بيروت، لبنان – بعد سقوط الرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 بفترة قصيرة، حرصت الحكومة السورية الجديدة على ملاحقة عناصر النظام السابق. فقد غادر الأسد وشقيقه البلاد قبل ساعات من دخول المعارضة المسلحة إلى العاصمة دمشق، تاركين خلفهم كثيراً من كبار المسؤولين والقادة العسكريين ليدبر كل واحد منهم مصيره بنفسه.
ويُقال إن عدداً كبيراً منهم فرّ إلى لبنان المجاور، حيث ظهر بعض كبار المسؤولين علناً في العاصمة بيروت. والآن تسعى الحكومة السورية إلى تسلّم هؤلاء لمحاكمتهم بتهم تتعلق بجرائم حرب ارتُكبت خلال الانتفاضة التي انطلقت عام 2011.
وفي هذا السياق، قال القاضي مصطفى القاسم، مساعد وزير العدل السوري، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي: “نسعى إلى تعزيز التعاون القضائي الدولي لملاحقة عناصر النظام السابق وتسليمهم إلى سوريا لاستكمال الإجراءات القضائية والمحاكمات”. وكان المسؤولون السابقون يشعرون بأنهم آمنون في لبنان بسبب علاقاتهم الوثيقة بحزب الله أو شبكاتهم مع شخصيات في المؤسسة العسكرية اللبنانية. وكان بعضهم قد بنى علاقات في لبنان على مر السنين، بما في ذلك فترة الاحتلال السوري للبنان التي انتهت عام 2005. لكن الأمور تغيّرت الآن.
فقد جرى اعتقال اللواء عادل عيسى، وهو لواء سابق في الجيش السوري في عهد الأسد، في لبنان مؤخراً، بعد أن أبلغ موظفو السفارة السورية السلطات اللبنانية عنه عندما حضر لإنجاز بعض الأوراق. وأعلن مدعٍ عام لبناني بارز يوم الثلاثاء أن عيسى سيُسلَّم إلى سوريا لمحاكمته بتهم تتعلق بجرائم يُزعم أنه ارتكبها أثناء خدمته العسكرية.
لكن هناك مسؤولين سابقين آخرين من نظام الأسد موجودون في لبنان، وتريد السلطات السورية أيضاً إعادتهم لمواجهة العدالة. وفي الأسبوع الماضي، أصدرت محكمة في دمشق حكماً بإعدام الأسد وشقيقه ماهر وابنة عمه عاطف نجيب. وصدر الحكم بحق بشار وماهر الأسد غيابياً لأنهما موجودان في موسكو، حيث فرا بعد سقوط النظام. ويبدو أن وجودهما في روسيا يحميهما من التسليم، لكن هذه القضية تلفت الانتباه إلى مسألة مهمة تتعلق بمسؤولي النظام المتبقين في لبنان وإمكانية تسليمهم إلى سوريا.
في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، انتهى حكم عائلة الأسد الذي استمر خمسة عقود، عندما غادر بشار دمشق متوجهاً إلى موسكو. ومع دخول مقاتلي المعارضة إلى دمشق، هرب الأسد دون أن يخبر كثيراً من كبار مسؤوليه، فاضطروا إلى تدبير طرق هروبهم بأنفسهم. وقالت مصادر مطلعة على أماكن تواجد عناصر النظام السابق إن أبرز الشخصيات، مثل عائلة الأسد أو علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني السابق، موجودة في موسكو أو الإمارات العربية المتحدة.
أما جميل الحسن، رئيس مديرية استخبارات القوات الجوية السابقة، فيُعتقد أنه موجود في لبنان. وفي العام الماضي، ذكرت تقارير إعلامية أن سوريا وفرنسا طلبتا من لبنان اعتقال الحسن وتسليمه. وإلى جانبه، تم تحديد موقع بسام الحسن، قائد الحرس الجمهوري السابق والمقرب من بشار الأسد، في شقة ببيروت عبر تحقيق لبثته شبكة أمريكية العام الماضي. وكان مسؤولاً عن شراء الأسلحة والتواصل مع البرنامج السوري للأسلحة الكيميائية، الذي استخدمه النظام ضد شعبه.
وقالت مصادر سورية وأوروبية مطلعة على التفاصيل إن معظم مسؤولي النظام السابق الذين ما زالوا في لبنان يقيمون الآن في حي جبل محسن في طرابلس أو في مناطق من عكار الشمالية المحاذية للحدود السورية. ويرى خبراء أن تقديرات عدد المسؤولين السابقين في لبنان غير دقيقة، لأن كثيراً منهم إما انتقلوا إلى دول ثالثة، أحياناً بجوازات سفر مزورة، أو أُعيدوا خلسة إلى سوريا.
وأوضح مصدر مطلع على الملف، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بنشر المعلومات، أنه في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، أقام مسؤولون حكوميون سابقون معسكرات تدريب في منطقة البقاع اللبنانية. لكن المصدر أضاف أن هذه المعسكرات أُغلقت لاحقاً من قبل حزب الله والجيش اللبناني.
