لا تملأ كوبًا ممتلئًا لماذا تأتي العاطفة قبل التعلم؟

نظرة عامة:
التعلم يحصل فقط عندما يكون التلاميذ مستعدين عاطفياً، ولذلك يصبح الدعم الاجتماعي–العاطفي أساسياً وليس ترفاً أو مشتتاً للانتباه في العملية التعليمية.

لماذا يبدو أن كثيراً من وقت الحصص يُقضى في التعامل مع السلوكيات والمشاعر والمهارات الاجتماعية بدلاً من المحتوى الأكاديمي؟ الجواب المختصر: لا يحدث تعلم حقيقي ما لم تكن الحالة العاطفية للتلميذ ملائمة لاستقبال التعلم.

عندما لا يكون الطلاب مستعدّين للتعلّم
حينما كنت أدرّس في قلب مدينة فيلادلفيا، كان كل شيء يدور حول المعايير والاختبارات؛ اختبارات الدولة كانت تلوح في الأفق باستمرار، والضغط لرفع أداء التلاميذ إلى مستوى الصف العاشر كان هائلاً. كانت دلائل سير المنهج لا تترك متسعاً للانحراف؛ وكان يُتوقع أن تتقدّم الدروس مهما كانت الظروف.

لكن الطلاب الذين كنّا أمامنا غالباً لم يكونوا في حالة تسمح لهم بالاستقبال.

ليس لافتقارهم إلى قدرات أو ذكاء، بل لأنهم يحملون أعباء عاطفية ثقيلة إلى الصف كل صباح. بعضهم دخل بعد شجار مع أحد الأهل، وآخرون تركوا صراعات على الإنترنت تتبعهم إلى غرفة الدرس، وبعضهم يعيش حالة عدم استقرار في المنزل—إدمان، إساءة أو إهمال— بينما يستهلك آخرين ما قد يبدو تافهاً للوهلة الأولى: حفلات مدرسية، إعجابات، نميمة ومشاحنات على طاولة الغداء.

ما أدركته هو أن شدة المشتت لا تُحدث الفرق؛ فالمخاوف لا تختفي عند دق الجرس، ولا تتراجع بصمت بمجرد بدء الحصة. تتبع الطلاب إلى مكاتبهم وتتنافس مباشرة مع التعليم—وغالباً ما تفوز—ما لم نعالجها أولاً.

عندما يدخل الطلاب الصف وهم محمّلون عاطفياً، لا يبقى متسع لمعلومات جديدة. إضافة متطلبات أكاديمية فوق ضغوط غير معالجة لا تزيد من الصرامة؛ بل تعطل التعلم. يعتمد التعلم على الوصول إلى الانتباه، والذاكرة العاملة، والوظائف التنفيذية. كما يوضح استعراض في علوم الأعصاب: «قدرات تنظيم العاطفة ترتبط بتجنيد مجموعة من مناطق قشرة الفص الجبهي المعنية بالتحكّم المعرفي والوظائف التنفيذية» (مارتن، 2016). عندما يتضرر أحد هذه الأنظمة تتأثر البقية. في تلك اللحظات قد تُلقن الدروس، لكنها غالباً ما تفشل في أن تُمتصّ.

المهارات الاجتماعية–العاطفية ليست شعارات بل ممارسات يومية
في بداية مسيرتي المهنية مرّرت بيوم دخلت فيه للعمل وأنا منهكة بعد مشادة مع زوجي؛ لم يكن أمراً درامياً لكنه خلّف توتراً لم يُحلّ. حضرت اجتماعاً للطاقم، وجلست أستمع على السطح لكني لم أستوعب شيئاً. خطّطت في هامش ملاحظاتي، وحدّقت في الساعة وأعدّت المحادثة في رأسي. خرجت إلى الحمّام، صليت، ركّزت أنفاسي وأخذت لحظة لأهدأ. بعد ذلك فقط عدت وأصبحت قادرة على المشاركة فعلياً.

يقرأ  ارتفاع حصيلة وفيات الفيضانات في المكسيك إلى ٦٤ قتيلاً — وعشرات لا يزالون مفقودينأخبار الطقس

هذه التجربة بيّنت لي أمراً كنت أراه مع طلابي: الأمر ليس حكراً على الأطفال، بل هو حالة بشرية عامة. قبل أن يعلّم المدرِّس فهم المقروء أو الجبر أو كتابة المقال، كثيراً ما يساعد التلاميذ أولاً على فعل ما فعلتُه ذلك الصباح—تنظيم المشاعر، تفريغ التوتر، وإعادة توجيه الانتباه. الفرق أن الأطفال ما زالوا يتعلمون كيف يفعلون ذلك بأنفسهم.

