كيف تغيّر الترامبية العالم؟ | دونالد ترامب

هيمنت المثالية على حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فأنجبت بنية كثيفة من المؤسسات متعددة الأطراف وأطر الحكم التي تقودها الدول الغربية. واليوم، بلغ هذا النظام نقطة تحول تاريخية حاسمة. فالسياسة الخارجية التي صيغت خلال ولايتَي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، القائمة على الأحادية والقومية المصلحية وإعادة ضبط التحالفات التاريخية، تمثّل قطيعة حادة مع القواعد الدولية المعروفة. ومن خلال الجمع بين الضغط القسري والتلاعب الاستراتيجي بوسائل الإعلام، أوجد هذا التحول ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية: "الترامبية".

تقوم الترامبية على تحدّي الافتراضات الأساسية التي حكمت النظام العالمي طوال عقود، عبر التأكيد على السيادة الوطنية وتبنّي خطاب مناهض للمؤسسات القائمة. وهي في جوهرها انتقال متعمّد من قيادة عالمية كبرى تهيمن عليها الغرب، إلى نظام دولي لا مركزي، يتسم بالتفاوض المصلحي والتعاملات القصيرة الأمد.

ركائز السياسة التعاملية

تعتمد الاستراتيجية التشغيلية للترامبية على استبدال الالتزامات المتعددة الأطراف بتركيز صارم على الاقتصاد الوطني والمصلحة الذاتية. فقد باتت العلاقات الخارجية مرتبطة مباشرة بالأولويات الاقتصادية الداخلية، مثل إعادة التصنيع، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، والسيطرة على الطاقة، وتحقيق توازن تجاري، والريادة في القطاع المالي.

ولتحقيق هذه الأهداف، تجنّبت إدارة ترامب الاتفاقيات الدولية الواسعة، وفضّلت التفاوض الثنائي، مستخدمةً الرسوم الجمركية وتدابير التجارة القسرية والعقوبات أدواتٍ أساسيةً للقوة. وقد أثار هذا التوسّع الكبير في العقوبات والإنفاذ القضائي خارج الحدود نقاشات حادة حول القانون الدولي وسيادة الدول وحدود الاختصاص الوطني.

تحت شعار "السلام من خلال القوة"، دمجت الترامبية الأدوات القانونية والاقتصادية والأمنية للضغط على الحلفاء والخصوم معًا. كما حوّلت أنشطة إنفاذ القانون وأهداف الأمن القومي إلى أدوات مباشرة لخدمة السياسة الخارجية. وامتد هذا التوجّه التعاملي إلى منظومات الدفاع الجماعي، لا سيّما حلف شمال الأطلسي، حيث كثّفت الترامبية التدقيق في مسألة تقاسم الأعباء الدفاعية، وأظهرت الفوارق الواضحة التي جعلت الولايات المتحدة تتحمّل نصيبًا غير متكافئ من التكاليف والمخاطر الاستراتيجية.

يقرأ  عشرات الآلاف يفرّون إلى مخيم للاجئين — بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة

الاضطراب المؤسسي والشلل النظامي

أحدثت الترامبية صدمة في كل مستويات الحوكمة العالمية. ففي المنتديات المتعددة الأطراف، أظهرت الإدارة الأميركية تذبذبًا وعدم يقين غير مسبوقين، إذ تراجعت عن اتفاقيات دولية قائمة وانسحبت من مؤسسات متعددة الأطراف. وقد كشف هذا الأسلوب القيادي المتقلّب عن هشاشة عميقة في الحوكمة العالمية، وسرّع من تفكك النظام الليبرالي الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة.

