تقدم سيمنحها سبباً للاستمرار؛ ثانياً، حال انهيار الاقتصاد الروسي تحت وطأة المشكلات المتصاعدة.
هل تفاوض روسيا بنية حسنة أم تشتري وقتاً الآن؟
على مدى تاريخه، لم تشتهر الروسيا بالتفاوض بنية حسنة. هم يختبرون ما يمكنهم كسبه على طاولة المفاوضات بدلاً من تحقيقه بالقوة، وفي الوقت نفسه يناقشون تفاصيل فنية محتملة لوقف إطلاق النار فقط لوضع إطار على الطاولة. لكنّ الحديث الجدي لا يعني بالضرورة نية صادقة. بوتين مقتنع بأنه قادر على الانتصار؛ يعتقد أنه يحقق تقدّماً وأنه سيحلّ مشكلات الاقتصاد الروسي، واستراتيجيته تقوم على فكرة سقوط أوكرانيا قبل سقوطه.
هل كنت تتوقع الوضع الحالي في فبراير 2022؟
مع اندلاع الحرب، غريزتك الأولى تقول إنها لن تطول؛ يكفي أن تصمد في الهجمة الأولى ثم يدرك الخصم فشله. ومع ذلك، يجب أن تبقي دائماً احتمال استمرارها لفترة أطول في الحسبان. هل توقعت حرباً تدوم أربع سنوات؟ لا. لكن هل حضرت نفسي لاحتمال حرب طويلة؟ نعم، كان هذا الاحتمال موجوداً في الخلفية.
ماذا يعني النصر الآن بالنسبة إليك؟
بدأ الأمر ككابوس، ثم بحلول نهاية 2022 استعدنا نصف المساحات التي خسرتها روسيا في الشهور الأولى ودفعناها للخلف على محاور قديمة، وكانت معنويات البلاد والقيادة مرتفعة. عندئذ عُرف النصر بأنه استعادة حدود 1991 التي كانت قائمة قبل ضم القرم وتدخل روسيا في الشرق عام 2014. لكن هذا الأمل فشل في اجتياز اختبار الواقع بنهاية 2023 بعد أن أخفقت هجمتنا الكبرى المضادة. منذ ذلك الحين صار من الصعب على الساسة والشعب إعادة تعريف النصر والحديث عنه، وهذا خطر كبير، لأن من لا يحدد هدفه النهائي لن يحرزه.
تعريفي الحالي للنصر الآن هو: وقف إطلاق نار على طول خطوط الجبهة الحالية لإيقاف الأعمال العدائية، وإقرار هدنة مؤقتة بين أوكرانيا وروسيا مع برنامج دعم عسكري طويل الأمد متعدد السنوات، وإطلاق خطة إعمار بمليارات الدولارات، وأن تُعترف أوكرانيا كعضو في الاتحاد الأوروبي. لا بد أن يُعرّف النصر ليس فقط مقابل أهدافنا، بل أيضاً مقابل الأهداف الأولية للعدو. وإذا عدنا إلى 2022 واعتبرنا أن هدف روسيا كان تفكيك الدولة الأوكرانية وإعادتها لتحت سيطرتها الكاملة، فهنا فشلت روسيا.
هل الغرب متوافق مع رؤيتكم؟
القول إن «الغرب» موجود ككتلة موحدة بالشكل الذي اعتدنا التفكير فيه لم يعد دقيقاً. أوروبا متماسكة إلى حد كبير، وهناك دول خارج أوروبا كانت جزءاً مما كنّا نسميه الغرب متفقة أيضاً، مثل اليابان وأستراليا ودول أخرى. أما الولايات المتحدة فتنتهج الآن رؤية مختلفة إلى حدّ ما؛ فهناك رغبة قوية في إنهاء الأعمال العدائية بأي ثمن.
ما ضمانات الأمن التي تحتاجها أوكرانيا لكي يستمر وقف إطلاق النار؟
الضمان الحقيقي هو قبول روسيا بحق أوكرانيا في الوجود كدولة مستقلة ذات سيادة وانتماء أوربي. أي حل مؤقت بين وقف إطلاق النار وقبول هذه الحقيقة سيظل حلّاً هشاً وسيؤدي إلى نزاع متجدّد بأشكال مختلفة.
هل لا تزال هناك روح تحدّ عند الأوكرانيين؟
لقد انتصرنا في معركة الشتاء؛ كانت معركة العزيمة والقدرة على الصمود، وكان بوتين يأمل أن ننكسر، ففشل في ذلك. نحن مرهقون، لكننا لسنا منكسرين.
الجزيرة: ماذا تقولون لداعمي أوكرانيا الذين أعربوا عن قلقهم إزاء فضائح الفساد الأخيرة؟
كوليبا: قضية فساد كبيرة دائماً تثير رد فعلَين مختلفَين.
أولاً، إذا كان هدفك هو إثبات أن أوكرانيا فاسدة، فتركز على حجم منظومة الفساد وتُظهر كم كانت واسعة.
ثانياً، إذا أردت أن تُظهر أن أوكرانيا نجحت في تأسيس بنية قوية ومرنة لمكافحة الفساد، فتشير إلى أن الوزراء وكبار المسؤولين لم يعودوا بمنأى عن الملاحقة القضائية، وأن هيئات مكافحة الفساد تقوم بعملها.
أظنّ أن أوكرانيا في الواقع تقدم نموذجاً للعديد من الدول حول كيفية مواجهة الفساد في ظل ظروف شديدة التحدي، وأن ما يحدث هنا دليل على وجود مؤسّسات تُطبق القانون، لا على إفلات النخبة من المساءلة.
الجزيرة: بوصفك وزير الخارجية بين 2020 و2024، تعاطيت مع بلدان الجنوب العالمي، خصوصاً في أفريقيا. ماذا تعلمت عن جاذبية بعض سرديات روسيا؟
كوليبا: أولاً، تأثير روسيا في دول الجنوب العالمي مُقدَّرٌ بأكبر مما هو عليه في الواقع.
روسيا ليست قوية بذاتها؛ قوتها تتعزّز بوجود الصين إلى جانبها، والصين اليوم قوة هائلة في أنحاء العالم.
ثانياً، الأمر ليس لأن شعوب الجنوب تميل إلى روسيا، بل لأنهم لا يروق لهم الغرب أو ما تَرَكَه الغرب خلفه.
المشاعر المعادية للغرب، المعادية لأوروبا وأميركا، قوية جداً لدرجة أن كثيرين يَتَضامنون مع السرد الروسي لمجرّد أنه معادٍ لأوروبا… لا لأن لديه حجة قوية بحد ذاته.
الدرس الثالث هو أنك لا تستطيع أن تأتي بمطالبات متسلطة؛ فقد اكتسبت هذه الدول سماكة في الجلد أمام زائرين يأتون إلى عواصمهم يطالبون ويأمرون.
الجزيرة: هل لاقت تجربة أوكرانيا صدى عندهم، خصوصاً فيما يتعلق بالسيادة؟
كوليبا: لا. مثلاً في أفريقيا، فهمهم للاستعمار متجذّر: رجل أبيض يضطهد رجلاً أسود. لذلك، بالنسبة إليهم، رجل أبيض يضطهد رجلاً أبيض آخر… أمر سيء لكنه لا يُعد استعماراً بالمعنى الذي يفهمونه.
فقدتُ الوقت في هذا النقاش. هذه الأمم تنظر إلى الأمام؛ عندما يتعلّق الأمر بدول مثل أوكرانيا، فهم لا يريدون سماع حكايات المظالم أو المقارنات التاريخية.
هم يريدون أن يعرفوا كيف يمكنهم أن يتعاملوا تجارياً معك من دون أن ينفّروا روسيا.
الجزيرة: ما مدى أهمية الجنوب العالمي في تشكيل عملية سلام محتملة ومستقبل أوكرانيا؟
كوليبا: علينا أن نكن محترمين، لكن صريحين. أنا في الحقيقة أشكّ في وجود كيان موحّد يُسمى «الجنوب العالمي»، لكن لنقل إن الجزء المسمى بذلك من العالم لا يرغب في المجازفة بالتورّط في جهود تسوية النزاع.
بعض الدوّل تملك نفوذاً حقيقياً، وبعضها أساسيّ في التوسط لإحراز سلام وجعل الأمور تعمل؛ السعودية ودورها في سوق النفط العالمي، والإمارات التي توفر منصّة للحوار بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. بعض اللاعبين يمكنهم ويجب أن يلعبوا دوراً.