لماذا تُعمّق اشتباكات مقديشو الأزمة السياسية في الصومال مجدداً؟ — أخبار الصراع

مقديشو — مصطفى، 33 عاماً، يكره موسم الانتخابات. يعمل سائقَ “باجاج” ثلاثي العجلات، ويقول إنّ المدينة بأسرها تشعر بتصاعد التوترات كلما اقتربت مواعيد الاقتراع، وأنّ السائقين أمثاله يكونون من أوائل المتضررين.

ذاتَ يومٍ من أيام الأسبوع، بينما كان يمرّ في حيّ حَوْل وداع، اندلعت في محيطه اشتباكات عنيفة بين قوات حكومية ومعارضة، مصحوبة بإطلاق نار كثيف. “لم أكن أستوعب ما يحدث، الناس يصرخون وتركض لحياتها، والرصاص يطير في كل مكان، هربنا جميعاً” هكذا روى مصطفى ما شاهد، مشيراً إلى أن هذه الحدة من القتال لم تُشهد منذ سنوات.

الاشتباكات اشتعلت قرب منازل رئيس وزراء سابقة ورئيس سابق، وذلك فيما كان عدد من قادة المعارضة يخططون لتنظيم تظاهرات رفضاً لما وصفوه بتمديدٍ غير دستوري لفترة ولاية الرئيس الحالي حسن شيخ محمود. قادة المعارضة، بينهم من قاد الدعوة للاحتجاجات، اعتبروا أن التمديد يعدّ خرقاً للاتفاقات السياسية. الحكومة من جهتها قالت إنّ تلك التظاهرات ستؤثر سلباً على الأمن في مدينة لا تزال تكافح أعمال عنف مسلّحاً متكررة.

مئات العائلات نزحت عن أحيائها القريبة من مسرح الاشتباكات، وفي اليوم التالي بدا كثير من أحياء العاصمة المركزية خاوية. اندلاع العنف فجأة قطع خطوة انعطاف أمني سجلتها المدينة قبل أيام، ومعه تبددت الصورة التي روجت بأنّ مقديشو بدأت تستعيد استقرارها.

“المؤسف أنّنا لا علاقة لنا بكل هذا، ومع ذلك نتأثر جميعاً، نعيش من شوارع هذه المدينة” قال مصطفى عن واقع سبل الكسب المتضررة. أُغلِقَت arteria رئيسية في المدينة، شارع مكه المكرمة، أمام الحركة، وأصبح سوق الباكارة، أكبر مركز تجاري، شبه متوقّف عن العمل.

عادةً ما يكون الشارع التجاري الرئيس مكتظاً بالبضائع والمارة، لكن أخيراً بدا خالياً، باستثناء عربات عسكرية. بائع متجول في السوق أشار إلى الرفوف المغلقة قائلاً إنّ المكان الذي يكتظ عادة عند الظهيرة صار الآن شبه مهجور. نائب محافظ البنك المركزي قدّر الخسائر المباشرة للأعمال والخدمات بنحو 3.8 مليون دولار، مع التشديد على أنّ هذا رقم مستند إلى نماذج تقديرية وليس حصيلة رسمية نهائية.

مثل غالبية الصوماليين، لم يصوّت مصطفى قطّ لرئيس أو لبرلماني. لم تُجرَ انتخابات مباشرة على مستوى القيادة الوطنية منذ أواخر الستينيات. منذ إعادة بناء الدولة عام 2012 بعد انهيار 1991، تُختار قيادات البلاد عبر نظام غير مباشر تفاوض فيه شيوخ العشائر والنخبة السياسية على التوزيع السلطوي.

يقرأ  ريال بيتيس ضد ريال مدريد — الدوري الإسباني: الفرق، موعد المباراة، التشكيلة | أخبار كرة القدم

عندما تقترب ولايات الرئاسة من نهاياتها، يزداد غياب الثقة بين الفاعلين السياسيين، ما يولّد صراعاً حاداً على السلطة وفي أحيانٍ كثيرة عنفاً، حين تتصاعد الخلافات حول جداول العملية الانتخابية. في مؤتمره الصحفي أواخر مايو، حذر أحد قادة المعارضة من أن الجمود السياسي قد يتحول إلى عنف إذا فشلت المفاوضات، وسأل بصراحة عمّا إذا كانت المواجهة التالية ستكون بالرصاص.