وفي الرابع من أغسطس/آب، قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إن الحزب منفتح على لقاء مع القيادة السورية. وكان الحزب قد قاتل إلى جانب نظام الأسد خلال الحرب في سوريا، ولذلك ينظر إليه كثير من السوريين بنظرة سلبية. لكن حزب الله أعلن أنه لا يريد علاقات سيئة مع الحكومة السورية الجديدة.
وفي هذا الإطار، قالت نانار حواش، المحللة الأولى في مجموعة الأزمات الدولية لشؤون سوريا، للجزيرة: “روسيا تؤوي عائلة الأسد وأموالها، لكنها لا تمول حتى الآن استعادة النظام، وحزب الله، الذي يواجه ضغوطاً لنزع سلاحه، يحتاج إلى الهدوء مع دمشق أكثر من حاجته إلى جبهة قتال على الحدود السورية”.
وتواجه سوريا ضغوطاً من الولايات المتحدة للتدخل في لبنان ضد حزب الله، لكن خبراء يعتقدون أن الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته يدركان أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى اضطراب إقليمي واسع وتقوّض سلطتهم الداخلية التي يحاولون ترسيخها، بما في ذلك ضد شخصيات ما زالت موجودة في لبنان.
ولسنوات طويلة، كانت لسوريا علاقة أبوية تجاه لبنان ونظرة خاصة إليه. فدخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 عندما كان حافظ الأسد، والد بشار، في السلطة، واحتل أجزاء واسعة من البلاد حتى عام 2005، عندما دفع انتفاضة شعبية بشار الأسد إلى سحب قواته. وواصل بشار الأسد وسوريا ممارسة نفوذهما في لبنان عبر حلفاء محليين، بينهم حزب الله، حتى سقوط النظام عام 2024. ومنذ ذلك الحين، أبدت الحكومة السورية الجديدة بقيادة الشرع استعدادها لإقامة علاقة أكثر توازناً وندية مع بيروت.
وحتى الآن، لم يُسلَّم أي من مسؤولي النظام السوري المتهمين بارتكاب فظائع من لبنان. لهذا السبب، قد تكون قضية عادل عيسى، مع الموافقة على تسليمه، سابقة مهمة. ورغم أن كثيراً من مسؤولي النظام السابق لم يمثلوا أمام المحكمة بعد، فإنهم إما يخضعون لعقوبات أجنبية أو كانوا يشغلون مناصب أساسية في النظام ساهمت في ارتكاب جرائم خطيرة بحق الشعب السوري.
وفي وقت سابق من هذا العام، طلبت السلطات السورية من القوى الأمنية اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان بعد سقوط بشار الأسد، وفق تحقيق لوكالة رويترز أظهر كيف كان البلد المجاور مركزاً للتخطيط ضد النظام. وفي تطور لافت، أقرّ البرلمان اللبناني قانوناً يلغي عقوبة الإعدام، ليصبح لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تتخذ مثل هذه الخطوة. أثارت عملية تسليم المطلوبين إلى سوريا جدلاً واسعاً، لا سيما أن سوريا لا تزال تطبق عقوبة الإعدام. وفي هذا السياق، قال واضح العصار، المؤسس المشارك ورئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، إن عدداً من المسؤولين السوريين الموجودين في لبنان ارتكبوا جرائم خلال فترة الاحتلال، وبالتالي فإن القضاء اللبناني “ملزَم ومطالَب” بملاحقة بعض هذه الشخصيات.
وأضاف العصار أن مؤسسته تلقت طلبات لجوء من سوريين يخشون العودة إلى بلادهم، لكن لم يكن بينهم أي عسكريين مرتبطين بالنظام السابق. غير أن مسؤولين سابقين آخرين في النظام، خصوصاً الموجودين منهم في أوروبا، قد تكون لديهم مثل هذه الصلات. وفي هذا الإطار، قد تثير المحاكمة البارزة التي جرت في دمشق الأسبوع الماضي، والتي قضت بإعدام إخوة الأسد وابن عمهم، قلقاً لدى الدول الأوروبية وغيرها عند النظر في تسليم مطلوبين إلى سوريا.
ويرى خبراء أن رغبة بيروت في إقامة علاقة إيجابية مع دمشق ستغلب على المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان، وبخاصة تلك المرتبطة بعقوبة الإعدام بحق شخصيات من النظام السابق. ومع ذلك، شدد العصار على أن “لبنان لا يستطيع، من دون أن ينتهك القانون الدولي وقانونه الداخلي، أن يعيد أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه عقوبة الإعدام”.
وأضاف: “إنها وضعية معقدة جداً، وأعتقد أن السبيل الوحيد أمام الحكومة اللبنانية والحكومة السورية، احتراماً لمبدأ سيادة القانون، هو أن تلغي سوريا عقوبة الإعدام”.