تُروَّج الفعاليات الرياضية العالمية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم لكرة القدم، للمدن المضيفة باعتبارها «مكاسب اقتصادية» كبرى — وعود تُبنى على تدفُّق السياح، وامتلاء الفنادق، وخلق فرص عمل مؤقتة، ومليارات الدولارات من الإنفاق. لكن مع اقتراب انطلاق المباريات تبرز علامات استفهام حول مصداقية تلك الوعود، إذ تشير زيادات الأسعار الهائلة لتذاكرر المباريات، وتراجع حجوزات الفنادق عن التوقُّعات، وتنامي حالة عدم اليقين الاقتصادي إلى احتمال أن الحدث قد لا يحقق الاندفاعة المالية التي كانت تتوقعها كثير من المدن.
على الصعيد الدولي، باتت سياسات الهجرة في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب عاملاً رادعاً. في نيسان/أبريل، أصدرت منظمات من بينها اتحاد الحريات المدنية الأمريكي (ACLU) تنبيهات للزائرين الأجانب المتوجهين إلى الولايات المتحدة لمشاهدة كأس العالم، محذرة من أن «الصعود في توجهات السلطة والاشتداد في أعمال العنف يشكلان خطراً جدياً على الجميع»، وداعية الزوار إلى «توخّي الحيطة ووضع خطة طوارئ عند السفر إلى داخل وخارج الولايات المتحدة».
كما عمقت الشكوك حول التأشيرات من تعقيد المشكلة. أسقطت الإدارة برنامَج كفالة التأشيرة الذي كان يطالب زوّار من 50 بلداً بإيداع ضمان بقيمة 15,000 دولار، ثم ألغت في مايو هذا الشرط عن حاملي تذاكر مباريات كأس العالم. غير أن التأخُّر في معالجة طلبات التأشيرة يظل وارداً، وربما يحرم بعض المسافرين من الوصول في الوقت المناسب أو يمنعهم من دخول البلاد نهائياً.
المسافرون المحليون أيضاً يشعرون بالضغط. فأسواق العمل الراكدة وارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل المحروقات أثّرت على الإنفاق الترفيهي. ويبلغ سعر الوقود حالياً نحو 4.16 دولار للغالون (3.78 لترات) وفق رابطة السيارات الأمريكية (AAA)، مقارنة بـ 2.98 دولار للغالون في 28 فبراير، تاريخ الضربات الأولى بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. مجتمعة، تضع هذه العوامل ضغطاً على الطلب على السفر المرتبط بكأس العالم، ما يهدد بانحسار الطفرة الاقتصادية التي كانت متوقعة.
«الرغبة في السفر ودفع مبالغ مرتفعة للتذاكر أقل الآن. كما أن بعض القضايا الجيوسياسية تجعل الناس أكثر حذراً من السفر إلى الولايات المتحدة وإنفاق أموالهم هناك»، قال مايك إدواردز، أستاذ إدارة الرياضة في جامعة ولاية نورث كارولاينا، لـ«الجزيرة».
اضطراب في قطاع السياحة؟
قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة، أفادت جمعية الفنادق والضيافة الأمريكية أن نحو 80 في المئة من حجوزات الفنادق أقل مما كان متوقعاً، وأن 70 في المئة من المستجيبين أشاروا إلى عقبات التأشيرة والاضطرابات الجيوسياسية سبباً رئيسياً لانخفاض الطلب. في نيويورك — التي ستستضيف النهائي — بلغت الحجوزات حوالي 65 في المئة من التوقعات، وفي سياتل تتخلف نحو 80 في المئة من الفنادق عن مستويات الحجوزات الصيفية المعتادة، وذلك من دون احتساب «النهضة السياحية» التي كان قد وعد بها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
وليس الأمر مقتصراً على المدن الأمريكية؛ فقد شهدت فانكوفر في كندا أيضاً حجوزات أقل من المتوقع. وذكرت جمعية فنادق بريطش كولومبيا أن «فيفا، رغم طابعها العالمي، لم تُولِّد الطلب الفندقي الواسع الذي كان متوقعاً».
مع ذلك، يراهن بعض المسؤولين وأطراف الأعمال على أن تباطؤ الطلب لن يكون شديداً كما توقعات مبكِّرة. إذ تقول سلطات مدينة نيويورك إنها تتوقع عودة الحجوزات لمستويات صيفية قريبة من المعدل الطبيعي عند انطلاق البطولة. أما شركات الضيافة الكبرى فتظل متفائلة؛ فقد أعرب برايان تشيسكي، الرئيس التنفيذي لأير بي إن بي، خلال مؤتمر نتائج الربع الأول في 7 مايو عن توقعات بتسجيل حجوزات تفوق أي حدث شهدته الشركة في تاريخها الممتد إلى نحو 18 عاماً.
