جوليو لو بارك (1928–2026)
توفي الفنان الأرجنتيني الأصل جوليو لو بارك يوم 30 مايو في باريس عن عمر يناهز 97 عاماً. أكد ابنه ياميل لو بارك الخبر لصحيفة لا ناثيون الأرجنتينية. كان الفنان قد نُقل إلى المستشفى في الأيام الأخيرة إثر تراجع في حالته الصحية، ورحل في مستشفى American Hospital في باريس. ظل لو بارك مشغوفاً بأعماله حتى النهاية، وكان يترقب بفارغ الصبر افتتاح معرض استعادِي كبير في تيت مودرن بلندن في 11 يونيو، الذي كان يأمل حضوراته.
خلال أكثر من ستة عقود سعى لو بارك إلى فكرة بسيطة لكنها ثورية: ألا تكون الفنّ تجربة تُلحق بالمشاهدين فقط، بل أن تكون معهم وفي حضورهم. عمل بالمرايا والضوء والحركة واللون والتأثيرات البصرية، فصار أحد أبرز رموز الفن الحركي. غالباً ما حولت تركيباته زوار المتاحف من مراقبين سلبيين إلى مشاركين فاعلين، بدعوتهm إلى التجوال داخل حجرات معكوسة، أو تحفيز أجهزة ميكانيكية، أو الانغماس في مساحات ضوئية متغيرة. قبل أن تتبنّى المؤسسات الثقافية مفاهيم الغمر الحسي، كان لو بارك يبدع بيئات تعتمد كلياً على حضور المشاهد لتنبض بالحياة.
ولد في بالميرا، مندوزا، في 23 سبتمبر 1928، ونشأ في ظروف متواضعة؛ كان والده يعمل في السكة الحديد ووالدته خياطة. انتقل شاباً إلى بوينس آيرس لدراسة الفن، لكن مساره لم يكن مستقيماً: انسحب لفترة من الدراسة احتجاجاً على صرامة التعليم الأكاديمي ثم عاد لاحقاً لاستكمالها. قبل أن يتحول إلى واحد من أبرز الفنانين التجريبيين عالمياً، عمل حارس بوابة في مسرح كولون الشهير أثناء دراسته المسائية للفن، واعتبر تلك السنوات محورية، ليس فقط لما رآه من فن، بل لأنها تعمّق شكّه الفطري في التسلسلات الهرمية والسلطة المؤسسة.
في عام 1958 حصل على منحة من الحكومة الفرنسية وانتقل إلى باريس، فشكل القرار منعطفاً حاسماً في حياته. انجذب إلى مدينة تعج بالتجريب الفني وانخرط سريعاً في جيل من الفنانين الذين بحثوا عن بدائل للرسم التقليدي وعبادة الفرد الفنان. بعد عامين صار واحداً من مؤسسي مجموعة البحث في الفن البصري (Groupe de Recherche d’Art Visuel — GRAV) جنباً إلى جنب مع فنانين مثل فرانسوا موريليه وفرانسيسكو سوبريونهو وآخرين، حيث رفضوا فكرة السيد الفنان الوحيد وراحوا يجرّبون بشكل جماعي حول الحركة والإدراك والمشاركة العامة.
ما برح الضوء يشكل علامته المميزة؛ أعماله مثل Mobile Transparent (1960) وشبكات الضوء المتحرك Light in Movement (1962) برهنت على قدرته في خلق تجارب بصرية تبدو وكأنها تتحرك وتتبدّل أمام العين. بدلاً من تقديم أشياء مكتملة للتأمل، افتعل حالات تشجّع على الاستكشاف والاكتشاف. وبلغت شهرته الدولية ذروتها حين نال الجائزة الكبرى للرسم في بينالي البندقية عام 1966؛ جائزة حملت بعض التباين لأن كثيراً من الأعمال التي نال بها التقدير لم تكن تشبه اللوحات التقليدية بقدر ما اعتمدت على الضوء والانعكاس والحركة.