التحذير أعاد إلى الأذهان ما حدث عام 2021 عندما بقي رئيسٌ في منصبه أكثر من عام بعد انتهاء ولايته، فأشعل ذلك مواجهات قبل التوصل إلى تسوية سياسية. هذه الدورة الانتخابية تبدو أكثر احتداماً هذه المرة: برّر الرئيس الحالي أن تعديلات دستورية أُقرت في البرلمان مدّدّت ولايته عاماً إضافياً من منتصف مايو، بينما ترفض المعارضة ذلك وتصفه بأنه “رئيسٌ سابق”.

امتنع حكمان اتحاديان مؤثّران عن قبول التعديلات، فانقسمت البلاد بشأن الإطار الدستوري المنظّم للانتخابات المقبلة، بدون محكمة دستورية لفك النزاع. بعد إقرار البرلمان للتعديلات، أعلن الرئيس أن “العهد الانتقالي انتهى”، في إشارة إلى عزمه المُضي قُدُماً رغم الاعتراضات.

تراكمت التوترات أياماً قبل الاحتجاج المخطط له، فغادر بعض قادة المعارضة “المنطقة الخضراء” المحصنة قرب المطار وعادوا لمنازلهم عبر المدينة. أعلن بعضهم نيّتهم حماية التجمّع بحراسات مسلحة، الأمر الذي رفضه الرئيس، ورفع ذلك من مستوى الخشية من اشتباك مسلّح قبل أن تفجر الأحداث فعلاً.

كل طرف يتّهم الآخر ببدء القتال؛ اتهمت قيادات المعارضة القوات الحكومية بشنّ هجومٍ عسكري متواصل وعشوائي استمر عشرات الساعات، واتّهمت الحكومة المعارضة بتسليح الشارع وتوزيع قذائف الهاون والمدفعية في أرجاء العاصمة، مشبهةً تصرّفاتها بقوات مساعدة سريعة في دولة أخرى. قال وزير الدفاع بلهجة حازمة إنّ القوة والميليشيات لن تُسمح بالاستيلاء على السلطة أو عرقلة الدولة.

جذور الأزمة تعود إلى الدستور الانتقالي لعام 2012 الذي رسّم نظاماً اتحادياً وبرلمانياً يعتمد على تقاسم واسع للسلطة بين العشائر، وهو التوافق الذي تعهّدت كل الحكومات المنبثقة لاحقاً تحقيقه لكنها لم تفعل. هذا العام، وبعد مراجعة مطوّلة، أُدخلت تعديلات دستورية عبر مسار مثير للجدل شقّ الطبقة السياسية. ترى الحكومة أن الدستور الجديد يسرّع بناء الدولة ويتيح للشعب انتخاب ممثليه مباشرة، بينما يعتبر معترضون أن العملية افتقرت إلى الشرعية.

يقرأ  ترامب يجدد طلب استخدام قاعة احتفالات البيت الأبيض ويستشهد بإطلاق نار وقع بالقرب منها

عضو برلمان اتحادي قاطع مشروع الصيغة قال إنّ الخطر يكمن في تفكّك التسوية برمّتها؛ العملية بحسبه “لا تملك قبولاً واسعاً” وأن الدستور الأصلي، رغم عيوبه وكونه ثمرة تسوية ناقصة، كان “اللاصق الوحيد” الذي أبقى البلاد معاً. وأضاف بأنه ليس ممانعاً لصوت مباشر من حيث المبدأ، لكنه يرى أن البلاد ليست جاهزة بعد: لا تشريعات واضحة للانتخابات المباشرة، والبيانات السكانية ناقصة، والوضع الأمني لا يزال مُهتّكاً. السيياسة الوطنية إذن تواجه مفترق طرق حاسم. «الأمر في النهاية يعود إلى الرئيس: إما أن يعقد اتفاقاً ينقذ الصومال أو يتركه ينهار أمام أعيننا.»

المعارضه، المنظمة في تحالف يعرف باسم «مجلس مستقبل الصومال» ويضم اثنين من رؤساء الولايات الفيدرالية الحاليين ورؤساء وزراء سابقين ورئيساً سابقاً، تضغط على محمد عبدالله محمد «فور» لقبول أن ولايته انتهت والتفاوض على إطار انتخابي جديد كما حصل في انتقالات سابقة. وتتهم المعارضة الرئيس بأن دعوته إلى اقتراع مباشر ما هي إلا ذريعة لتمديد ولايته وربما الحصول على ولاية جديدة.