وعثرت «الجزيرة» على قوائم إيجار قرب ملعب في دالاس لمباريات منتصف يونيو بسعر يقارب 700 دولار للحدّ الأدنى لإقامة ليلتين. وفي فيلادلفيا قبيل مباراة 19 يونيو كانت الأسعار تقترب من 300 دولار لليلتين في الحدّ الأدنى، أما قرب ملعب ميت لايف في شرق رذرفورد بولاية نيوجيرسي قبل النهائي في 19 يوليو فكانت بعض قوائم آير بي إن بي تتجاوز 5,600 دولار.
«الحجوزات تتسارع بسبب قصر مهلة الحجز إذا جاء الناس من داخل البلاد. شركات الطيران تبدو جيدة، لكن أسواق القيادة (القدوم بالسيارة) ستكون كبيرة هنا أيضاً» قالت أليسون أوكونور، نائبة رئيس الاتصالات في رابطة السفر الأمريكية، لـ«الجزيرة».
وسجّلت حركة السفر الجوي أيضاً زيادة في الطلب رغم ارتفاع أسعار الوقود وتقليص الرحلات لدى شركات الطيران الكبرى الأمريكية؛ فقد قفزت الحجوزات إلى هيوستن — مركز عمليات يونايتد وساوثويست — ودالاس — مركز لأميريكان وساوثويست — بنسبة 38 و42 في المئة على التوالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بحسب شركة التحليلات السوقية Sojern. وتشكل الرحلات المحلية نحو 70 في المئة من حجوزات الطيران، بينما تليها كندا بحصة تزيد قليلاً على 6 في المئة والمملكة المتحدة بنسبة 4.8 في المئة.
«من الممكن تماماً أن تكون الفرصة الضائعة في الأعمال القادمة من الخارج»، قالت أوكونور، وهو ما سيؤثر على مستوى الإنفاق لأن السياح الدوليين ينفقون عادة أكثر من نظرائهم المحليين. وتشير رابطة السفر الأمريكية إلى أن المسافرين العالميين قد ينفقون في المتوسط أكثر من 5,000 دولار لكل شخص خلال البطولة، أي ما يزيد بحوالي 200 دولار عن متوسط المصاريف المحلية.
تقلبات أسعار التذاكر
تواجه الأسعار المرتفعة للتذاكر انتقادات واسعة بوصفها مُحجِبة للوصول لقاعد جماهير كرة القدم المتعصبة، وقد وصف اتحاد مشجعي كرة القدم الأوروبية الارتفاع، الذي كان آنذاك سبع مرات على الأقل أعلى من أسعار مونديال 2022 في قطر، بأنه «انتهازي» وخيانة كبرى للمشجعين. لا تزال الأسعار مرتفعة؛ فمتوسط أسعار المقاعد العليا لمباريات مبكرة في دالاس يتجاوز 800 دولار في الحد الأدنى، وتظهر صفحة فيفا أن تذاكر النهائي في 19 يوليو «غير متاحة»، في حين أظهرت قوائم Ticketmaster أسعاراً تبدأ بنحو 9,200 دولار للتذكرة وقد تصل إلى 43,553 دولاراً.
ويعزى هذا الارتفاع أساساً لآلية التسعير الديناميكي التي ترفع الأسعار بحسب الطلب. وقد دافع رئيس فيفا جياني إنفانتينو عن هذه الاستراتيجية خلال مؤتمر معهد ميلكن مطلع العام، قائلاً إن «سوق الترفيه في العالم متطوّر، وعلينا تطبيق معدلات السوق».
في سوق الإعادة (الريسيل) انخفضت الأسعار بنسبة 11 في المئة خلال الشهر الماضي وفق بيانات TicketData التي تتابع أسعار الإعادة. وفي أواخر الشهر الماضي أعلن مدّعيات عامّون في نيويورك ونيوجيرسي فتح تحقيقات بشأن أسعار تذاكر فيفا واستراتيجيات التسعير، وأصدرت نيويورك استدعاءً قانونياً. وقالت مدعية عام نيويورك للتيا جيمس: «لا ينبغي أن يُجبر أحد على دفع أسعار باهظة للمقاعد، ويجب أن يطمئن المشجعون إلى أن التذاكر التي يشترونها هي التي سيتلقونها».