تُجمع هذه المهارات غالباً تحت مسمى التعلّم الاجتماعي–العاطفي (SEL). لكن قبل أن يصبح SEL إطاراً أو برنامجاً، كانت هذه مهارات يومية يستخدمها الناس حتى يستطيعوا العمل بفعالية والتركيز والمشاركة المعنوية.

قبل أن يحدث التعلم الأكاديمي، يحتاج الطلاب في كثير من الأحيان إلى دعم ليتمكنوا من:
– إنزال المشاعر القادمة من خارج الصف حتى لا تهيمن على الانتباه.
– التوقّف وإعادة المعايرة بدلاً من حمل الضغوط غير المحلولة إلى وقت التعليم.
– إعادة التركيز بعد تشتيت عاطفي بدل البقاء غائبين ذهنياً.
– العمل خلال الالتباس أو الإحباط دون الانغلاق أو إزعاج الآخرين.
– الثقة بأن البالغين سيستجيبون باستقرار واهتمام، وأن الزملاء جزء من عملية التعلّم لا مصدر المشكلة.

هذه ليست إضافات عابرة أو صيحات موضة؛ إنها مهارات حياة أساسية. إذا كان البالغ قد يواجه صعوبة في معالجة المعلومات وهو مشتت عاطفياً، فلا ينبغي أن يفاجئنا أن يفعل التلاميذ الشيء نفسه. مساعدة الأطفال على تطوير هذه المهارات ليست تحويلة عن التدريس؛ إنها الأرضية التي تمكّن الدرس من الوصول.

تهيئة مساحة كي يحدث التعلّم
تعلمت سريعاً في صفي أن تجاهل الواقع العاطفي للطلاب يجعل التدريس أقل فاعلية. المضي قدماً دون الاعتراف بما يحمله الطلاب لم يخلق صرامة، بل خلق مقاومة. الحل لم يكن التخلي عن المحتوى الأكاديمي، بل خلق مساحة مقصودة قبل الانخراط فيه.

يقرأ  لماذا يستعصي إنهاء النزاع الحدودي بينهما؟

أتذكّر يوماً اندلعت فيه مشادة في قاعة الطعام قبل حصتي مباشرة. عندما دخل الطلاب، تبعهم نفس الطاقة—أصوات أعلى من المعتاد، أجساد متململة، وانتباء مشتت. البعض كان لا يزال يعيد ما حدث في رأسه. الآخرون تغذّوا من التوتر دون فهم كامل لأسبابه.

الانطلاق مباشرة في الدرس كان سيقود إلى لا شيء.

بدلاً من ذلك توقّفت. اعترفت بأن شيئاً ما قد حدث ومنحت الطلاب طريقة لإعادة توجيه الطاقة التي جلبوها معهم. طلبت منهم كتابة ثلاثة أمور—دون إلزام بالمشاركة: كلمة واحدة تصف شعورهم في تلك اللحظة، كلمة واحدة تصف الشعور الذي يرغبون الوصول إليه بنهاية الحصة، ثم بضعة جمل عما قد يساعدهم على الانتقال من الاحساس الأول إلى الثاني.

تحوّل الجو تقريباً فوراً؛ تحركت الأقلام، ارتخى الكتفين، خفت الضجيج. لم أطلب منهم استعادة الموقف أو تفسيره—بل مجرد ملاحظة مكانهم واتخاذ قرار إلى أين يريدون أن يذهبوا. عندما انتقلنا إلى الدرس كانوا أكثر حضوراً—ليس لأن المشاعر اختفت، بل لأنها اعترف بها وأوجد لها متنفساً.

أصبح ذلك التوقّف الفرق بين إدارة صف وتدريس فعّال. كثيراً ما كان خلق المساحة يبدأ بحصص قصيرة ومقصودة مثل التأمل، فحوصات عاطفية سريعة أو نقاش موجّه. لم تكن هذه اللحظات عن العلاج النفسي أو الإفراط بالمشاركة، بل عن مساعدة الطلاب على الانتقال ذهنياً وعاطفياً إلى بيئة التعلم.