الحكومة تنفي هذه الاتهامات، وتقدم إجراء انتخاب وطني قائم على مبدأ «شخص واحد صوت واحد» — أول انتخابات من هذا النوع منذ ستينيات القرن الماضي — كخطوة ضرورية في مشروع إعادة بناء الدولة الطويل. عندما انهارت محادثات الوساطة الانتخابية في 15 مايو، اتهمت وزارة الإعلام المعارضة بأنها طرحت مطالب تتعارض مع «الحق الأساسي للمواطن في التصويت والترشح»، وأكدت أنها ستمضي قدماً في الخطة.

النائب في مجلس النواب الذي أيد التعديلات، محمد إبراهيم ماليمو، قال إن تأجيل العملية أكثر لا يمكن تبريره: «لقد انتظرنا أكثر من اثني عشر عاماً»، وأضاف: «لو كان لديهم ملاحظات لكان الأحرى بهم أن يشاركوا في المسار ويعرضوا قضاياهم. الدستور ليس قرآناً؛ عليهم العودة والعمل من خلال البرلمان لإيضاح موقفهم.»

وأشار إلى أن جيلاً كاملاً من الصوماليين لم يدل بأصواته قط، وأن إجراء انتخابات حقيقية سيشكّل مرحلة مفصلية ويبعث ببعض الأمل. أما النظام غير المباشر القديم فمعروف بفساده، إذ كانت مقاعد البرلمان تُباع بمبالغ تتراوح بين مئة ألف دولار و1.3 مليون دولار. «هذا النظام قذر ويقصي الناس؛ يحتاج إلى تغيير»، قال ماليمو.

يقرأ  فيضانات باكستان تثير مخاوف من انتشار الكوليرا وتفاقم مخاطر صحية أخرى — أخبار أزمة المناخ

مشكلة أعمق

وصف مسؤول إقليمي، رفض الكشف عن هويته لعدم صلاحية حديثه مع الإعلام، النخبة بأنها منقسمة استراتيجياً حول نوع الدولة المرغوب — هل هي دولة مركزية قوية أم لامركزية أضعف — وتكتيكياً حول من هو المرشح المناسب للوصول إلى ذلك الهدف. وأضاف أن محمد عبدالله محمد تحوّل من رؤية لامركزية تحتكم للفدرالية إلى نهج يركز سلطات أكبر في يد التنفيذ، وأن علاقاته المبكرة الواعدة مع قادة الولايات الفيدرالية تدهورت منذ ذلك الحين.

هذه الشروخ انفتحت في عدة محاور في آن واحد. الصوماللاند، التي أعلنت استقلالها عام 1991 وابتعدت بالكامل عن مراجعة الدستور، حصلت على اعتراف من إسرائيل أواخر العام الماضي بعد محاولات تقارب مع إثيوبيا. وفي رد فعل على الدستور الجديد، انسحبت ولايتا بونتلاند وجوبالاند من النظام الفيدرالي، كما قاطع أكثر من مئة نائب ومُرشح مجلس شيوخ التصويت النهائي.

الأزمات الإقليمية الأوسع — من الحرب الأهلية في السودان إلى تفشيات أمراض في بلدان أخرى بالقارة — دفعت الصومال إلى أسفل سلم الأولويات الدولية، ما جعل الانخراط الدولي أكثر تفتتاً وعدم انتظام. البلاد تواجه أيضاً أزمة إنسانية متصاعدة وتقليصات في المساعدات، ما دفع المراقبين إلى التحذير من مخاطر جوع متفاقمة في أجزاء من البلاد.

يقول يوسف أينتي، زعيم ديني مخضرم ونائب برلمان سابق، إن قادة الصومال بحاجة إلى بناء توافق لا إلى تمرير تغييرات قد تعمّق الانقسامات. «الرئيس يقول إن ما يقوم به صالح، وقد يكون كذلك،» أخبر قناة الجزيرة. «لكن الأهم هو ما يتفق عليه الجميع.»

وأضاف: «في الوقت الراهن، لدى الصومال مشكلات كثيرة ولا يمكنه تحمل أن يشتت انتباهه بهذه الطريقة.»

أما الناشط الشبابي جمال شيل، فحذر من أن الفئات الشبابية الكبيرة في البلاد ستدفع ثمن استمرار الاضطراب. «الشباب يريدون لقمة يعيشون منها هنا، ويريدون صومالاً آمناً لا يضطرون لمغادرته بسبب المشكلات،» قال. «لكن إن استمر الحال كما هو، فلن يترك لهم ذلك الكثير من الخيارات.»

أضف تعليق