لم تكن تجاربه الشكلية منعزلة عن ميوله السياسية. ترعرع في الأرجنتين خلال حقبة بيرون فبقي شديد الحذر من السلطة، سواء كانت سياسية أو ثقافية، ورفض أن يفرض النقّاد أو القيمون أو المؤسسات والصالات معنى الأعمال على الجمهور. آمن أن على المشاهد أن يصل إلى استنتاجاته بنفسه عبر الخبرة المباشرة، فصارت هذه القناعة محور ممارسته الفنية وملامح التزامه السياسي. بعد مشاركته في حركة الاحتجاجات التي اجتاحت فرنسا عام 1968 طرد لفترة قصيرة من البلاد، ولم يزد ذلك الحدث إلا في صقل سمعته كفنان يربط بين التجريب الفني وتحدي السلطة.
على الرغم من ارتباطه بحركة الفن الحركي في الستينيات، لم يتوقف لو بارك عن إعادة ابتكار نفسه. طوّر عبر عقود سلسلات رئيسية مثل Modulation وAlchemy، مستخدماً تحولات لونية وهندسية دقيقة لخلق أوهام حركة على السطوح المسطحة. غالباً ما عمل على مشاريع متعدّدة في آن واحد واستمر في إنتاج أعمال جديدة حتى تسعينيات عمره وما بعدها؛ حتى في مقابلة قصيرة كان يجد نفسه يتخيل عملاً فنياً جديداً.
عاد الاهتمام بأعماله للارتفاع في العقد الثاني من الألفية الثانية، مع معارض استعادية كبرى في مؤسسات مثل Palais de Tokyo في باريس، ومتحف بيريز للفنون في ميامي، وMet Breuer في نيويورك. وفي الأرجنتين، حيث بقي شخصية ثقافية محبوبة رغم إقامته الطويلة في الخارج، شملت احتفالات عيد ميلاده التسعين عام 2019 معارض ومشروعات عامة وعرض إضاءة ضخم على مسلة بوينس آيرس.
حتى مع تراجع قدرته على السفر بسبب التقدّم في السن، واصل العمل: في 2024 منحته الهيئة الوطنية للفنون بالأرجنتين جائزة العمر المرموقة، وفي نفس العام نُصبت كرة ذهبية هائلة بعنوان Sol في صالة المغادرة بمطار إيزيزا الدولي في بوينس آيرس، بلغ قطرها حوالى عشرة أمتار وكانت من أكبر الموبيلات التي أنجزها على الإطلاق. كما اعتنق في سنواته الأخيرة تقنيات جديدة بنفس الفضول الذي ميّزه في بداياته؛ عمل مع أبنائه خوان وغابرييل ويامين على مشاريع واقع افتراضي وأطلق متحفاً افتراضياً، موسعاً اهتمامه الممتد بالمشاركة والإدراك الى المجال الرقمي.
توفيت زوجته الفنانة مارثا لو بارك في مارس 2025. ولهما ثلاثة أبناء شاركوا جميعاً في حفظ وتوسيع إرث والدهم الفني.
جاء نبأ رحيله قبل أقل من أسبوعين من افتتاح معرضه الاستعادي الكبير “جوليو لو بارك: ضوء. لون. حركة.” في تيت مودرن، وهو معرض يطوف أعماله منذ أواخر الخمسينيات حتى اليوم ويعيد رسم مسار مهنة امتدت قرابة سبعة عقود وجعلت المشاركة والحركة والإدراك من قضايا الفن المعاصر المركزية. سيُفتتح المعرض الآن بدونه، لكن لعمل فنان أمضى حياته في مطالبة الجمهور بأن يصبح شريكاً فاعلاً لا متفرجاً سائراً، يبقى العرض أكثر من مجرد تأبين؛ هو تذكير بمدى أثره على المشهد الفني المعاصر.