تحييز لصالح السكان المحليين
في مايو أعلن زهران مامداني أن المدينة ستوفر 1,000 تذكرة لسكان نيويورك بسعر 50 دولاراً عن طريق سحب يتيح توزيع التذاكر بالتساوي بين أحياء المدينة الخمسة. هذه التذاكر ستكون لمباريات المراحل المبكرة وليس للنهائي. مع ذلك يبقى ذلك نقطة صغيرة في بحر: يسع ملعب ميت لايف نحو 82,500 متفرج، وما يزال كثير من سكان نيويورك غير قادرين على الحصول على تذاكر، وهو ما تناولته وثائق الاستدعاء القانونية من مكتب المدّعي العام.
«نيويوركيون انتظروا سنوات لوصول كأس العالم إلى عتبة بيوتهم، ويستحقون فرصة عادلة للحصول على تذاكر بأسعار معقولة»، قالت جيمس. وفي بيان مشترك أعلن العمدة مامداني وحاكمة نيويورك كاثي هوشول عن تعاون مع مجموعة Global Citizen لتنظيم مشاهدة جماعية في سنترال بارك لـ50,000 شخص خلال النهائي في 19 يوليو. ونقلت كلمات العمدة: «لا يجب أن تضطر لدفع عشرات الآلاف من الدولارات لتكون جزءاً من كأس العالم. تحت إدارتنا، لا يجب أن يحدث ذلك».
جهود مجتمعية ومحلية
في مدن مثل أتلانتا سعت مؤسسات غير ربحية إلى إشراك الجمهور المحلي. ففي أبريل نظمت منظمة Play Fair ATL المحلية، التي تدافع عن العدالة في الأحداث الكبرى، فعالية أسمتها «كأس الشعب» لمنح من لا يملكون إمكانية الحصول على تذاكر ثمنية فرصة التفاعل مع اللعبة. واستُغلت البطولة في مدن أخرى لتمويل مشاريع بنية تحتية جديدة أو مستمرة؛ إذ قال إدواردز إن استضافة حدث ضخم كثيراً ما تكون دوافعه دفع مشاريع كانت ستُنجز ببطء أو تُهجر.
في هيوستن أطلقت المدينة ما سمتّه «الممر الأخضر» الذي يربط شبكة من مسارات المشي وركوب الدراجات وخطوط النقل العام، بما في ذلك خطوط من نظام القطار الخفيف بالمدينة. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تستفيد فيها هيوستن من حدث رياضي كبير لتطوير البنية التحتية؛ فقد رافق إطلاق نظامها للقطار الخفيف سوبر بول 2004، حين امتد الخط من ستاد المدينة جنوباً عبر ممرات مكتظة بما فيها وسط المدينة ومجمع المركز الطبي بتكساس.
وبالمثل أجرت كانساس سيتي تحسينات نقلية على نطاق أصغر، فافتتحت امتداداً طوله يقارب ميلاً واحداً لعربة الشارع في 18 مايو، كما استأجرت 215 حافلة لزيادة التردد على مدى 32 يوماً خلال البطولة، على أمل أن تُسهِم هذه التحسينات في تحسين الوصول إلى النقل العام على المدى الطويل. وقال عمدة كانساس سيتي كوينتون لوكاس لـ«الجزيرة»: «سنحصل على حالة اختبار جيدة لكيفية تنفيذ ذلك».
وتطرق لوكاس إلى تحدّي التمويل طويل الأمد المستدام للنقل العام، موضحاً أن السؤال يتحول من مئات الملايين إلى مليارات، ويستلزم تنسيق اختصاصات لا يديرها هو بالضرورة: «كنت أتمنى لو قررت الضواحي، على سبيل المثال، ولاية كانساس غداً أن تستثمر مبلغاً معيناً في النقل العام الثابت داخل المجتمع على المدى الطويل. لكن ذلك لم يحدث بعد».
إلا أن خطط المدينة أثارت أيضاً جدلاً؛ ففي العام الماضي تقدمت المدينة بمقترح يتضمن فتح سجن كجزء من جهد أوسع لبناء منشأة احتجاز أكبر وأكثر ديمومة، وهو ما أثارت مخاوف منظمات تدافع عن حقوق المشردين من أنه قد يُستخدم لإبعادهم عن الأنظار — اتهام طاول لوكاس الذي علّق قائلاً إن مثل هذه الخطط ليست وليدة قرار كأس العالم، بل جزء من استمرار عمل البلدية: «ما ترونه هو أننا مستمرون في الحكم. لدينا مدينة دينامية».