مع تقدم إسرائيل إلى ما وراء نهر الليطاني، اللبنانيون يتساءلون عن جدوى قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام — هجمات إسرائيل على لبنان تتصاعد

بيروت، لبنان — تنتهي ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في 31 ديسمبر 2026، منهية بذلك دورها كمهمة حفظ سلام دام أربعينَ وثمانِ سنوات.

هذا الأسبوع تقدَّمت إسرائيل أعمق داخل الأراضي اللبنانية مما شهدته منذ انسحابها من احتلال جنوب البلاد عام 2000. وعجز الهيئة الأممية عن منع التوغّل أثار تساؤلات واسعة حول صلاحيات يونيفيل وفاعليتها في حفظ السلم.

تعرضت يونيفيل لانتقادات من جهتين؛ إسرائيلية ولبنانية، تُحمّلها إخفاقات متعددة. وغالبًا ما تنتقد إسرائيل القوة الأممية لعدم قدرتها على نزع سلاح حزب الله أو منع إعادة تسليحه، مع أن قرار مجلس الأمن رقم 1701 — وهو الإطار القانوني لعمل القوة في لبنان — لا يفرض مثل هذا التفويض. بالمقابل، اتُهمت يونيفيل أيضًا بالتعاون ضد مجموعات مسلحة لبنانية تقاتل إسرائيل.

قال المحلل السياسي اللبناني عماد سلامة لقناة الجزيرة: «لطالما اتهمت إسرائيل يونيفيل بعدم منع وجود حزب الله العسكري وتزويده بالسلاح، بينما اتهم حزب الله وأنصاره القوة الأممية مرارًا بالعمل بما يخدم مصالح المخابرات والأمن الإسرائيليين. في كلتا الحالتين ثمّة عناصر من الرسائل السياسية بقدر ما ثمّة تقييمات تشغيلية، إذ يسعى كل طرف لصياغة رأي عام يدعم روايته بشأن الأمن والسيادة والمسؤولية عن الصراع».

انتقادات في غير محلها

صعدت إسرائيل حربها على لبنان في الثاني من مارس، بعد ساعات من أول قصف لحزب الله باتجاه إسرائيل منذ أكثر من عام، لتفتح بذلك سلسلة كوارث جديدة على اللبنانيين. بررتْ حركة حزب الله ردها بأنه جاء رداً على أكثر من عام من الهجمات الإسرائيلية على لبنان وبحثًا عن ردّ على اغتيال إيران لقائد رفيع، بحسب روايتها. ومع ذلك واصلت إسرائيل مدّ غزوها، رغم اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، وهو أطول وأجرأ تدخل لها منذ عقود.

يقرأ  بدء التصويت المبكر في سباق عمدة نيويورك — ممداني يتقدم في استطلاعات الرأي

منذ الثاني من مارس، قتل الإسرائيليون في لبنان 3,412 شخصًا، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، ونزح أكثر من 1.2 مليون شخص، بعضهم أكثر من مرة. وحتى قبل التصعيد الأخير، خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار لعام 2024 أكثر من 10,000 مرة حسب الأمم المتحدة. في الجنوب، حيث تنشط يونيفيل، جُرِّدت بلدات وقرى من بنيتها ثم دُمرت بالكامل منذ بدء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في أكتوبر 2023، وتسارعت وتيرتا الدمار وخطورتهما بعد الهجوم الإسرائيلي في مارس، رغم الاتفاقات المتكررة على وقف النار.

تأسست يونيفيل خلال الغزو الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978، ثم عاد الاحتلال في 1982 وبقي حتى عام 2000، حين أُجبرت إسرائيل على الانسحاب أمام مقاومة محلية قادها خصوصًا حزب الله في الجنوب. يدعو قرار 1701 إلى وقف الأعمال القتالية بين حزب الله وإسرائيل، وإلى نشر قوات لبنانية ويونيفيل في الجنوب. كما ذُكر تنفيذ القرار أثناء مفاوضات وقف النار عام 2024. ولا تمنح ولاية اليونيفيل تفويضا لاستخدام القوة ضد حزب الله أو إسرائيل أو أي طرف آخر، إلا عند الدفاع عن النفس.

يقول سلامة: «خلال السنوات الثلاث الماضية، اقتصر دور يونيفيل إلى حد كبير على المراقبة والرصد والاتصال والتبليغ أكثر من كونه تطبيقًا للقرار. حتى اسمها — قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان — خلق أحيانًا توقعات بأنها قوة لفرض السلام وقادرة على منع الأعمال العدائية، بينما عملت فعليًا تحت قيود سياسية وتشغيلية كبيرة».

إسرائيل لا تريد «شهودًا»

تطورت ولاية يونيفيل عبر السنوات. بعد حرب يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل، اضطلعت اليونيفيل بمسؤوليات تنفيذ التزامات قرار 1701، وفق ما قال المتحدث الإعلامي لليونيفيل تيلاك بوكاريل للجزيرة. اليوم ما زالت القوة تنفّذ واجباتها لكن بمقوِّغات وعقبات من الأطراف المشاركة في العمليات القتالية؛ فقد تضررت أو دُمرت طرق، ووضعت إسرائيل حواجز عسكرية، بينما نشر حزب الله ألغامًا على بعض الطرقات، بحسب بوكاريل. «أنشطتنا مقيدة ومحدودة بشدة… بسبب الظروف»، أضاف.