قد يرى البعض هذا وقتاً مهدوراً من وجهة نظر تدريسية. في الواقع كان العكس: عندما يُمنح الطلاب مجالاً للاعتراف بما يحملون، يصبحون قادرين على التفريغ، وإعادة التركيز، والالتحاق بعمل التعلم. حالما تُسَمَّ المشاعر—أو تُعترف بها على الأقل—يصبح الطلاب أكثر قدرة على التفاعل مع الدرس التالي. تعليم تنظيم العاطفة لم يكن تحويلة عن التعليم؛ كان طريق الدخول إليه.

لماذا يدعم التعلّم الاجتماعي–العاطفي النجاح الأكاديمي
يُساء فهم التعلّم الاجتماعي–العاطفي على أنه بديل للتدريس الأكاديمي. في الواقع، هو يدعم الشروط المعرفية التي تجعل التعلم الأكاديمي ممكناً. عندما يكون الطلاب منظَّمين عاطفياً، لا يكونون فقط أكثر هدوءاً—بل أكثر توافراً معرفياً. انقسام انتباههم يقل، ذاكرتهم العاملة تصبح أكثر حرية، وزيادة قدرتهم على الانخراط تتبدى.

يقرأ  هجوم على قطر يكشف أن إسرائيل لا تريد وقف إطلاق النار في غزةأخبار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

الطلاب الذين يتلقون دعماً في تطوير هذه المهارات يكونون أفضل في:
– التركيز على المهام لفترات ممتدة.
– الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة لأن طاقتهم الذهنية ليست مستهلكة بالتوتر.
– المشاركة بشكل منتج في المناقشات والعمل الجماعي.
– التعافي من الأخطاء دون الانغلاق أو الانسحاب.

هذه المهارات تؤثر مباشرة في الأداء الأكاديمي. التلميذ القادر على إعادة التركيز بعد إحباط يكون أكثر احتمالاً للاستمرار في مادة صعبة. الذي يشعر بالأمان العاطفي أكثر استعداداً لتحمّل المخاطر الأكاديمية وطرح الأسئلة وتجربة مهام جديدة. عندما يساعد المعلمون الطلاب على التنظيم العاطفي، فهم لا يخفضون المعايير؛ إنما يقوّون قدرة الطلاب على بلوغها. التعلّم الاجتماعي–العاطفي لا ينافس الأكاديميات—إنه يضخمها بهدوء.

ما الذي يجب أن يعرفه الأهل
قد يشعر الأهل بالإحباط عندما يظنون أن التعليم الأكاديمي يتأخر. لكن حين يقضي المعلمون وقتاً في معالجة الاحتياجات الاجتماعية–العاطفية، فهم لا يتجنبون التعلم؛ بل يهيّئون الأطفال للمشاركة فيه بفعالية. حين يكون الطلاب منظّمون عاطفياً، يتقدم التدريس أسرع، ويستمر أثر التعلم أطول، ويصبح الجهد الأكاديمي أكثر استدامة.

يمكن للأهل دعم هذا العمل من خلال:
– مساعدة الأطفال على تسمية مشاعرهم بدلاً من تجاهلها.
– مناقشة الصراعات والضغوط قبل أن تظهر في المدرسة.
– التواصل المفتوح مع المعلمين حول التغيّرات أو التحديات في المنزل.
– إدراك أن السلوك غالباً ما يكون إشارة لحالة ما، وليس خللاً في الشخصية.

حين تتعاون المدارس والأسر على اعتبار الاستعداد العاطفي عملاً مشتركاً، يستفيد الطلاب أكاديمياً وإنسانياً على حد سواء.

الواقع الذي يواجهه المربون
كثير من المعلمين يقومون بهذا العمل بهدوء، حتى عندما لا تترك دلائل المنهج وتواريخ الاختبارات متسعاً لذلك. هم يدركون أنه لا يمكن فرض التعلم على طلاب لم يتم دعمهم كبشرٍ متكاملين.

المعلمون لا يحلون محل الأهل؛ إنما يستجيبون للحقائق التي يجلبها الطلاب معهم كل يوم. إذا أردنا احتفاظاً أعلى، وفهماً أعمق، ونمواً أكاديمياً ذا مغزى، فلا يمكننا تجاهل ما يحمله الطلاب وراء باب الصف. علينا الاعتراف بما يحملونه ومنحهم أدوات لتركه جانباً.

لأن قبل أن يستقر الدرس في ذهن الطالب، يجب أن يكون الطالب مستعدّاً لاستقباله.

أضف تعليق