تحول يجري في واشنطن. يتحرك ديمقراطيو مجلس الشيوخ لفرض عقوبات على أفراد وكيانات متورطة في مشروع الاستيطان الإسرائيلي «إي 1»، وهو أحد أخطر المساعي الرامية إلى إعادة تشكيل الضفة الغربية المحتلة. وتوقيت هذه الخطوة مهم. فتقارير تفيد بأن المشروع ربما جرى تعليقه تطرح سؤالا: هل يمثل هذا التوقف تغييرا حقيقيا في السياسة أم مجرد تأجيل تكتيكي؟ وفي الوقت نفسه، يستعد مجلس الشيوخ لمغادرة واشنطن هذا الأسبوع، ما يضيق نافذة العمل الفورية. ولم يعد السؤال مجرد هل يعترض الديمقراطيون على توسيع المستوطنات غير القانونية، بل هل هم مستعدون لتحويل اعتراضاتهم إلى نتائج ملموسة.
التشريع، الذي قدمه في 23 سبتمبر أعضاء مجلس الشيوخ كريس كونس وإليزابيث وارن ورون وايدن وروبن غاليغو، يستهدف أفرادا وكيانات تشارك في تسهيل بناء المستوطنات في «إي 1». وله عشرة من الراعين الديمقراطيين على الأقل، وقد أحيل إلى لجنة البنوك والإسكان والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ.
تقع «إي 1» بين القدس الشرقية المحتلة والمستوطنة الكبيرة غير القانونية معاليه أدوميم. وقد نظر مسؤولون فلسطينيون وحكومات أجنبية ودعاة حل الدولتين طويلا إلى تطويرها باعتباره بالغ الأثر، لأن البناء هناك قد يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية المحتلة وجنوبها، ويزيد عزلة القدس الشرقية. لذلك، المسألة ليست مجرد مشروع استيطاني آخر، بل هل يجري تغيير جغرافيا الضفة الغربية بما يجعل تقرير المصير الفلسطيني الإقليمي أصعب فأصعب.
من الإدانة إلى المحاسبة
يقترح التشريع فرض عقوبات على أفراد وكيانات أجنبية ترى وزارة الخزانة أنهم سهّلوا بناء المستوطنات أو نشاطا مرتبطا بها في «إي 1»، بما في ذلك المشاركة في المناقصات. كما يستهدف المشاركين في تنظيم أو تمويل أو تسهيل نقل إسرائيليين مدنيين إلى مستوطنات غير قانونية في المنطقة.
وهذا يمثل خروجا عن الرد التقليدي في واشنطن. فالحكومة يمكن أن تتجاهل احتجاجا دبلوماسيا، لكن العقوبات التي تطال شركات أو أفرادا أو تمنع الوصول إلى النظام المالي الأميركي أصعب في التجاوز. ومع ذلك، يبقى الإجراء اقتراحا، ومصيره غير مؤكد، ومجلس النواب في عطلة. كما أن رحيل مجلس الشيوخ الوشيك يعني أن الفرصة السياسية الفورية تضيق، وإن كان التشريع سيبقى قائما خلال العطلة. لذا، قد تعتمد أهميته على ما يحدث عند عودة الكونغرس بقدر ما تعتمد على ما يحدث قبل مغادرته.
ماذا يعني تعليق «إي 1» فعلا؟
تقارير احتمال تعليق مشروع «إي 1» تستحق الانتباه، لكنها تستدعي الحذر أيضا. فالتعليق أو تأجيل المناقصات أو التأخير لا يعني بالضرورة التخلي عن المشروع. ولا يعني أيضا التراجع عن توسع استيطاني سبق إقراره، ولا يحل المسألة الأوسع المتعلقة بالمستقبل الإقليمي للضفة الغربية.
إذا كان تعليق «إي 1» مجرد تأخير، فلا ينبغي لواشنطن أن تخلط بين التوقف وتغيير السياسة. أما إذا كان المشروع قد أوقف فعلا، فإن اللحظة تتيح اختبار ما إذا كان الضغط الأميركي قادرا على تحويل ضبط النفس المؤقت إلى قرار دائم.
وهنا قد تكون للعقوبات أهمية. فلا تكمن قيمتها بالضرورة في معاقبة مشروع بعد حدوثه، بل في إرساء مبدأ أن توسيع المستوطنات يمكن أن يحمل تبعات قبل أن تصبح العملية غير قابلة للعكس.