يقرأ  عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي يزعمون أنهم طُردوا ظلماً بعد ركوعهم خلال احتجاج في الولايات المتحدة أخبار دونالد ترامب

تعرض عناصر حفظ السلام لهجمات متكررة منذ استئناف الأعمال القتالية. في أبريل قُتل جندي فرنسي أثناء دورية، واتهمت باريس حزب الله، كما جُرح ثلاثة من عناصر القوة في قرية الغندورية في أبريل أيضًا. أحاطت إسرائيل أحيانًا قواعد يونيفيل ورفعت كاميرات خارج إحدى المنشآت في خطوة قيل إنها لإزالتها لاحقًا. قال دبلوماسي للجزيرة بصراحة: «لنكن صادقين، لم يريدوا شهودًا».

من المقرر أن تستأنف لبنان وإسرائيل مفاوضاتهما المباشرة الثلاثاء في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، بعدما عقدت قوات البلدين لقاءات تحضيرية. ومع ذلك، فإن المحادثات المرتقبة لم تُهدئ الوضع ميدانيًا؛ إذ تواصل إسرائيل توغلها في جنوب لبنان وأعلنت الأحد سيطرتها على قلعة بوفورت التاريخية التي يزيد عمرها عن 900 عام. كما أصدرت أوامر إخلاء قسري لبلدتين كبيرتين في الجنوب خلال الأيام الأخيرة، وأفاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه أقرّ ضربات ضد ضواحي بيروت الجنوبية (الضاحية الجنوبية أو «الضاحية»).

أوضح بوكاريل أن الأحد مثّل تصعيدًا حادًا في الجنوب، حيث سجّلت اليونيفيل أعلى عدد انتهاكات ومسارات عبور بين الجانبين منذ 17 أبريل، وهو التاريخ الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن وقفًا لعمليات القتال سيبدأ سريانه.

مستقبل ما بعد اليونيفل

رغم استمرار الحرب، تقول دبلوماسيات أوروبية إن هناك دعمًا قويًا في أوروبا ولبنان لاستمرار شكل من أشكال هيئة مراقبة في البلاد بعد أن تبدأ يونيفيل في تقليص وجودها وإنهاء عملها بنهاية العام. في ذروة انتشارها كان عدد قوات يونيفيل يقارب 15,000 عنصر في الجنوب. لكن تقليصات مالية خفضت هذا الرقم إلى ما يزيد قليلًا على 7,000 حاليًا؛ وأوضح بوكاريل أن نحو 3,000 عنصر غادروا دون استبدال خلال الأشهر الستة الماضية تقريبًا. وبينما رغبت الحكومة اللبنانية وقطاعات واسعة من المجتمع الدولي في تمديد الولاية، صوتت الولايات المتحدة ضد ذلك.

يقرأ  يوويري موسيفيني يهزم بوبي واين ويظفر بولاية رابعةً؟

قال دبلوماسي أوروبي: «تبنت الولايات المتحدة الموقف الذي اختارته إسرائيل. نحن قلقون من فراغ».

طُرحت بدائل عدة، منها قوة أممية مصغرة تحت إشراف منظمة وقف إطلاق النار التابعة للأمم المتحدة (UNTSO)، الموجودة في البلاد منذ 1947، لكنها تُقدَّر بوجود نحو 50 فردًا فقط. وقال دبلوماسيون إن دولًا أوروبية وأفريقية وآسيوية عرضت التبرع بقوى بشرية لأي هيئة تحل محل يونيفيل في 2027 وما بعدها.

مع ذلك، يؤكد المحللون أن يونيفيل أو أي بديل لن يكون قادرًا على إرساء السلام في جنوب لبنان بمفرده. ذلك يتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا في لبنان وإجماعًا إقليميًا أوسع. يربط كثيرون مصير لبنان بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، الراعي الرئيس لحزب الله؛ وقد كرر ترامب القول بأن اتفاقًا وشيك، رغم أن وقف النار قُوِّض مرات عدة، من بينها حادثة أول من الاثنين حين اتهمت الكويت حليفَها أن إيران هاجمته.

يخلص سلامة إلى أن «لا قوة دولية مرجحٌ أن تفرض وقفًا دائمًا لإطلاق النار أو تفرض نزع سلاح ناجحًا أو تحافظ على استقرار طويل الأمد ما لم يقم توافق سياسي أوسع داخل لبنان وعلى مستوى الإقليم. فالاستقرار الدائم يرتبط أقل بتصميم قوة دولية وأكثر بإطار إقليمي تقبل فيه إسرائيل سلامًا حقيقيًا قائمًا على الاعتراف المتبادل بالسيادة وتقرير المصير، بما في ذلك حل عادل للقضية الفلسطينية، فيما يحقِّق لبنان وفاقًا داخليًا بشأن سلطة الدولة واحتكار السلاح».

أضف تعليق