فيلادلفيا، الولايات المتحدة — رأى علي الكبّاسي منتخب العراق في نهائيات كأس العالم للمرة الأولى على شاشة التلفاز وهو في الثالثة عشرة من عمره. وبعد أربعة عقود، وقف داخل ملعب فيلادلفيا ليشهد عودة بلاده إلى المسرح الكبير ومواجهتها لبطل العالم السابق فرنسا.
رغم الخسارة القاسية 3-0 في المباراة الثانية من دور المجموعات، ظل الكبّاسي ممتنّاً لفرصة مشاهدة العراق حياً في البطولة.
«رؤية العراق في كأس العالم نفسها تكفيني»، قال ذلك لقناة الجزيرة، مضيفاً أن الأداء لم يكن سيئاً تماماً والنتيجة كانت متوقّعة أمام منتخب على مستوى مختلف. وأشاد بأن لاعبي العراق لم يقتصر دورهم على إطالة الكرات فحسب، بل حاولوا بناء الهجمات.
عند صافرة النهاية وقف مشجعو العراق وصفّقوا لفريقهم، وحتى مع تأخّر الثلاثة أهداف في الدقائق الأخيرة ظلّ الحضور يهلّل لكل هجمة كما لو أن الحماس وحده قادر على تحويلها إلى هدف تعادل.
مسألة فخر
لمدينة طالما عانت من محن متلاحقة عبر عقود، كانت مشاركة العراق في كأس العالم بمثابة فرحة صافية لمشجعين أتوا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة والعالم لمؤازرة المنتخب.
هالة مايخان، عراقية-أمريكية تقيم في ولاية ويسكونسن، وصفت عودة العراق إلى النهائيات بعد أربعين عاماً بأنها حلم تحقق. «نحن نعيش الحلم. وطني، العراق، وصل إلى نهائيات كأس العالم في أمريكا حيث أعيش — الحلم عندي مزدوج»، قالت ذلك للجزيرة.
ثم عبّرت عن امتنانها للاعبين لأنهم جمعوا العراقيين من كل بقاع الأرض في مكان واحد لتوحيد الدعم. «نحن مع هذا الفريق مهما كانت النتائج»، أكّدت. «مع أنهم يفتقرون للخبرة، نأمل أن يقدموا أداء جيداً، ونأمل أيضاً نجاح كل المنتخبات العربية».
انطلقت فرنسا بطاقتها المعهودة منذ البداية، وسرعان ما سكت نجمها كيليان مبابي جمهور العراق بهدف صاروخي من على مشارف منطقة الجزاء في الدقيقة 14، لكن الصدمة لم تدم طويلاً.
عقب الهدف عاد المشجعون ليضربوا الطبول ويهتفون «العراق، العراق» في أرجاء الملعب. وتكرّر المشهد مع كل هدف فرنسي — تهدأ الهتافات مؤقتاً ثم تعود أقوى — لكن الروح لم تنكسر.
وعلى الرغم من الفارق الكبير في الإمكانات بين المنتخبين، لم يكتفِ العراقيون بتركيب الحافلة أمام المرمى أو برمي الكرة بعيداً؛ بل حاولوا الحفاظ على الاستحواذ واللعب عبر الضغط العالي لفرنسا.
محمد عبدالجبار، المقيم في تكساس، قال إن النتيجة كانت مخيّبة لكن الأداء كان متوقعاً أمام منافس أقوى. «أداؤهم كان جيداً. نعم، كانت هناك أخطاء، لكن ظهرت أيضاً بعض اللقطات الجميلة. نحن فخورون بهم، ونشكرهم لأنهم أعادونا إلى كأس العالم»، قال ذلك للجزيرة، مشيراً إلى أن مشاهدة العراق من داخل الملعب كانت «تجربة لا توصف».
خارج الميدان الرياضي، فرضت رحلة العراق في البطولة صورة وطنية موحّدة تطغى على الانقسامات الطائفية والدينية. في الملعب يوم الاثنين لوّحت أعلام كردية وآشورية بجانب العلم الوطني، لكن كل الجمهور وقف خلف اللاعبين صفّاً واحداً.
حسام نافع، مشجع سافر أربع ساعات من فيرجينيا لمتابعة المباراة، رأى أن البلاد بدأت تتجاوز الخلافات وأصبحت أكثر اتحاداً حول المنتخب. «أينما ذهبنا، نحن كعراقيين فرحون وموحّدون، ونأمل أن يبقى الحال كذلك»، قال نافع وهو متدلٍّ بعلم العراق أمام الملعب.
على امتداد عقود شهد العراق انقلابات وحروب وحصارات وصراعات داخلية وغزو قادته الولايات المتحدة وصعود تنظيم داعش. اليوم يمرّ بمرحلة من الهدوء النسبي، مع بقاء الكثير من التحديات الإقليمية والدولية تحيط به.
نورس الماموري قدِم من جنوب أستراليا إلى فيلادلفيا لمساندة المنتخب، وقال إن الحماس المصاحب للمشاركة يقدّم راحة مطلوبة لملايين العراقيين. «العراقيون مرّوا وما زالوا يمرّون بالكثير. هم يستحقون هذه الفرحة»، قال للجزيرة.
كما اجتاحت عاصفة عنيفة المباراة، إذ توقفت لنحو ساعتين في الاستراحة بسبب مطر غزير وبروق رعدية. ومع ذلك، عند الطوابير المتجهة إلى البوابات تحت سيل السماء، كان أحد المشجعين، حسن رعد، هادئاً بشأن الطقس والنتيجة: «مطر، شمس، صقيع، صحراء — نحن هنا من أجل لاعبيّنا. النتيجة لا تهمّنا. مهمتنا كمشجعين هي الدعم».
وعبرت آتِكة صالح، عراقية-أمريكية من ويسكونسن، عن نفس المشاعر قبل المباراة: «مهما حدث اليوم، لقد جاؤوا بنا إلى هنا لنتشارك معهم الفرح. فشكراً لهم. نحن فخورون جداً بهذا الفريق.»