هزم أوربان في المجر — لكن الأوربانيسم لا يزال قائمًا | الاتحاد الأوروبي

في يوم الأحد، تكبّد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان هزيمة مدوية في انتخابات البرلمان بعد ستة عشر عاماً من السلطة. وعلى الرغم من كل الاتهامات التي طُرحت بأنه مستبد أو حتى ديكتاتور، اعترف سريعاً بالهزيمة في خطابٍ غارقٍ في الدموع موجّه إلى أنصاره.

في ظل أجواء التشاؤم التي تعم الاتحاد الأوروبي، يشكّل سقوط أوربان السياسي مُناسبة للاحتفال بالنسبة لكثيرين. لكن هذا الانتصار مُجرد نصر بيريني للقادة الحاليين في التكتل وللقيم الليبرالية-الوسطية التي يزعمون تمثيلها. فقد انتهت مسيرة أوربان السياسية، لكن روح «الأوربانية» لا تزال حاضرة وبقوّة.

يمرّ الاتحاد الأوروبي الآن بأسوأ أزمة جيوسياسية في تاريخه. قيادته العاجزة وذات الرؤية المحدودة ما تزال تفكّر بأطروحات من القرن العشرين وتسعى لتتفوق على خصومها غير الليبراليين بخطابات قومية متشددة، لا سيما تجاه روسيا. وعلى رغم إخفاقها في الوفاء بوعود خنق نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقتصادياً وهزيمته عسكرياً في أوكرانيا، فإنها تواجه الآن احتمال انفصال سياسي عن الولايات المتحدة وأزمة اقتصادية واسعة النطاق ناجمة عن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانخراط في مواجهة مع إيران.

أمّنت فوزَ حزب يُقدَّم على أنه موالٍ لبروكسل ويتزعمه بيتر ماجيار، فرصة نادرة لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للاحتفال؛ إذ كتبت على منصة X أن المجر «اخترت أوروبا» وأنها «عادت إلى مسارها الأوروبي».

إطار كل شيء بمفاهيم مسيحية-تحريرية حضارية تفيض بروح تفوّق غربي صار أسلوب المفوضية الحالية، حتى وأن بدا ذلك في تناقض مع التاريخ.

المجر لم «تختَر أوروبا» بالمعنى الرمزي فحسب؛ إنها بلدٌ في قلب القارة ساهم في تشكيل السياسات الأوروبية لقرون. وتحت حكم أوربان كان تأثيرها يفوق أحياناً وزنها الاقتصادي وحجمها الديموغرافي.

كانت حكومة أوربان الأولى من أدخلت المجر إلى حلف شمال الأطلسي عام 1999 ونجحت في مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. الانحدار السياسي التالي لأوربان نحو نزعات غير ليبرالية، الذي أفضى به إلى تقارب مع ترامب وبوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد يبدو متطرّفاً، لكنه يتماهى مع التحوّل العام في القارة نحو اليمين المتشدد. وتعكس رئاسة فون دير لاين للمفوضية هذا الانزلاق نفسه، بل بُهرجيةٍ أكثر فيما يتعلّق بالميل إلى عسكرة السياسات.

يقرأ  غارات جوية في العراق تقتل ثلاثة عناصر من الحشد الشعبي وشرطيينأخبار: حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران

من المهم الإشارة هنا إلى أن الفائز في انتخابات الأحد، بيتر ماجيار، زعيم حزب تيسا، هو حليف سابق لأوربان ويشارك إلى حدّ كبير مجموع قيمه السياسية (أو انعدامها)، لا سيما في قضايا الهجرة والجيوسياسة.

مثل غالبية المجريين، يُظهر ماجيار تشكّكاً تجاه أوكرانيا ولا يريد أن تساند بلاده كييف مالياً أو عسكرياً، رغم أن حكومته يُتوقَّع أن ترفع الحظر عن قرض الاتحاد الأوروبي بقيمة تسعين مليار يورو، وهو أمر حيوي لاستمرار الحرب مع روسيا في السنين المقبلة.

في مقابلة نُشرت عشية الانتخابات قال ماجيار إن «لا أحد يريد حكومة مؤيدة لأوكرانيا في المجر» وإن اعتماد المجر على الغاز الروسي سيُجبره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع بوتين، مع تأكيده أن الاثنين لن يصيرا أصدقاء.

إذا رفعت الحكومة المجرية الجديدة الفيتو عن القرض، فقد تتدخّل دول أعضاء أخرى بالاتحاد — دول كانت في السابق ترحب بصمت عندما كان أوربان يعطل مبادرات برو-أوكرانية داخل التكتل.

حتى قبل هزيمة أوربان، برز رئيس وزراء بلجيكا بارت دي ويفر كقائد جديد متشكك في أوكرانيا داخل الاتحاد الأوروبي. وقد أحبط خطة المفوضية الأوروبية للاستفادة من الأصول الروسية، وهو ما دفع التكتل إلى اعتماد فكرة قرض تسعين مليار يورو.

ثمّة قوى سياسية متقاربة الفكر، لا سيما في شرق الاتحاد. سلوفاكيا تحكمها الآن رئاسة روبرت فيكو التي تحالفت مع أوربان في معظم الملفات، خصوصاً بشأن أوكرانيا. في التشيك تولّت ائتلافية تشكّكية تجاه أوكرانيا بقيادة أندريه بابيش الحكم، لكنها لم تُظهِر بعد كامل مواقفها على المسرح الأوروبي. وفي بولندا يصطدم الرئيس المشكّك في أوكرانيا كارول نافروتسكي بالحكومة المؤيدة لكنّه — (السياسةا) — لافتت إلى خلافه مع رئيس الوزراء دونالد توسك. <—[TYPO: تكرار حرف واحد]

يقرأ  فاتني ركوب التلفريك في لشبونة الذي أودى بصديقي
في الوقت نفسه، يبرز اتجاه مقلق داخل الاتحاد: قبل الانتخابات المجرية تم تسريب محادثات مسجلة بين وزير خارجية أوربان بيتر سييارتو ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وربما كانت وراءها أجهزة استخباراتية أجنبية. وأتاحت هذه التسجيلات لأصوات غربية معارضة لأوربان أن تتهم سييارتو بأنه أداة روسية. وفي 2024 شهدت رومانيا أيضاً تدخلاً لوكالات استخباراتية في مجرى انتخاباتٍ رئاسية؛ إذ ألغت المحكمة العليا نتيجة الجولة الأولى بعد فوز مرشح موالٍ لروسيا من أقصى اليمين استناداً جزئياً إلى سجلات استخباراتية عن «تدخّل روسي». أخطر ما في ربط كل القضايا السياسية حصراً بسياق الصراع الأوروبي-الروسي، كما تفعل المفوضية الحالية، هو أنه يمهّد لالتقاط الدولة على نمط أمني بامتياز روسي. القوى السياسية التي راهنت مستقبلها على هزيمة روسيا في أوكرانيا قد تعتقد بصدق أن اللعب القذر في دول أعضاء ومرشّحة متعدّدة مبرّر على خلفية التهديد الروسي. والنتيجة الأساسية، مع ذلك، أن السياسات الأوروبية تبدأ في التشبه بروسيا بوتين أكثر من كونها منبراً حقيقياً للقيم الليبرالية التي يدّعي الاتحاد الدفاع عنها. هزيمة شخصية بارزة متشككة بشأن أوكرانيا مثل أوربان لا تغيّر المعادلة تلقائياً. أوهام وزيف التيار السائد الأوروبي ستستمر طبيعياً في إنتاج قوى سياسية تبدو معقولة بمجرد أن تكشف تناقضاتهما — وكان ذلك سرّ نجاح أوربان طوال ستة عشر عاماً. الآراء المعبر عنها هنا للمؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.