من المرجح أن يؤدي اغتيال آية الله علي خامنئي إلى نتائج عكسية — إليك السبب (الصراع الإسرائيلي الفلسطيني)

استمع إلى هذا المقال | 6 دقائق

من التكتيكات المفضلة في الحروب محاولة “قطع رأس” قيادة الخصم. ورغم أن مثل هذه الاستراتيجيات قد تنجح في سياقات محددة، إلا أنها في الشرق الأوسط أثبتت أنها خيار كارثي في كثير من الحالات.

لا شك أن اغتيال زعيمٍ معادٍ قد يمنح دفعة شعبية سريعة في خضم حرب. ويبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتمتعان حالياً بوهج شعبيّة مؤقتة بعد ما يُنظر إليه على أنه “نجاح” في اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

مع ذلك، قتل رجل في الثامنة والثمانين من عمره كان قد بدأ بالفعل تهيئة بدائل للخلافة بسبب تدهور صحته ليس إنجازاً بالقياس إلى القوة النارية الهائلة التي تملكها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً. والأهم أن استئصال رأس النظام لا يضمن بالضرورة أن يأتي من بعده قيادة أو نظاماً ينسجم مع مصالح تل أبيب وواشنطن.

لأن اغتيالات القادة نادراً ما تؤدي إلى نتائج سلمية في الشرق الأوسط؛ فهي قد تفتح الباب أمام خلفاء أكثر تشدداً أو تخلق فراغاً ασφαِياً يتحوّل إلى فوضى وعنف وهزات اجتماعية.

نظرة سريعة إلى التاريخ الحديث تُظهر أن التجارب الإسرائيلية والأميركية مع فكرة “قطع الرأس” في صراعات المنطقة آتى ثماراً عكسية. في العراق، اُعتُقل صدام حسين على أيدي قوات أميركية وسلم إلى قضاةٍ عراقيين أعدموه؛ ما أنهى نظاماً كان عدائياً تجاه إسرائيل، لكنه أتاح بالمقابل نفوذاً قوياً لقوى موالية لإيران.

وبناءً على ذلك، تحوّل العراق على مدى العقدين التاليين إلى منصة لانطلاق الاستراتيجية الإقليمية لإيران، التي بنت شبكة فعّالة من الفاعلين غير الدوليين هدّدت مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أن الفراغ الأمني الذي خلّفته الغزوة الأميركية أطلق موجات تمرد مختلفة، كان أخطرها صعود تنظيم داعش الذي اجتاح أجزاءً واسعة من المنطقة وقتل آلاف المدنيين، بمن فيهم مواطنون أميركيون، وأدّى إلى موجة لجوء ضخمة إلى دول حليفة للولايات المتحده وإسرائيل في أوروبا.

يقرأ  ما الذي يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتخاذ إجراءات ضد فنزويلا؟ — الشؤون العسكرية

حالة حماس مثال آخر: منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كرّرت إسرائيل محاولات اغتيال لقيادتها. في 2004 نجحت بقتل مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين ثم خلفه عبد العزيز الرنتيسي، الذي اعتبره البعض “معتدلاً”. بعد مزيد من الاغتيالات، انتُخب يحيى السنوار رئيساً لحماس في غزة، ولعب دوراً مركزياً في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر 2023.

وتتبع حزب الله مساراً مشابهاً؛ فقد صعد حسن نصرالله إلى زعامة الحركة بعد اغتيال سلفه عباس الموسوي، وقاد توسعها لتصبح قوة غير حكومية ذات ثقل إقليمي.

قد تكون سنوات الحرب والنزف في الرئاسات والقيادات قد أضعفت مجموعات مسلحة بعينها، لكن إسرائيل فشلت في اغتيال الفكرة المؤسسة وراءها: مقاومة الاحتلال. وربما يكون الهدوء الحالي مجرد سكونٍ قبل عاصفة أخرى.

في حالة ايران، من غير المحتمل أن يكون من يخلف خامنئي منفتحاً على تفاوضات بالقدر الذي ظهر عليه الأخير. التصريحات التي نقلها الوسطاء العُمانيون خلال محادثات مسقط وجنيف أشرَت إلى تنازلات كبرى كانت طهران تحت حكم خامنئي مستعدة لتقديمها بشأن ملف النووي. وهكذا من غير المتوقع أن يتوفر لخلفه المساحة السياسية لمواصلة تلك المسارات.

إذا واصلت إسرائيل والولايات المتحدة حملتهما ودفعا فعلاً باتجاه انهيار الدولة في إيران، فإن مآلات ذلك الفوضى ستكون غير متوقعة. لكن إذا استندنا إلى ما رُوي من تجربتي العراق وليبيا، فإن فراغاً أمنياً في إيران سيحمل عواقب مدمرة لحلفاء واشنطن في المنطقة وأوروبا على حد سواء.

تطرح هذه اللوحة سؤالاً محورياً: ماذا تكسب إسرائيل والولايات المتحدة من استراتيجية “قطع الرأس” هذه في إيران؟

بالنسبة لنتنياهو، يمثل اغتيال خامنئي نجاحاً سياسياً كبيراً. وهو يواجه انتخابات حاسمة قد تنهي حياته السياسية وربما تؤدي إلى سجنه على خلفية أربع قضايا فساد؛ لذا فإن المكسب القصير الأمد من شعبية وأصوات انتخابية يبرر له المخاطرة. القادة الإسرائيليون عموماً لا يبالون كثيراً بالتخطيط على المدى المتوسط أو الطويل ولا يتحملون عادة تبعات المغامرات العسكرية في الخارج، خصوصاً وأن المجتمع الإسرائيلي يميل في أوساط واسعة إلى تأييدها.

يقرأ  ميشيل جيزين — بطلة التزلج الأولمبية تُنقل جوًا إلى المستشفى بعد حادث في سويسرا

أما بالنسبة لترامب، فالمكاسب أقل وضوحاً. له حرية التبجح بأنه أزال زعيماً مسناً ومريضاً لبلد بعيد أمام جمهور لا يملك شهية للحرب. وفي ظل أزمة مُستمرة في تكاليف المعيشة في الولايات المتحده، يُنفق مئات المليارات من دولارات دافعي الضرائب على حرب مع دولة لم تمثل تهديداً وشيكاً، حرب يصفها عدد متزايد من الأميركيين بأنها “حرب إسرائيل”.

بدلاً من إظهار قوة، يخاطر ترامب بأن يُنظر إليه كرجل خانته الحسابات وأُغرِيَ بالدخول في حرب مكلفة لضمان بقاء رئيس وزراء دولة أخرى سياسياً.

حتى الآن، يبدو أن الرئيس الأميركي وضع خطاً أحمر أمام نشر قوات برية أميركية واسعة النطاق؛ وفي مرحلة ما سيتعيّن عليه إنهاء حملة القصف وسحب القوات. ما سيبقى وراءه كارثة سيتحمّل عبئها حلفاء الولايات المتحدة الإقليميون. العلاقات التحالفية الأميركية في المنطقة مرشّحة للهبوط، والجمهور المحلي سيفرض أسئلة ومساءلات.

ستكون هذه مغامرة عسكرية أميركية إضافية في المنطقة تكلف دافعي الضرائب الأميركيين مالاً وحياة جنود ونفوذاً في السياسة الخارجية، من دون عائد محسوس. والأمل أن تتعلم واشنطن أخيراً الدرس القائل بأن الاغتيالات واستراتيجيات قطع الرؤوس لا تجدي نفعاً.

الآراء المعبر عنها في هذا النص تعبّر عن رأي الكاتب وحده وقد لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق