لاستعادة سيادتها، على السنغال أن تغيّر تعاملها مع الديون | الديون

في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن صندوق النقد الدولي والسنغال عن برنامج قرض جديد بقيمة 2.2 مليار دولار. جاء ذلك بعد تعليق اتفاق سابق إثر اكتشاف، في يوليو 2024، ديون خفية تعادل نحو 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما رفع الدين العام إلى أكثر من 130 في المائة من الناتج، وهي واحدة من أعلى النسب في أفريقيا.

يمكن وصف ذلك بأنه خيانة ديمقراطية في مسألة الدين: فقد قُدّم للشعب السنغالي، بعد أن كان قد طُمئن إلى أن بلده نموذج للاستقرار الاقتصادي الكلي، فاتورة ظلت تتراكم في الخفاء لسنوات.

أثار الاكتشاف غضبا وجدلا واسعا حول طريقة إدارة السنغال ديونها. اكتسبت فكرة الاستقلال الاقتصادي زخما، وساعدت حزب باستيف الحاكم على الفوز بنحو 80 في المائة من مقاعد البرلمان في انتخابات نوفمبر من ذلك العام.

واليوم، وبعد نحو عامين، أصبح جدول السيادة الذي حرّك الناخبين السنغاليين في خطر، لا عبر التخلي الرسمي عنه، بل عبر تحول تدريجي في الإطار والمفردات والهدف. فالحكومة تتعامل مع المؤسسات المالية الدولية كأنها الملاذ الوحيد لإدارة الدين الخارجي، بدلا من البحث عن بديل أقل إيلاما.

الانتقاد

ظلت السنغال واحدة من أكثر البلدان استمرارا في برامج صندوق النقد الدولي. وقد طلبت مساعدته مرارا منذ عام 1979.

أنتج التعديل الهيكلي الذي فرضه الصندوق والبنك الدولي ركودا وتزايدا في الفقر، من دون تحول اقتصادي. كما فكك بصورة منهجية البنية المؤسسية التي كان يمكن عبرها تحقيق التغيير الاقتصادي.

وفي عام 2004، وافق الصندوق على إعفاء السنغال من الدين في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، فأُلغي نحو 488 مليون دولار من ديونها، لكن كان عليها قبول شروط تعديلية، من بينها خصخصة الشركات العامة وإلغاء القيود التنظيمية، ما أثر على الوصول إلى الخدمات الأساسية والعمل اللائق والمشاريع الصغيرة والفقراء. كان الإعفاء حقيقيا، أما التحول الهيكلي الذي كان المفروض أن يمكّنه فقد بقي بعيد المنال.

والسؤال اليوم هو: من أخفق في حق من أولا؟ لقد أظهرت إعادة الحسابات أن الدين العام الحقيقي للسنغال في نهاية 2023 بلغ 99 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 74 في المائة أُعلنت في البداية. وفارق قدره 25 نقطة مئوية من الناتج، ظل قائما لعدة سنوات متتالية، ليس سهوا عارضا. وقد نسب صندوق النقد الدولي الخطأ إلى الحكومة السنغالية.

يقرأ  كريستيانو رونالدو مستقبله مفتوح مع منتخب البرتغال إذا أراد ذلك، حسبما يؤكد المدرب الجديد

وكان ذلك، في الحد الأدنى، فشلا نظاميا في ممارسة مسؤولية عادية. ووفق هذا القراءة، فإن هدف المؤسسة ليس تنمية البلدان المدينة، بل إبقاءها في فقر منضبط.

ويؤكد السجل القاري أن السنغال ليست استثناء. فقد عانت البلدان الأفريقية الخاضعة لبرامج صندوق النقد من إدارة الديون. بدأت زامبيا الاقتراض من الصندوق في الثمانينيات. وقد تسببت الشروط التي فرضها، مثل تحرير التجارة وخفض الإنفاق العام والخصخصة، في تقلص اقتصادها.

ثم أُجبرت زامبيا على طلب إعفاء في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. تمت الموافقة، لكن التنفيذ تأخر مرارا بسبب سياسات التعديل المؤلمة المطلوبة.

كما واجهت إثيوبيا تأخيرات لعدة سنوات بعد أن طلبت معالجة ديونها في فبراير 2021 في إطار الإطار المشترك لمجموعة العشرين. ولم يتم الاتفاق مع الدائنين على الشروط إلا في مارس 2025، أي بعد أكثر من عام من تخلفها عن سداد الديون. وفي الأثناء، أدت تدابير التقشف المفروضة ضمن اتفاق بقيمة 3.4 مليار دولار مع صندوق النقد إلى تزايد الفقر وعدم المساواة.

الحلول

الموقف المطروح هنا ليس رفضا شاملا للتمويل الخارجي، بل دعوة إلى ترتيب مختلف: معالجة الدين بدلا من إعادة هيكلته؛ والتدقيق والمساءلة قبل فرض شروط جديدة؛ ومساحة مالية للاستثمار المنتج بدلا من الضرائب التعويضية؛ وملكية الموارد الطبيعية والسيطرة عليها بدلا من التنازل عنها للقوى الأجنبية؛ والحفاظ على الحماية الاجتماعية بدلا من تقليص الخدمات الأساسية؛ وتأسيس أي مفاوضات اقتراض على توازن إقليمي وقاري للقوة، لا على تبادل ثنائي غير متكافئ بنيويا.

وعلى المستوى العملي، على البرلمان السنغالي، بالتعاون مع المجتمع المدني، أن يخلق فورا الظروف المؤسسية لتدقيق مدني في الدين، يقوم على ثلاثة حدود ديمقراطية دنيا: هل كان الدين قانونيا؟ وهل كان مشروعا؟ وهل خدم الشعب؟

يقرأ  الأرمن يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختبار تحول رئيس الوزراء نحو أوروبا — وسط ضغوط روسية

وينبغي أن يؤدي ذلك إلى فحص مستقل لكل الديون التي جرى التعاقد عليها بين 2019 و2024، بما في ذلك مسؤولية المنظمين والدائنين وفشل الرقابة لدى صندوق النقد نفسه، كشرط مسبق لأي شروط دين جديدة، إلى جانب بند يقضي بتعليق خدمة الدين المتنازع عليه طوال مدة التدقيق.

وفي السياسة المالية، تحتاج البلاد إلى مقاربة متمايزة. وعند السعي إلى توسيع نسبة الضرائب من الناتج المحلي الإجمالي، لا ينبغي رفع الضرائب على الجميع وخفض الإنفاق الاجتماعي. بل ينبغي التركيز على فرض ضرائب على الصناعات الاستخراجية والأفراد الأثرياء.

كما ينبغي حماية حد أدنى من استثمار الدولة في البنية التحتية والتحول الزراعي الصناعي والطاقة. أما شروط الأدوات المشتقة المرتبطة بالدين المحلي، ولا سيما مقايضات العائد الإجمالي، فيجب وضع سقف لها وإتاحتها للعموم.

وعند السعي إلى إعادة هيكلة الدين في إطار الإطار المشترك لمجموعة العشرين، ينبغي استهداف جدول زمني ملزم وآلية تحكيم أقل عدم تكافؤ. وأي شروط جديدة تُقبل يجب أن تتضمن بندا للتراجع، يُفعّل عند عتبات محددة سلفا في حال وقوع صدمة اقتصادية كبرى، لتجنب تقشف يهزم نفسه.