كانت الأمم المتحدة، ولا سيّما مجلس الأمن، من أبرز ضحايا هذا الاضطراب. فقد تضخّمت بسبب سياسات ترامب النقاشات القائمة حول شرعية المجلس وتمثيليته وفعاليته. ويلاحظ المراقبون أن التنافسات الجيوسياسية الراسخة والجمود المؤسسي والتسلسلات الهرمية الموروثة من الحقبة الاستعمارية كانت قد تركت مجلس الأمن مشلولًا، عالقًا في مرحلة ما قبل الإصلاح الحقيقي دون تحقيق تغييرات بنيوية ملموسة. أما انسحاب الولايات المتحدة المؤسسي فقد زاد هذا الجمود عمقًا، وأثار أسئلة جوهرية حول مستقبل الهيئات الأمنية الدولية وقدرتها على البقاء.

ويرى المؤيدون أن إدارة ترامب تسعى إلى فرض إصلاح مؤسسي ضروري عبر انخراط انتقائي على مستوى عالٍ، كالتعاون مع حلفاء متقاربين والتواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة في القضايا ذات الأولوية المشتركة. لكن المنتقدين يعتبرون هذه الخطوات أولويةً للمصالح الوطنية الفورية على حساب الاستقرار العالمي.

صعود نظام متعدد الأقطاب وإقليمي

مع تراجع الولايات المتحدة عن دورها كحارس للنظام العالمي، أصبح الفراغ الناتج حافزًا لإعادة بناء عميقة في السياسة الدولية. فالدول ذات الوزن المتوسط والتكتلات الإقليمية تتقدم بخطى متسارعة لملء فجوات الحوكمة، وتبدأ في بناء أطر إقليمية وتحالفات قائمة على قضايا محددة، وتقدّمها بدائل حيوية أو مباشرة عن المؤسسات الغربية التقليدية.

أشعل هذا التحوّل العالمي نقاشًا واسعًا بين باحثي العلاقات الدولية وصنّاع السياسات حول إرث ترامب. فهناك من يرى أن الاضطرابات التي أحدثها قد تكون حافزًا للإصلاح وزيادة مرونة النظام. فبإجبار الدول متوسطة القوة وغير الغربية على تحمّل مسؤولية أكبر في التنسيق الأمني والاقتصادي الإقليمي، تساهم الترامبية في بناء نظام عالمي أكثر تنوعًا وشمولًا وقدرةً على مواكبة الواقع الجيوسياسي الراهن.

يقرأ  «سيظل مستدامًا لتسعين عامًا»ترامب يدافع عن سجله في الضمان الاجتماعي

في المقابل، يحذّر آخرون من أن انسحاب الولايات المتحدة من الالتزامات متعددة الأطراف قد دمّر ترتيبات الأمن الجماعي وأضعف شرعية المؤسسات. وهم يرون أن تخلّي الغرب عن القيادة فتح الباب أمام تنافس استراتيجي مستدام، وعدم استقرار إقليمي، وفراغات حوكمة خطيرة في المنتديات الدولية الحاسمة.

إعادة تعريف معنى القوة الكبرى

لا يمكن النظر إلى سياسة ترامب الخارجية باعتبارها انحرافًا مؤقتًا أو مجرد تغيير في الأسلوب السياسي الشخصي. إنها تستحق وصف "الترامبية" لأنها أسست نموذجًا متميزًا وقابلًا للتكرار في إدارة العلاقات الدولية. فمن خلال توظيف الدبلوماسية غير المتوقعة بصورة متعمّدة، ووضع الازدهار الوطني قبل استمرارية المؤسسات، والتأكيد على السيادة المطلقة في مواجهة قيود الحوكمة العالمية، تعيد الترامبية تعريف كيفية ممارسة القوى الكبرى لنفوذها في العصر الحديث.

ستترك سياسة ترامب الخارجية بصمة عميقة على النظام الدولي المعاصر. وبمساسها بالأسس التي قام عليها النظام الليبرالي العالمي، ستغيّر ميزان القوى بصورة دائمة، وتدفع العالم نحو مرحلة جديدة قوامها السلطة اللامركزية، والإقليمية المتعاظمة، والبحث المتواصل عن نماذج حكم بديلة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق