قد تبدو عملية شراء المدارس للخدمات والمنتجات وكأنها شأن إداري هامشي، بعيد كل البعد عن صلب التعليم والتعلّم. لكن بعض صانعي السياسات يرون أن الطريقة التي تشتري بها المدارس أشياء مثل البرامج التعليمية أو خدمات الدروس الخصوصية يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا في مدى تعلّم الطلاب.
وليس بعيدًا عن هذا، بدأت بعض المناطق التعليمية تجرّب أسلوبًا جديدًا في التعاقد يُعرف بـ”التعاقد المبني على النتائج”. في هذا النموذج، لا يُدفع للمورّد كامل المبلغ لمجرد تسليمه المنتج أو الخدمة، بل يرتبط جزء من الدفع بمدى استخدام الطلاب للخدمة فعليًا وتحقيقهم أهدافًا أكاديمية متفقًا عليها مسبقًا. والفكرة من وراء ذلك هي توزيع المخاطر بين المدارس والمورّدين، وخلق حوافز للطرفين ليراقبا عن كثب ما إذا كان التدخل المقدم يحقق أثرًا حقيقيًا أم لا.
هذا النوع من التعاقد مستخدم منذ زمن طويل في قطاع الصحة؛ فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تدفع شركات التأمين لشركات الأدوية مبالغ أقل إذا لم تتحسن حالة المرضى. ومنذ جائحة كورونا، انتشر هذا الأسلوب بسرعة في مجال التعليم، خصوصًا في الدروس الخصوصية والتقنيات التعليمية. وقد أقرت ولاية ميشيغان قانونًا يلزم المدارس باستخدام هذا النوع من العقود للاستفادة من صندوق قيمته 50 مليون دولار مخصص للدروس الخصوصية عبر الإنترنت. كما أن مناطق تعليمية في فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا وأكثر من عشرين ولاية أخرى بدأت تجرّب هذا الأسلوب، وفقًا لمركز التعاقد المبني على النتائج، وهو منظمة غير ربحية تروّج لهذه الممارسة.
أما أول تقييم مستقل لهذا النوع من العقود، فيقدم أسبابًا للتفاؤل وأخرى للحذر. فقد درس باحثون من منظمة “ويست إد” البحثية غير الربحية ومقرها سان فرانسيسكو برامج الدروس الخصوصية والتقنيات التعليمية في ثماني مناطق تعليمية مبكرة التبني في كاليفورنيا وفلوريدا وميسيسيبي وتكساس. وأظهرت ثلاثة من هذه التدخلات مكاسب أكاديمية ملموسة للطلاب. لكن الدراسة لا تصل إلى حد إثبات أن العقود نفسها هي التي تستحق الفضل في هذه النتائج.
واجه الباحثون تحديًا شائعًا في مجال التعليم، وهو كيفية تحديد ما إذا كان تدخل معين هو السبب الفعلي في زيادة تعلّم الطلاب. فتحصيل الطالب يتأثر بعوامل كثيرة، من جودة التدريس والمناهج إلى الظروف العائلية. ولعزل أثر الدروس الخصوصية أو البرمجيات التعليمية المقدمة عبر عقود مبنية على النتائج، قارن فريق “ويست إد” بين طلاب حصلوا على تدخل لأن درجاتهم جاءت أدنى بقليل من حد الأهلية، وبين طلاب مشابهين إحصائيًا حصلوا على درجات أعلى بقليل من الحد فلم يُمنحوا التدخل.
من بين عشر تدخلات كان الباحثون يأملون في تقييمها، لم يُحلل باستخدام هذا المنهج الصارم سوى أربعة فقط. أظهر ثلاثة منها آثارًا إيجابية واضحة. أما الرابع، وهو برنامج دروس خصوصية عبر الإنترنت، فكان من المفترض أن يستمر معظم السنة الدراسية لكنه استمر شهرين فقط، وهي مدة قصيرة جدًا لتوقع أي تحسن يُذكر.
أما بالنسبة للتدخلات الستة الأخرى، فلم يتمكن الباحثون من إجراء مقارنات نظيفة بين طلاب متشابهين، لأن المدارس فعلت ما تفعله عادة: أحيانًا ملأت مقاعد الدروس الخصوصية بطلاب متفوقين لم يكن مفترضًا أن يحصلوا على هذه الدروس، وأحيانًا فشلت في حث الطلاب المؤهلين على حضور البرامج بعد انتهاء اليوم الدراسي. وفي إحدى المناطق، سُمح لجميع طلاب الصف الأول باستخدام برنامج القراءة الإلكتروني إذا لم يحصلوا على درجة كاملة في تقييم رياض الأطفال.
من بين النتائج الأكثر إثارة للاهتمام كان برنامج قراءة يعمل بالذكاء الاصطناعي. فقد تبين أن طلاب الصف الثاني الذين استخدموا هذا المعلم الآلي كانت احتمالية بلوغهم مستوى الإتقان في اختبار القراءة الولائي أكبر بشكل ملحوظ من غيرهم من الطلاب المشابهين الذين لم يستخدموه. لكن البرنامج نفسه لم يُظهر فوائد للطلاب الأكبر سنًا في المرحلة الابتدائية.
تقول بريتاني ميلر، المديرة التنفيذية لمركز التعاقد المبني على النتائج الذي كلف بهذه الدراسة: “هذه نتيجة مهمة جدًا، لأنها تخبرنا بما ينجح مع من، وتحت أي ظروف”. وتشير ميلر إلى أن معظم المدارس كانت “تدفع مقابل خدمات دون أن يكون لديها أي فكرة عما إذا كانت تلك الخدمات تفيد الأطفال، أو حتى ما إذا كان الأطفال قد حصلوا عليها أساسًا”.
وتضيف ميلر أن النتائج المتفاوتة التي يمكن أن تنتج عن هذه العقود، سواء كانت جيدة أو سيئة أو محايدة، مهمة بنفس القدر، لأنها تتيح للمدارس توجيه التدخلات الصحيحة نحو الطلاب المناسبين بشكل أكثر دقة. وتقول: “لأن كل طفل لا يحتاج بالضرورة إلى ثلاثين دقيقة من كل منتج تعليمي كل أسبوع”.
لاحظ باحثو “ويست إد” تغييرات ملموسة في التنفيذ اليومي. فالمدارس والمورّدون كانوا يعقدون اجتماعات منتظمة لمراجعة البيانات، ويراقبون ما إذا كان الطلاب يحضرون جلسات الدروس الخصوصية فعلًا، ويتتبعون تقدمهم نحو الأهداف. كما بذل المعلمون وقادة المدارس جهدًا أكبر لضمان حضور الطلاب.
لكن هناك تحفظًا مهمًا. فالتقييم لا يستطيع الجزم بأن تحسّن التنفيذ يعود إلى الحوافز المالية المضمنة في العقود أم إلى الدعم المكثف الذي تلقيته المناطق التعليمية من مركز التعاقد المبني على النتائج. فكل منطقة مشاركة حصلت على تدريب ومساعدة فنية قيمتها حوالي ثمانين ألف دولار من المركز، لمساعدتها في تصميم العقود وتحديد مؤشرات النتائج ومراقبة التقدم ومعالجة مشكلات التنفيذ.
بعبارة أخرى، اختبر التقييم التعاقد المبني على النتائج مع دعم تنفيذ مكثف، وليس العقود بمعزل عن هذا الدعم. ومن المحتمل أن التدريب والمساعدة الفنية وحدها كانت كافية لحمل المدارس على مراقبة حضور الطلاب للدروس عن كثب، وعقد اجتماعات بيانات منتظمة، وإجراء تصحيحات في منتصف الطريق.
المركز الآن يجرّب نماذج أقل تكلفة، تخفض المساعدة إلى أقل من عشرة آلاف دولار لكل منطقة. ويأمل الباحثون في أن تساعد التقييمات المستقبلية في تحديد ما إذا كانت المناطق التعليمية قادرة على تحقيق نتائج مماثلة بدعم خارجي أقل بكثير، وما إذا كانت العقود نفسها هي المسؤولة عن تلك التحسينات.
كما لاحظ الباحثون آثارًا جانبية غير متوقعة. فبمجرد أن أنشأت المناطق أنظمة بيانات لمراقبة الحضور وتقدم الطلاب في إطار العقود المبنية على النتائج، بدأت تستخدم هذه الأنظمة نفسها لتتبع تدخلات أخرى غير مشمولة بتلك العقود.
يقول شون تانر، الباحث في فريق التقييم من “ويست إد”: “بعض التدخلات لن تنجح سواء وُجد عقد قائم على النتائج أم لا. المهم حقًا للتحسين المستمر هو أن تتمكن المناطق التعليمية من معرفة بشكل دقيق ما إذا كان شيء معين يحقق أثرًا أم لا”. بصفتي باحثًا، أجد نموذج التعاقد المبني على النتائج مثيرًا للاهتمام حقًا، لأنه يبني تجارب طبيعية داخل العملية التعليمية نفسها.
صحيح أن هذا النوع من التعاقد لا يمكن أن يحل محل البحث الأكاديمي، لكنه قد يساعد المدارس على فهم أي التدخلات يحقق نتائج فعلية في الوقت الفعلي، بدلًا من الانتظار لسنوات حتى تكتمل تجربة عشوائية مضبوطة.
التقييم لم يُظهر أن التعاقد المبني على النتائج وفّر أموال المدارس. فمنظمة ويست إد لم تُجرِ تحليلًا رسميًا للتكلفة والفعالية، لكن مقابلاتها مع المناطق التعليمية المشاركة أشارت إلى أن الإنفاق الإجمالي كان مشابهًا للعقود التقليدية. بعض المناطق تحمّلت تكاليف إضافية عندما فشلت في الوفاء بمسؤولياتها، مثل ضمان حضور الطلاب جلسات الدعم. وفي الوقت نفسه، قال بعض الموردين إنهم خسروا أموالًا.
يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا النموذج سيحقق وعده في النهاية. لاحظ باحثو ويست إد أن المناطق التي تعاني من ضغط في الموارد ستواجه صعوبة أكبر في تطبيقه. ورغم أن الباحثين وجدوا نتائج أكاديمية إيجابية في ثلاثة تدخلات، إلا أنهم لا يستطيعون الجزم بما إذا كانت هذه المكاسب ناتجة عن العقود نفسها، أم عن التدريب المكثف الذي حصلت عليه المناطق، أم عنهما معًا. ما تشير إليه الدراسة هو أن العقود يمكن أن تفعل أكثر من مجرد تنظيم المدفوعات؛ إذ يمكنها تغيير طريقة مراقبة المناطق للبرامج التي تشتريها، وإدارتها، والتعلّم منها.
هذه القصة عن تقييم التعاقد المبني على النتائج أعدّها تقرير هيشنغر، وهي منظمة إخبارية مستقلة غير ربحية تغطي التعليم. يمكنك الاشتراك في نشرة بروف بوينتس وغيرها من نشرات هيشنغر الإخبارية.