ويجب أن تكون لعائدات المحروقات ضمانات خاصة تقوم على أربع دعائم: صندوق استقرار شفاف يراكم فوائض الإيرادات في فترات الازدهار؛ ومظلة استثمارية مخصصة للقطاعات المنتجة والاجتماعية، بما في ذلك التحول الطاقي والتحول الزراعي والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والبنية التحتية الرقمية؛ واستراتيجية نشطة لإدارة الالتزامات تعطي الأولوية لتقليل أغلى مكونات الدين الخارجي؛ ومشاركة مواطنة قوية ورقابة برلمانية على توزيع عائدات المحروقات.

وأخيرا، ينبغي للسنغال أن تكرس في تشريعاتها الوطنية شرط الحصول على إذن برلماني مسبق والإفصاح الكامل عن أي اقتراض عام.

تحالف بين بلدان الجنوب

لا تستطيع السنغال أن تفعل كل ذلك وحدها. إنها تحتاج إلى بناء تحالف بين بلدان الجنوب مع بلدان أفريقية أخرى تعاني من الديون، للضغط جماعيا على شروط إعادة الهيكلة. وهذا هو تحديدا ما قاله رئيس بوركينا فاسو توماس سانكارا لمنظمة الوحدة الأفريقية في يوليو 1987: إذا نسق الدائنون، فعلى المقترضين أن ينسقوا أيضا.

يقرأ  مجموعة نووية روسية تبرم صفقة بقيمة 25 مليار دولار لبناء محطات طاقة نووية في إيران

وتمثل منصة المقترضين، التي أُنشئت في أبريل، أول إجابة مؤسسية على ذلك النداء. وعليها أن تؤدي ثلاث وظائف: تقليص عدم التكافؤ في المعلومات والقدرات بين الدائنين والمدينين؛ وتطوير مواقف مشتركة بشأن شروط تتعارض مع سيادة التنمية؛ والتعبير الجماعي عن المبدأ الذي أكده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 لعام 1962، وهو أن الشعوب تحتفظ بسلطة غير قابلة للتصرف على ثرواتها الطبيعية.

وبالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي، يمكن للسنغال أن تساعد في إنشاء إطار يمكّن الحكومات الأفريقية من المطالبة بوقف ملزم لخدمة الدين لمدة تتراوح بين 20 و30 عاما، يقوم على أربعة أحكام: التعليق الفوري لكل المدفوعات من دون تراكم المتأخرات؛ والتخصيص الإلزامي للموارد المحررة لإنفاق تنموي سيادي، وفق أولويات تحددها البرلمانات الوطنية لا الدائنون؛ وإطار قانوني متعدد الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة، يحمي الآلية من الشروط التراجعية لنادي باريس وصندوق النقد الدولي؛ وبند مراجعة مرحلية يستند إلى مؤشرات التنمية البشرية.

وينبغي للسنغال أيضا أن تدعو إلى تجميع إقليمي لمخاطر السيولة في الإصدارات السيادية داخل الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا. كما ينبغي أن تنشئ عملية استراتيجية وسيادية لإصدار عملتها الخاصة بالتعاون مع بلدان أخرى تستخدم حاليا فرنك غرب أفريقيا. وعلى الحكومة أن تدرك أن الاقتراض بالعملات الأجنبية يجعل مدفوعات ديونها تتصاعد بسرعة.

وفي كل هذه الجهود، ينبغي للبرلمان السنغالي أن يضطلع بدور رئيسي. وبصفته المؤسسة التي مُنحت تفويضا واسعا في انتخابات 2024، عليه أن يقود الطريق نحو مقاربة جديدة للدين الخارجي تقوم على الشفافية والقانونية والسيادة.

أما البديل، أي قبول إعادة الهيكلة بالشروط الحالية وتأجيل جدول السيادة إلى مرحلة لاحقة، فلن يكون براغماتية، بل تكرارا لنموذج أخفق في أفريقيا طوال 40 عاما.

يستحق الشعب السنغالي أفضل من نسخة أحسن إدارة من التعديل الهيكلي. لقد صوّت من أجل القطيعة. وعلى البرلمان أن يتمسك بذلك التفويض.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبير عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق