مستقبل غزة بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار في إيران ولبنان — ماذا ينتظرها؟

غزة — مع تفعيل هدنتين هشّتين بين الولايات المتحدة وإيران وبين إسرائيل ولبنان، يطرح سكان قطاع غزة سؤالاً يلحّ عليهم: هل سيتيح التهدئة على جبهات أخرى لإسرائيل تكثيف هجماتها العسكرية على القطاع، أم سيدفعها إلى اتباع مسار أكثر حذرًا؟

منذ الثامن من نيسان/أبريل حافظت واشنطن وطهران على وقف تصعيد متوتر بعد أسابيع من الغارات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وردود طهران التي استهدفت مواقع داخل إسرائيل وبنى تحتية وأصولًا أميركية في المنطقة. ومع ذلك، يظلّ إغلاق إيران لمضيق هرمز وفرض الولايات المتحدة حصارًا على موانئ إيرانية عاملَين مقلقَين في المشهد الإقليمي، بينما تحاول وساطة باكستان إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.

سيناريوهان رئيسيان

يرى بعض الفلسطينيين أن هدوء الأسلحة النسبي على جبهات إيران ولبنان قد يتيح لإسرائيل استئناف عملياتها ضد غزة، بينما يعتبر آخرون أن تجدد الحرب على القطاع قد يكون تكتيك ضغط تهدف من خلاله تل أبيب للتأثير على مسارات التفاهمات الجارية مع طهران وبيروت.

المشهد في غزة اختصره كثيرون في خيارين: إما أن يستثمر الجانب الإسرائيلي الهدوء الإقليمي لتركيز الضغوط العسكرية على القطاع، أو أن تمنع اعتبارات إقليمية ودولية استئناف العمليات بالحجم الذي شهدته قبل «الهدنة» في أكتوبر.

دوافع إسرائيلية واعتبارات ضاغطة

يربط محلّلون مسار القرار الإسرائيلي بموقف حماس من مطلب الغرب ونقطة الارتكاز في الخطة الأميركية لوقف النار: نزع سلاح الحركة كشرط للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتضمن تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة وإمكانية نشر قوات دولية ومناقشة مستقبل السلاح داخل القطاع.

يقول وسام عفيفا، باحث وصحفي مختص بالتحليل السياسي والاستراتيجي، إن الهدوء النسبي على الجبهتين الإيرانية واللبنانية يزيد من وزن غزة في الحسابات الإسرائيلية، لأن خفض استنزاف الجبهات المتعددة «يتيح إعادة تركيز الاهتمام العسكري والسياسي على أجندة لم تُحسم بعد»، من ضمنها مستقبل حكم القطاع ومصير سلاح حماس. لكنه يحذّر من أن ذلك لا يعني بالضرورة حربًا شاملة، بل قد يتخذ شكل «تكثيف ضغوط سياسية وأمنية منخفضة الشدة»، إذا اعتُبرت هذه الوسائل قادرة على تحقيق مكاسب بتكلفة أقل من فتح مواجهة كبرى.

يقرأ  محمود خليل«قصتي مجرد قطرة في محيط الأسى الفلسطيني»الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

ولفت عفيفا إلى أن هذا التوجّه يتزامن مع استمرار إسرائيل في توسيع مناطق سيطرتها داخل غزة ومطالبتها المتكررة بنزع سلاح حماس بوصفه «العقبة المركزية في الخطة الأميركية». وأضاف أن غياب جبهات إقليمية أخرى قد يجعل القطاع أكثر عرضة للضغوط، لأن تراجع التوترات في أماكن أخرى «يوفر مساحة القرار الإسرائيلي ويخفض تكلفة إعادة التركيز على الشريط الساحلي».

في المقابل، ثمة عامل موازن: المجتمع الدولي، وفي مقدمته واشنطن، قد يفضل بعد التهدئة في لبنان وإيران إدارة التصعيد ومنع انفجار كبير في غزة. ويشير عفيفا إلى أن الدرس المستفاد من لبنان يظهر أن إدارة التصعيد تظلّ الخيار المفضل لواشنطن عندما تخشى من امتداد الحرب وتبعاتها الإقليمية، ويتوقع أن تنتهج إدارة ترامب سياسة مشابهة تجاه غزة، ليس بالضرورة لإيجاد حل عادل ونهائي بل لاحتواء الانفجار وشراء الوقت ودفع الأطراف نحو ترتيبات مرحلية.

نزع سلاح حماس

يرى عديثون أن ربط حماس نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي كامل وإقامة دولة فلسطينية يمثل خطوة استراتيجية جوهرية، لا مجرد بند تفاوضي تقني؛ إذ يؤطر السلاح ضمن ضمانات طويلة الأمد بدل أن يبقى قضية إجرائية. لكن إن انتهت الحروب في إيران ولبنان، فسيرتفع ضغط إسرائيل والولايات المتحدة على حماس، إذ قد يتحول نزع السلاح إلى موضوع محوري في الملف الغزّي. من جهتها قد تسعى حركة حماس إلى نقل النقاش من نزع السلاح الفوري إلى مطالب أوسع تشمل الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم، حتى لا يظهر ملف السلاح كاستسلام سياسي داخلي.

إسرائيل قالت إن انسحابها مرتبط بنزع سلاح حماس، بينما تصر الحركة على أن أي نقاش حول سلاحها يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي كامل وفتح المعابر وإعادة إعمار غزة كجزء من شروط المرحلة الأولى من الهدنة. وبحسب عفيفا، السيناريو الأكثر ترجيحًا هو «جمود تفاوضي طويل مع محاولات إطلاق مسار تدريجي بدل اختراق سريع»، وبالتالي قد تنبثق ترتيبات إنسانية جزئية، لكن «الانسداد الجوهرى سيبقى مؤجلاً» حتى يتغير ميزان الضغوط أو يظهر إطار ضمانات جديد.

يقرأ  فنزويلا: محاولة أميركية لتغيير النظام بلمسة ترامبية | سياسة

السياسات التوسعية الإسرائيلية والتداعيات الإنسانية

من جانبه، يرى المحلل عاهد فروانة أن التهدئة في لبنان وإيران أعادت ترتيب أولويات إسرائيل، فجعلت غزة أقل حضورًا في الخطاب الدولي رغم استمرار العمليات العسكرية. وحذر من أن إسرائيل تواصل ممارساتها التي تشمل عمليات اغتيال وقصفًا وفرض قيود على دخول المساعدات والتنقل، وهو ما يحول الواقع الإنساني إلى كارثة حقيقية داخل المخيمات حيث تنتشر القوارض والأوبئة.

وتحدث المتحدث باسم حماس حازم قاسم عن استمرار الاعتداءات والقتل، مشيرًا إلى أكثر من 700 قتيل منذ بداية ما يسمى بالهدنة، وناقلًا أن الحركة تطالب بتنفيذ شروط المرحلة الأولى كاملة قبل الانتقال للمرحلة الثانية، مطالبةً ببناء قاعدة ثقة واضحة عبر التنفيذ الكامل لهذه الالتزامات. وانتقد ربط تنفيذ المرحلة الثانية بنزع السلاح واعتبره «انحيازًا واضحًا للرؤية الإسرائيلية».

محادثات ومآلات

جرت عدة جولات بين وفد حماس والمبعوث الأممي نيكولاي ميلادينوف في القاهرة خلال مارس وهذا الشهر، وتركّزت على تثبيت الهدنة وتطبيق المرحلة الأولى ومعالجة القضايا الإنسانية وفتح المعابر، إضافة إلى مسار الانتقال للمرحلة الثانية. وعلى الرغم من وصف بعض هذه الجولات بالإيجابية، لم تسفر عن اختراق جوهري لكنها أسست لمسار مفاوضي يُحاول الحفاظ على الهدوء مع تأجيل البنود الحسّاسة مثل نزع سلاح حماس.

وبحسب محلّلين، تعكس تصريحات إسرائيل مزيجًا من الضغط للتفاوض مع إبقاء الحرب كخيار ردعي ورافعة تفاوضية. وبينما تظل الحرب واردة إذا فشل المسار التفاوضي أو استمر الجمود حول سلاح حماس، فإن تكاليفها البشرية والعسكرية وغياب نهاية سياسية واضحة، إلى جانب الانقسامات الداخلية الإسرائيلية وضغوط أميركية، قد تقف كحدود تمنع اندلاع مواجهة شاملة.

خلاصة متحفّظة

يرجح كثيرون أن عودة حرب شاملة تبدو غير المرجحة في الوقت الراهن، لكن ضغوط اليمين المتطرف والاعتبارات السياسية الداخلية قد تدفع نحو تصعيد محدود. وتبقى الحاجة ملحّة لتدخل عربي وإسلامي أقوى يدعم تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة ويوازن الضغط الأميركي على تل أبيب؛ فالرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون الفاعل الأقوى لفرض ضغوط فعلية على نتنياهو، لكن ذلك يظل مرتبطًا بضغط موازٍ من الدول العربية والإسلامية لتنفيذ التزامات وقف النار وإرساء حل سياسي مستدام.

يقرأ  تقارير: ستارلينك تُتاح مجانًا في إيران

أضف تعليق