وصل وفد باكستاني برئاسة القائد العسكري للبلاد، عاصم منير، إلى طهران يوم الأربعاء حاملاً رسالة جديدة من واشنطن، مع هدف فتح نقاشات حول إطلاق جولة ثانية من الحوار. ويأتي هذا المسعى الدبلوماسي في إطار جهود متجددة لإحياء القنوات التفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، بعد الاتفاق الهش على وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي عقب ما يقرب من ستة أسابيع من القتال في إطار الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران.
يمثل وقف إطلاق النار، الذي تنتهي مدته في 22 أبريل، نافذة ضيقة لجهود إنهاء الحرب التي أودت بحياة أكثر من أربعة آلاف شخص في أنحاء الشرق الأوسط، الغالبية العظمى منهم في إيران ولبنان.
عُقدت الجولة الأولى من المحادثات يومي 11 و12 أبريل في اسلام آباد تحت رعاية باكستانية، لكنّها لم تُفض إلى تفاهم أو اتفاق بين طهران وواشنطن. وفي ظل هذه الخلفية، يقوم رئيس وزراء باكستان شهباز شريف بجولة هذا الأسبوع تشمل محطات متعددة في السعودية وتركيا وقطر، سعياً لحشد الدعم للعملية ومنع اندلاع حرب شاملة مجدداً.
من جهته قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الحرب «قريبة جداً من نهايتها» وأشار إلى احتمال استئناف جولة ثانية من المحادثات خلال أيام، وربما مجدداً في العاصمة الباكستانية.
ماذا جرى في الجولة الأولى؟
مثلَت الجولة الأولى أعلى مستوى من الانخراط المباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ عقود. بوساطة باكستان، استمرت المباحثات أكثر من عشرين ساعة وشملت تبادلات غير مباشرة ومباشرة بين وفدي الطرفين برئاسة نائب الرئيس الأميركي ج. د. فانس وممثلين رفيعي المستوى عن الجانب الإيراني.
تركزت النقاشات بحسب تقارير حول قضايا جوهرية منها البرنامج النووي الإيراني، رفع العقوبات، الأصول الإيرانية المجمدة، وملف السيطرة على مضيق هرمز. اختتمت المحادثات دون التوصل إلى حل أو مذكرة تفاهم، وقال فانس إن إيران اختارت «عدم قبول شروطنا» مؤكداً أن الولايات المتحدة بحاجة إلى «التزام جذري» من طهران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي. من جانبه قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان وزعيم وفد طهران، إن الوفد طرح مبادرات «تطلعية» لكنه لم يلمس ثقة كافية من الجانب الأميركي.
ماذا نعرف عن الجولة القادمة المحتملة؟
تتزايد الإشارات في وسائل الإعلام الأميركية والدولية إلى احتمالات متنامية لانعقاد جولة ثانية خلال أيام. ونقلت وكالة أسوشييتد برس عن مسؤولين إقليميين لم تسمّهم أن واشنطن وطهران قد منحتا موافقة مبدئية لتمديد وقف إطلاق النار لتمكين مبادرات دبلوماسية. بيد أن مسؤولاً أميركياً نقلته رويترز قال إن واشنطن لم تُبدِ موافقة رسمية على تمديد الهدنة، وإن «الانخراط قائم بين الولايات المتحدة وإيران للوصول إلى اتفاق».
على مدار الأسبوع الماضي تباينت مواقف القادة العالميين حول الهدنة وفرص استئناف المفاوضات. واقترح ترامب أن المحادثات قد تُستأنف خلال أيام، وصرّح بذلك لصحفي من نيويورك بوست في اسلام آباد. ومع ذلك، شرع شريف في رحلة تستغرق أربعة أيام إلى السعودية وقطر وتركيا لحشد الدعم، ما يجعل استضافة محادثات فورية في الإطار الزمني الذي ذكره ترامب أمراً غير مرجح. وفي الوقت ذاته عبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تفاؤل حذر وقال إن بلاده تنقل الاقتراحات اللازمة وتقوم بمبادرات لخفض التوترات وتمديد الهدنة واستمرار المحادثات، مضيفاً أن «لا تفاوض مع قبضات مشدودة».
ومع أن تقارير وتصريحات عدة رجّحت اسلام آباد كمكان محتمل لاستضافة الجولة المقبلة، لم يصدر إعلان رسمي بذلك حتى الآن.
ما هي نقاط الخلاف الرئيسية؟
البرنامج النووي
يبقى الخلاف الأبرز هو البرنامج النووي الإيراني. تطالب الولايات المتحدة وإسرائيل بقيود كاملة على تخصيب اليورانيوم، وتتهمان إيران بالسعي نحو صناعة سلاح نووي رغم عدم تقديم أدلة قاطعة على ذلك. في مارس 2025 شهدت تلسي غابارد أمام الكونغرس مؤكدة أن تقديرات الاستخبارات الأميركية لا تزال ترى أن إيران «ليست بصدد بناء سلاح نووي».
تؤكد إيران أن تخصيبها يخدم أغراضاً مدنية، وهي طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). وفي 2015 كانت الولايات المتحدة من الموقعين على اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) الذي قيد تخصيب إيران عند نسبة 3.67% وفرض آليات تفتيش للوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل رفع جزئي للعقوبات، قبل أن تنسحب واشنطن منه عام 2018 خلال ولاية ترامب بالرغم من تقارير الوكالة التي أشارت إلى امتثال طهران حينها.
مضيق هرمز
تبقى السيطرة على الممر المائي الحيوي الذي يربط الخليج بالبحر العربي نقطة احتكاك رئيسية؛ إذ تمر عبره خامس إنتاج النفط والغاز المسال عالمياً (حوالي خمس إمدادات النفط والغاز المسال في ظروف السلم). منذ بدء الضربات الأميركية‑الإسرائيلية نهاية فبراير انخفضت حركة الملاحة عبر المضيق بنحو 95% بعد تهديدات إيرانية باستهداف ناقلات، مع استثناءات لسفن تعتبرها طهران صديقة أو تلك التي دفعت رسوماً لعبور الممر.
تصر الولايات المتحدة على حرية الملاحة عبر المضيق، بينما تؤكد إيران سيادتها على الممر وحق مرور «السفن غير المعادية». كما يطالب مسؤولون إيرانيون بحق فرض رسوم على السفن العابرة، وربما الاستمرار في ذلك حتى بعد انتهاء الصراع. وفي تصعيد إضافي فرضت إدارة ترامب حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية يوم الاثنين، ما يشكل عقبة جديدة أمام استئناف المفاوضات.
لبنان
من بين مطالب إيران الأساسية إنهاء إسرائيل هجومها على حزب الله، الحليف الإيراني في لبنان. وتقول طهران إن الهدنة التي تم الاتفاق عليها الأسبوع الماضي شملت وقف العمليات في لبنان أيضاً، وهو ما رفضته كل من واشنطن وتل أبيب. وصف ترامب هجمات إسرائيل على جارتها بأنها «اشتباك منفصل»، رغم دخول حزب الله المعركة دفاعًا عن ايران.
في منشور أولي على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شريف وقف إطلاق النار وذكر لبنان ضمن البيان. لكن بعد ذلك، شنت إسرائيل أعنف هجماتها منذ مارس، عندما بدأت المواجهات مع حزب الله، مستهدفة أكثر من مائة موقع في أنحاء البلاد في يوم واحد — الاربعاء — الأسبوع الماضي.
يعد حزب الله أقوى حلفاء طهران الإقليميين وجزءًا مركزيًا من «محور المقاومة»، شبكة جماعات مسلحة في المنطقة متحالفة مع ايران ضد إسرائيل، وتشمل هذه الشبكة الحوثيين في اليمن ومجموعة من الفصائل المسلحة في العراق.
وبينما عقدت إسرائيل ولبنان محادثات مباشرة في واشنطن يوم الثلاثاء — وهو أول لقاء رسمي بين البلدين — تؤكد إسرائيل أنها لن تتوقف عن مهاجمة حزب الله.