تناقض الديمقراطيين
على النقاش الديمقراطي أيضا أن يواجه سجل إدارة بايدن. فقد قالت الإدارة مرارا إن المستوطنات تتعارض مع القانون الدولي وتضر بفرص حل الدولتين. لكن هذه الاعتراضات تعايشت مع استمرار المساعدات العسكرية وعلاقة استراتيجية أوسع مع إسرائيل. وهكذا واصلت واشنطن التعبير عن دعمها لدولة فلسطينية بينما فعلت القليل نسبيا لمنع تطورات قد تجعل قيام هذه الدولة أصعب.
هذا التناقض لم يقتصر على إدارة واحدة. فقد تعاملت حكومات أميركية متعاقبة غالبا مع توسيع المستوطنات كعائق أمام السلام، لكنها لم تصل إلى استخدام نفوذ كبير لمنعه.
غير أن البيئة السياسية داخل الحزب الديمقراطي تتغير. فعدد متزايد من المشرعين الديمقراطيين يتحدى جوانب من السياسة الإسرائيلية، بما في ذلك توسيع المستوطنات والمذابح. ويعكس تشريع «إي 1» نقاشا أوسع حول ما إذا كان دعم إسرائيل يجب أن يعني أيضا تحصين سياسات الحكومة الإسرائيلية من تبعات أميركية حقيقية.
ما الذي يتطلبه التغيير الحقيقي؟
لكي تصبح مبادرة «إي 1» أكثر من رمزية، على الكونغرس أن يضع معايير واضحة للعقوبات، وتنفيذا متسقا، وإرادة سياسية للاستمرار فيها. والأهم من ذلك، على واشنطن أن تواجه الإطار الأكبر لعلاقتها بإسرائيل.
فإذا بقي تقرير المصير الفلسطيني هدفا سياسيا أميركيا، يتبع سؤال أساسي: ماذا يحدث عندما يتبع حليف سياسات يقول مسؤولون أميركيون أنفسهم إنها تقوض هذا الهدف؟
لعقود، كانت الإجابة في الغالب اعتراضا دبلوماسيا بلا نفوذ مقابل. والعقوبات المقترحة ستضيف شيئا غائبا إلى حد كبير عن سياسة الاستيطان الأميركية: احتمال أن تحمل أنشطة الاستيطان كلفة ملموسة في الولايات المتحدة.
هذا لا يضمن تمرير التشريع، ولا تحل العقوبات وحدها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لكنها ستغير شروط النقاش بربط السياسة المعلنة لواشنطن بأداة قادرة على فرض تبعات.
الاختبار يأتي بعد العناوين
لذلك، لا ينبغي تضخيم مبادرة «إي 1» ولا تجاهلها. فهي ما تزال في بداية المسار التشريعي، ومجلس النواب في عطلة، ومجلس الشيوخ يستعد لمغادرة واشنطن. وقد تكون فرص إقرارها الفورية غير مؤكدة. لكن الاختبار الأهم هو هل يواصل رعاتها الضغط على القضية بعد أن تمر اللحظة السياسية الراهنة.
إذا جرى تعليق «إي 1» مؤقتا، فإن أمام واشنطن فرصة للضغط من أجل وقف دائم بدلا من اعتبار التوقف كافيا. وإذا مضى المشروع قدما، سيواجه الكونغرس خيارا أوضح: هل يستمر التعامل مع النشاط الاستيطاني ببيانات قلق أم بتبعات ملموسة؟
في النهاية، «إي 1» أكبر من شريط أرض بين القدس ومعاليه أدوميم. إنه اختبار لما إذا كانت السياسة الخارجية الأميركية تعني ما تقوله. لقد أمضت واشنطن عقودا تعلن أن توسيع المستوطنات يقوض تقرير المصير الفلسطيني وفرص سلام تفاوضي، بينما نادرا ما فرضت عليه كلفة حقيقية.
ويقدم تشريع «إي 1» للديمقراطيين فرصة للبدء في إغلاق هذه الفجوة. والسؤال الحاسم ليس هل تستطيع واشنطن إصدار تحذير آخر، بل هل هي مستعدة أخيرا لجعل مبادئها المعلنة ذات معنى، ولتوضيح أن التزامها بتقرير المصير الفلسطيني لا يمكن أن يبقى عبارة دبلوماسية بينما تتحرك الحقائق على الأرض في الاتجاه المعاكس.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبه ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.